أطمع في أن يدرك من يتعاطون تدريس العربية هذه المسألة، وأن يضعوا نصب أعينهم أنّهم إذ يعلمون العربية فإنّهم يصقلون أذواقًا، ويصنعون قرائح، وينشئون ملكات، فالعربية تأبى أن تنقاد إلا لصاحب الذوق السليم، والقريحة الجيدة، لا لحافظ القواعد المملة، والقوالب الجاهزة، فكأيّن من حافظ لمتن الأجرومية إن تكلم سبق لحنُه إعرابه، أو متيم بالألفية غلب خطؤه صوابَه! ورحم الله العلامة الطناحي، صاحب الذوق الرفيع، إذ قال: "ووجوهُ الإحسان في تأدِية المعاني كثيرة، ومنادحُها واسعة، ولا يكادُ يظفر بِها إلا من وُهِب لطافةَ الحسّ، وخفّة الروح، ورحابة النفس، والارتياح والطرب لمظاهر إبداع الله عزّ وجلّ في هذا الكون، وما بثّه في ملكوت السموات والأرض، وما أجراه على ألسنة خلقه، أمّا "أهل الكثافة" وهم الّذين امتحنهم الله بثقل الظلّ وركود الهواء، فما أبعدهم عن البيان والإحسان:
وهُلْك الفتى ألا يَراح إلى الندى
وألا يرى شيئًا عجيبًا فيعْجَبا
أما القواعد الكثيرة المتشعبة فإن هي إلا وصف أمين لعبقرية العربية، ومبلغ العرب من الذوق والبراعة والجري وراء طلب الخفة في كل ما قالوه وفاهوا به، ولا حاجة للناس بها إن هم عرفوا الصواب، وسبيل ذلك أن يعالج الذوق العام، وأن تقوم السليقة الجماعية، بأن يطرق الصوابُ أسماعَ الناس في كل وقت وحين، وأن يرَوا الكلام في الكتب مشكولاً شكلاً صحيحًا، لا أن نلجأَ إلى القواعد التي لا تنتهي: قلت مرّةً لصديق لي من علماء الندوة بالهند إني أعجب من الناس كيف يعدلون عن صواب خفيف إلى خطأ ثقيل، كعدولهم عن لفظة "الكيّ"، في قولهم "كيّ الثياب"، إلى لفظة "الكَوي"، فأجاب بأن ثقل لفظة "الكوي" أخفُّ من تعلُّم القاعدة الصرفية التي جعلت "الكيَّ" كيًّا! أنا لا يعنيني أن يعرفَ غيرُ المختصِّ كيف صار الكيُّ كيًّا، ولا أن يحذقَ قواعد الإعلال والإبدال، وإنما أن يعرف الكلمة الصحيحة، ويشعر وهو ينطقها أنّها أخف على اللسان وأوقع في الآذان.
ثَمَّةَ قواعدُ ما انفكَّ الطلبة يستصعبونها، كقواعد الممنوع من الصرف مثلاً، فقد منعت العرب من الصرف أسماء بعينها، ثم جاء النحاة وبوّبوا للمواضع التي منعت من الصرف ونصّوا على علل منعها، وسَمَّوا أسماء كثيرة، ولكنك إن تأملت تلك المواضع بعيدًا عن علل النحويين، أدركت أن باب المنع من الصرف مجلى لبراعة العربية وعبقريتها، وعلمت أن العلة في الحقيقة واحدة، هي طلب الخفة والفرار من الثقل، اقرأ إن شئت قوله تعالى: "لهدِّمت صوامعُ وبِيَعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكر فيها اسم الله" وجرِّبْ أن تبدل بضمة صوامع أو مساجد تنوينًا، ثم انظر كيف تكون ثقيلة في النطق ممجوجة في السمع. ولو تأملت الحالتين اللتين صرفت فيهما العرب ما حقه المنع من الصرف تعجبت من لطيف حسهم، وحسن ذوقهم، فقد صرفوا ما حقه المنع من الصرف إذا أضيف أو عُرِّف بأل، وفي كلا الحالتين يزول الثقل الداعي إلى المنع من الصرف، فسبحان من ألهمهم هذا وأنطقهم به.
وفي العربية ألفاظ كثيرة حدّثنا عنها علماء الصرف، كيف صارت إلى صورتِها التي نعرفها بِها، وهي صورة سهلة سلسة، منها في القرآن الكريم الكثير، ونحن لا حاجة بنا إلى معرفة كثير مما قالوه إن لم نكن من المختصين، ولكن أحببنا أن نري الذين يحبون العربية كم هي طالبة للتخفيف، طاردة للتثقيل، قارن إن شئت بين كلمة مجرَيَها ومجراها، وانظر كم خفت الكلمة عندما قلبنا ياءها المفتوحة ألِفًا!
ولو قلّبت الكتب المؤلفة في الصرف وتأملت أبوابَها من مثل التصغير والتكسير والنقص والقلب والنقل والاشتقاق بفرعيه، والإعلال والإبدال، لوقفت من العرب على ما لا ينقضي منه العجب، مما حيّر العلماء بعدُ في تتبعه واستقصائه وتبويبه، وكله يرجع إلى القاعدة الكبرى وهي طلب الخفة والفرار من الثقل، وكأني بأبي الطيب حكى حال العرب مع النحاة وعلماء اللغة في بيته المشهور:
أنامُ مِلْءَ جُفوني عَنْ شوارِدِها
ويسهرُ الخلقُ جراها ويختصمُ
وكلمة أنا إذا وليها حرف متحرك أسقطت العرب ألفها، واكتفت بفتحة النون القصيرة، ولو أثبتتها لكانت ثقيلة، وقد أثبتتها بعض القبائل فلم تحظ لهجتها بالذيوع، بل أهملت وعُدّت في عداد الشاذّ والقليل، وإن وقعت في بعض قراءات القرآن التي فيها الفصيح والأفصح وما دون ذلك.
ومن عبقرية اللغة العربية الاختصار، ومنه باب النحت، وهو بناء كلمة جديدة من الجمع بين كلمتين، ويشتق منها فعل من جنسها، كقولهم حيعل، من حيَّ على، وكبّر، أي قال الله أكبر، وأمثلته كثيرة، يراها الراغب في كتب فقه اللغة وعلومها، كفقه اللغة للثعالبي والخصائص والمزهر. ولم تترك العرب شيئا من هذا الباب إلا وضعت له لفظًا يدل عليه اختصارًا، ودونك الهيللة والحوقلة والحمدلة والبسملة والجعفدة والسبحلة والحسبلة والمشألة والسمعلة والطبقلة والدمعزة، بل لقد قال ابن جني في هذا وأضرابه إن الاشتقاق من الأصوات باب يطول استقصاؤه. وقد وجدتني أنحت مصطلحات جديدة بينما كنت أنقل إلى العربية بعض الكتب المؤلفة باللغة الإنجليزية، فكان من ذلك: العِرْقومية، والعردينية، والرمزَعرقية، والنفسياسة أو النفطياسة، وهي أوصاف تصدق على كثير مما يواجه العالم من نزاعات في حقبتنا هذه، فالعرقومية منحوتة من العرقية والقومية، وكذلك العردينية من العرقية والدينية، أي النزاعات المشتملة على ذين البُعدين معًا.
ثم انظر إلى أبنية الأفعال عند العرب ومعانيها تَرَ عجبًا، فوزن فعّل مشدد العين مثلاً يفيد النقل، كفرّحتُه، أي نقلت إليه الفرح؛ والتكثير كقطَّعته؛ والجعل على صفة كفطّرته؛ والتسمية، كخطّأته وفسّقته وكفرته، أي سميته مخطئًا أو فاسقًا او كافرًا، والدعاء للشيء، كسقَّيته؛ أو عليه، كعقرّته؛ والقيام على الشيء، كمرّضته؛ والإزالة كقذَّيتُ عينه، أي أزلت قذاها؛ والرمي بالشيء، كجبّنته، أي رميته بالجبن.
وإن شئت ألا ينقضي عجبك فانظر من العربية إلى باب الإدغام وما فيه من أقسام يعرف بعضها من لهم صلة بعلم القراءات وفنّ التجويد، وهو باب واسع يجعل المرء يقف إجلالاً أمام عبقرية هذه اللغة في التخفيف على الناطقين بِها. أدغمت في مواضع وفكّت في أخرى، ولو جعلت هذه مكان تلك أو عكست وقفت على مبلغ العرب في تذوق الكلام والسعي للخفة في كل ما فاهوا به. ورحم الله الإمام حمزة بن حبيب الزيّات في اختياراته اللطيفة في هذا الباب، والإمام السوسي قطب باب الإدغام، كما سمّاه الإمام الشاطبيّ في لاميته العظيمة المشهورة بالشاطبية.
ولا تفوتنك في هذا السياق تلك المنادح الواسعة من التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والإضمار والفصل، والاتساع والحمل، والتضمين والجوار، والاستغناء ورعاية الظاهر واعتبار المحل، ومعاني الحروف والأدوات ووقوع بعضها موقع بعض، وتبادل وظائف الأبنية، ثم لغة الشعر التي يسمونَها الضرائر، وكلُّها ظواهرُ تَدُلُّ على عِظَمِ العربية وعُلُوِّ كَعْبِ أهلِها في كمال الذوق وجودة السليقة.
أَلَمْ تَرَ إِلى العربِ كيفَ بالغت في طلب الخِفَّةِ حتى حذفت كلَّ ما لا حاجة إليه في جلاء المعنى واستغنت عنه، فقالت امرأةٌ طاهرٌ من الحيض، لأنَّ الرجلَ لا يشركها في الحيض، وطاهرةٌ من العيوب لأنه يشركها في ذلك، وكذلك قاعدٌ من الحبل، وقاعدةٌ من القعود، ومثله حاملٌ وحاملة؟ وكلُّ ما استقلت به المرأة عن الرجل سقطت من آخره التاء التي يجاء بِها للتأنيث.
وفي الهمز وأحواله دلائلُ باهرة على مبلغ العرب في طلب الخفة، فالهمز ثقيل، والعرب تصرفت فيه ما لم تتصرف في سواه من الحروف، فجاءت به على سبعة أوجه مستعملة في القرآن؛ جاءت بها محققًا، ومخففًا، ومبدلاً بغيره، وملقًى حركته على ما قبله، ومحذوفًا، ومثبتًا، ومسهلاً بين حركته والحرف الذي منه حركته. وهم في ذلك كله إنما كانوا يسعون لطلب الخفة، فإن حققوا فللخفة، وإن سهلوا فللخفة، يحدوهم الذوق وتسندهم الرواية.
من العرب من كان لسانه يطوع بنطق الهمزتين متتاليتين محققتين، فنطق بِهما كذلك، وجاءتنا بِهذا الروايةُ القرآنية عن عاصم برواية حفص، وهي الرواية التي كتب لها من الذيوع والانتشار ما لم يكتب لسواها، ومنهم من كان يستثقل هذا فجنح إلى التخفيف، وبالتخفيف جاءت روايات أخرى كثيرة. كان نافع، وهو قارئ الدينة يقرأ بتخفيف الهمز في مواضع كثيرة، وقد روى عنه تلميذه النجيب الملقب بورش المصري، إبدال الهمز الساكن هروبًا من ثقله، فإن رأى الهمز أخفَّ من الإبدال همز، كما وقع في باب الإيواء، وقد أفردنا مسألة الهمز ببحث طويل، فليرجع الراغب إليه، ففيه فوائد كثيرة. وللحديث إن شاء الله بقية.
المصدر