هذا، وإذا أقْررْنا بوجود التّرادُف -وهو الشبه والمثليّة بين دلالات الكلماتِ التي قد تصلُ إلى
حدّ التّطابُق- فسَيَكون من العَبَث أن نتصوّرَ الواضعَ اللّغويّ أو المشرّعَ اللغويّ يضعُ
لفظيْن اثنيْن أو تَركيبين اثنين متطابقيْن تطابُقاً دلالياً تامّاً، ونقول هذان مترادفان، فهذا
تصوّرٌ غير منطقيّ وغير واقعيّ، والدّليلُ عليْه أنّنا لا نستطيعُ أن نستبدلَ لفظاً بلفظ
يُزعمُ أنّه مرادفٌ له، للدّلالة على مَعْنى واحد، ونقول إنّ للعربيّة سعةً وغنىً، ولكنّ نقول
بالتّقارُب أو الانتسابِ إلى حقلٍ دلاليّ واحد، مع بَقاء فُروقٍ دَقيقةٍ لا يعلمُها ولا يُحسُّ بِها
إلاّ مَن أشْرِبَ لسانَ العربِ وجَرى في دّمه وتذوّقَه، مثل فُحول الشّعراء وجَهابذة النّقّاد ومَهَرَة
الكُتّاب وأهل البيان والبَلاغةِ والصّنْعَةِ
لا أتصوّرُ أنّ بين كلمتَيْن مثل المُدية والسّكّين وعَشَرات الكلمات التي تَدورُ في فلَكِ المُدية
والسّكّين، ترادفاً أو تَطابُقاً في المَعنى، إنّما هي اسمٌ أصليّ وصفاتٌ تابعةٌ له تَدورُ في فَلَكه،
أو هي أسماء تنتمي إلى قَبائلَ مُختلفةٍ، ولكنّها لا تتفقُ في الدّلالة اتّفاقاً مطلقاً، إذ الفُروقُ
التي بينها مردُّها إلى ما يُميّزُ القبيلةَ عن الأخرى من ثَقافاتٍ وعاداتٍ واهتمام بجانبٍ دون آخر
في التّسميةِ ..
والله أعلَمُ