مفهوم الَعاّمّية:
يطلق على العاّمّية أيًضا اللغة المحكّية، أو الَّدارجة، أو المتداولة بين أفراد جماعة بشرية معّينة، وهي اللغة الأم التي تكتسب في بضع السنوات الأولى من الولادة بشكل عفوي، والعاّمي هو" المنسوب إلى العاّمة. والعامّي من الكلام: ما نطق به العاّمة على غير سَنن كلام العرب. والعاّميّة لغة العاّمة، وهي خلاف الفصحى"[29]، و"هي صنعة عاّمة الناس، يتواضعون عليها ويحوكون نسيجها من مادة اللغة ومن قماشها. والعاّمّية ضرب من التنّوع اللغوّي الكلامي يبرز التنّوع في البنى الاجتماعّية، وتتمثل اللهجات "بمجموعة من الصفات اللغويّة التي تنتمي إلى بيئة خاّصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم لهجات عّدة، لكل منها خصائصها، ولكّنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغويّة التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث فهما يتوقف على قدر الأربطة التي تربط بين هذه اللهجات"[30].
و العامّية الَّدارجة تطلق على اللغة المتداولة بين أفراد شعب أو فئة معّينة من المجتمع، وغالًبا ما تكون اللغة الفصحى مكّونها الأساسي، فلقد "نشأت بعد أجيال من أهل الفتح في الأمصار الإسلاميّة نتيجة للاختلال والاختلاف بين َسَنن اللغة المقعدة المكتوبة المنزوع بها نحو الثبوت، وسنن اللغات المرسلة في الحياة اليومّية العاّمة"[31] وكثير من الألفاظ العاّمّية - إ ْن لم يكن معظمها - تنبع من أصول فصيحة، إذ يتداولها العاّمة، ويخضعونها للتفخيم، والإمالة، والاختزال، وقوالب صرفية، ويسقطون النحو بفعل الروابط والعلاقات المختلفة بينها وبين اللغة الأصلية، ولعل خير مثال الدوارج التي ظهرت في شمال أفريقيا بعد الفتح. وهذا ما يطلق عليه عند بعض الدارسين بالعربية المولدة لأنها نشأت باختلاط اللسان العربي الفصيح بغيره من الألسن.
فما هي المناهج والنظريات التعليمية الناجعة لتعلم هذه المستويات الثلاثة من اللغة العربية؟ وكيف السبيل لبناء منهاج عملي يتيح لكل متعلم تعلم المستوى الذي يتلاءم وغرضه؟
اقتراحات عملية:
كما سبق لنا أن أكدنا على نجاعة المذهب الاتصالي في تعليم اللغة الثانية، لكونه أفاد من الطرائق والمذاهب التي سبقته إلى الوجود، وحاول سد نقائصها على الرغم من الانتقادات التي وجهت له. فإنه هو المقترح بالنسبة لنا والمعول عليه في تعليم اللغة العربية بمستوياتها المختلفة للناطقين بغيرها، مهما تعددت أغراضهم. وذلك من عبر الإجراءات الآتية:
1- الرفع من مكانة استعمال اللغة العربية:
ينبني هذا الأجراء بالدرجة الأولى على نظرية علم اللغة الاجتماعية في التدريس، مما يدفع المتعلمين الى ممارسة اللغة المتعلمة خلال كل حلقة من خلقات الدرس عبر الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة والترجمة. وذلك عبر مراحل متدرجة من العبارات المتداولة يوميا إلى مستويات متقدمة، في كل مستوى من مستويات اللغة، حتى ترتبط دراسة اللغة بدراسة الثقافة والفكر العربي الإسلامي بخاصة عند دارسي اللغة الفصيحة.
2- التركيز على التواصل في عمليات التدريس:
بما أن الغاية من تعلم اللغة هو التواصل والتعبير عن الأفكار واستيعاب الأفكار المستقبلة، فإن عملية التدريس يجب أن تولي اهتماما كبيرا للعمليات التواصلية الحقيقية حتى توفر كافة الظروف للمتعلمين ليستعملوا اللغة العربية عبر التحدث، ويشعروا بالحاجة إلى التعبير بها في مواقف ترتبط بالحياة اليومية.
3- جعل الموضوعات التعليمية تتناسب والمتعلم:
وذلك من خلال تحديد حاجات المتعلمين اللغوية؛ لأن الموضوعات التعليمية التي تعد للمتعلم الذي يرغب في دراسة اللغة العربية الفصحى لن تتناسب مع المتعلم الذي يرغب في تعلم العامية أو الوسطى. فكل فئة موضوعاتها التعليمية، ولكل موضوع تعليمي أهدافه وتقنياته.
4- عدم إهمال القواعد اللغوية النحوية:
وذلك من خلال جعل المتعلمين يعبرون باللغة، خصوصا الفصحى، مع الالتزام بالقواعد النحوية. هذا من جهة أولى ومن جهة ثانية، جعل المتعلمين يتعاملون مع مادة لغوية تراثية تربطهم ببيئة هذه اللغة الفصيحة وثقافتها، ويستحسن هذا في المستويات المتقدمة.
5- تنويع الوضعيات التعليمية التعلمية لزيادة الكفاءة الاتصالية:
يمكن للمدرسين تنويع الأنشطة الفصلية وتوفير وضعيات تواصلية وفقا للظروف التعليمية الواقعية ومستويات المتعلمين، مثلا:
• إجراء عروض فنية، ومسابقات في القراءة والإلقاء لإتاحة الفرصة للمتعلمين لعرض ما تعلموه واستثمار قدراتهم التواصلية باللغة العربية.
• الحرص على تفعيل دور وسائل الإعلام في التعلم وذلك من خلال عرض أفلام ومناقشتها، أو الاستماع إلى مقاطع صوتية وكتابتها ومناقشتها.
• تحفيز المتعلمين لكتابة مذكراتهم اليومية باللغة العربية.
• القيام بخرجات لدفع المتعلمين لاستعمال رصيدهم اللغوي في وضعيات تواصلية حية داخل المجتمعات العربية، خصوصا بالنسبة للمتعلمين للعامية أو اللغة الوسطى.
خاتمة:
بعد هذا العرض الموجز للبعض النظريات التعليمية وطرائق تعليم اللغة الثانية، وبعد هذا التبسيط الاجرائي للمنهج الاتصالي، نركز على أهمية مراعاة حاجيات الفئة المستهدفة في إنتاج مقررات تدريس اللغة العربية بمستوياتها الثلاثة للناطقين بغيرها. وذلك من خلال الابداع في الوضعيات التعليمية وعدم الاكتفاء بالمقررات النمطية التي من الصعب أن تلبي حاجات كل المتعلمين. ولن يتاح ذلك إلا من خلال التحديد الدقيق لخصائص المتعلمين، وصياغة رؤية خاصة للتعلم، وتوضيح دور كل من المتعلم والمعلم من خلال ميثاق تربوي.
والعمل على تحليل مواقف التعلم أي تحليل المهام التي يقوم بها المتعلم للكشف عن مدى تعلمه، خصوصا في التقويمات المرحلية، وتحليل الموقف المستهدف؛ ويقصد بذلك تحديد مواقف الاتصال التي يحتاج إليها المتعلم (كتابة تقرير، بحث، تعاون مع الزملاء). وتحديد رغبات المتعلمين واتجاهاتهم نحو التعلم وتوقعاتهم وإمكاناتهم العلمية وخلفياتهم السابقة وخبراتهم اللغوية، وتحديد المهارات اللغوية المطلوبة. ثم وضع خطة دراسية (أهداف المقرر، المحتوى اللغوي/الثقافي/العلمي/، عدد الساعات... التقويم).
ويبقى المجال مفتوحاً أمام الباحثين والممارسين للإبداع في الوسائل المنهجية والوضعيات المهنية لتجاوز العقبات التي تعترضهم في الفصول الدراسية.
المراجع:
• ابن جني، الخصائص،تحقيق: محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب،ط4، 1999ج2.
• أنيس، إبراهيم. في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية.
• حجازي، محمود. النظريات الحديثة في علم اللغة وتطبيقاتها في تعليم العربية على المستوى الجامعي، مجلة التعليم، المركز العربي للتدريب والترجمة والتأليف والنشر، السنة الثانية، العدد4، دمشق، سوريا، 1992
• الدريج محمد، تحليل العملية التعليمية، قصر الكتاب، البليدة الجزائر،2000.
• الزبيدي الاندلسي، طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2،دار المعارف، مصر– القاهرة.
• زكريا، إبراهيم. طرق تدريس اللغة العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر. 1999
• السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج1،شرح وتعليق محمد جاد المولى بك وآخرون، المكتبة المصرية، صيدا – بيروت 1987م.
• الصديق، عمر، أثر استخدام الوسائل التعليمية في تدريس اللغة العربية.
• طعيمة، تعليم العربية لغير الناطقين بها: مناهجه، وأساليبه، الإيسيسكو، الرباط، 1990.
• طعيمة، رشدي. المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، 1986.
• طعيمة، رشدي. تعليم العربية والدين بين العلم والفن، دار الفكر العربي، القاهرة، 2001.
• العصيلي، عبد العزيز. أساسيات تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، 2002.
• العصيلي، عبد العزيز. النظريات اللغوية والنفسية وتعليم اللغة العربية، مجلة الإمام محمد بن سعود الإسلالمية، 1419 ه.
• مجمع اللغة العربيّة، 1966، مادة "عمم".
• الناقة، محمود. تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، جامعة أم القرى، مكة، 1985.
• نهاد الموسى، الأساليب: مناهج وأساليب في تعليم اللغة العربي، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان الأردن 2003.
• Ellis. R، 1994، the study of second ********s acquisition، Oxford: Oxford University Press.
• Howatt. A، 1984، A History of English ********Theaching، Oxford: Oxford University Press.
[1] عبد الله معروف: أستاذ، وباحث في: مركز البحث للغات وعلوم اللغة / العربية - جامعة السلطان مولاي سليمان كلية الآداب بني ملال.
[2] ينظر: الخصائص - ابن جني، تحقيق: محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب،ط4، 1999ج2، ص34.
[3] اللسانيات التطبيقية نقطة اتصال تربط بين مجموعة من العلوم: علم اللغة، علم اللغة النفسي، علم اللغة الاجتماعي، علوم التربية. أنظر محمود فهمي حجازي، النظريات الحديثة في علم اللغة وتطبيقاتها في تعليم العربية، 1992.
[4] اللسانيات التعليمية فرع من فروع اللسانيات التطبيقية وتتقاطع مع علوم التربية في الاهتمام بالمشاكل التعليمية التي أساسها لغوي. وهي علم يدرس تعليم اللغات وتقنياته، وأشكال تنظيم مواقف التعلم التي يخضع لها المتعلم ومراعاة انعكاسها على الفرد والمجتمع من حيث تنمية القدرات العقلية وتعزيز الوجدان وتوجيه الروابط الاجتماعية. أنظر محمد الدريج، تحليل العملية التعليمية، قصر الكتاب، البليدة الجزائر،2000،ص:3.
[5]انظر Howatt، 1984: 169-208.
[6] المرجع نفسه.
[7] انظر:Ellis. R، 1994: 78
[8] طعيمة، رشدي، المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص348.
[9] طعيمة، رشدي، المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص 349.
[10] طعيمة، رشدي، المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص 356.
[11] الناقة، محمود. تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، جامعة أم القرى، مكة، 1985م، ص76.
[12] طعيمة، رشدي. المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص 365
[13] الناقة، محمود. تعليم اللغة العربية، مرجع سابق. ص 80-81.
[14] العصيلي، عبد العزيز، أساسيات تعليم اللغة العربية، ص 310.
[15] طعيمة، رشدي. المرجع في تعلم اللغة العربية، مرجع سابق ص 383
[16] طعيمة، رشدي. تعليم العربية والدين بين العلم والفن، دار الفكر العربي، القاهرة، 2001م، ص 280.
[17] طعيمة، رشدي. المرجع السابق ص 280.
[18] العصيلي، عبد العزيز. أساسيات تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص 339.
[19] العصيلي، عبد العزيز. النظريات اللغوية والنفسية وتعليم اللغة العربية، مرجع سابق، ص 70.
[20] طعيمة، تعليم العربية لغير الناطقين بها: مناهجه، وأساليبه، الإيسيسكو، الرباط، 1990م، ص 141/142.
[21] العصيلي، أساسيات تعليم اللغة العربية، ص 345.
[22] العصيلي، النظريات اللغوية والنفسية وتعليم اللغة العربية، ص 109.
[23] العصيلي، أساسيات تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ص 347.
[24] العصيلي، أساسيات تعلم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص 357-358.
[25] الصديق، عمر، أثر استخدام الوسائل التعليمية في تدريس اللغة العربية، ص 16.
[26] العصيلي، أساسيات تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، مرجع سابق، ص 372.
[27] انظر السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج1، ص 229، شرح وتعليق محمد جاد المولى بك وآخرون، المكتبة المصرية، صيدا – بيروت 1987م.
[28] الزبيدي الاندلسي، طبقات النحويين واللغويين،تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص39، ط2،دار المعارف، مصر– القاهرة د. ت.
[29] مجمع اللغة العربيّة، 1966، مادة "عمم".
[30] أنيس، إبراهيم، في اللهجات العربية، ص:25.
[31]نهاد الموسى، 2003، ص130.
المصدر