كيف يفكر الإنسان من داخل اللغة؟
هل اللغة منهج للتفكير؟
إن سؤال التدريس، جعل الباحث في” تدريسية اللغات” يطرح السؤال التالي: “هل يفكر الإنسان باللغة؟
لا يوجد اتفاق كامل في الإجابة عن هذا السؤال، وهناك من المناطقة* من يرى أن اللغة لا تستخدم إلا في التفكير في العمليات العقلية العيا، ونحن لا نميل إلى هذا الرأي. أما بعض الصوفيين، اعتبروا أن التجارب الصوفية لا يصفها إلا من يعانيها، وأن وصفها باللغة غير ممكن. ولكننا نميل للقول؛ بأن اللغة نظام للأفكار والمعاني بألفاظ تناسبها، فاللغة هي منهج الإنسان في التفكير، وفي الوصول إلى العمليات العقلية والمدركات الكلية. هنا يدور التفريق بين اللغة كنظام للتعبير عن العمليات العقلية العليا والمدركات السامية، وبين اللغة كمنهج للقيام بهذه العميات؛ فاللغة إذن تجربة عقلية شعورية يتم التعبير بها، من خلال تجربة لفظية مناسبة. لكن هل يمكن القول؛ أن اللغة آلية ووعاء للتعبير عن ما تم إنتاجه في مرحلة التفكير باللغة؟ وهل اللغة منهج للعتبير؟
عندما يتكلم الإنسان، فهو يستعمل ألفاظا وجملا، وعلى هذا المنوال؛ يمكن القول أن اللغة نظام للتعبير، فالإنسان العادي يعبر عن أفكاره باللغة، هذه الوظيفة وظيفة اتصالية؛ لأن المتكلم المعلم في تعليمه للغة، يراعي نوعية المتعلم ، لأنه يريد التأثير فيه، كما يراعي في مستوى الكتابة، نوعية القراء المستهدفين للغرض نفسه. هكذا نرى أن اللغة كنظام للتعبير، غير بعيدة عن اللغة كنظام للاتصال.”[12] إذن يكمن القول أن المنهج التعبيري يوازي الوظيفة التواصلية للغة، بينما منهج التفكير والإدراك اللغوي، يوازي الكفاءة التأملية أو الغنوصية* للغة.” لتكون العلاقة بين الكفاءة اللغوية والتواصلية مهمة جدا في المرحلة الأساسية التي هي التعلم، في حين تكون الكفاءة اللغوية عفوية ومرنة، بحيث أنها تصحح التلاعب بنظام اللغة اعتماد على مقاييس اللغة الأم، أما الكفاءة التواصلية؛ فهي تنطوي على مبادئ مناسبة من الاستعداد واللياقة، من جانب المتعلم لاستخدام استراتيجيات ذات صلة تداولية، في التعامل مع حالات خطابية معينة، في إطار تعليم اللغة العربية، سواء للناطقين بها أو بغيرها .”
ويمكن القول مما سبق إن الكفاءة اللغوية، أساس الكفاءة التواصلية، ولا تتحدد كينونة ووجودية الكفاءة التواصلية في غياب الكفاءة اللغوية. ومع ذلك لا يمكن القول إن الكفاءة التواصلية نتاج تلقائي عن الكفاءة اللغوية، إذ تحددها مجموعة من العوامل المتاخمة للطرف اللغوي، لكن هذا الأخير يعتبر العنصر المهم في تكوينها.
وبشكل أكثر دقة يجوز القول، إن الكيفاية التواصلية في منهجها تعتمد على التطور الوظيفي للغة وليس التركيبي، من خلال منح المتعلمين طرق استثمار اللغة واستخدامها، وليس دراستها والتركيز على مكوناتها، لأن هذا يتم تدارسه في مستوى آخر، من مستويات الدرس اللغوي. وفي إطار تداولي؛ تكون الطريقة الوظيفية – التواصلية – في جوهرها بديلا للطريقة التركيبية من منظور شمولي مقارباتي لموضوع التدريسية. ويتم في هذا المستوى- المستوى الوظيفي للغة- سحب” أندري مارتيني” في الاتجاه الوظيفي، الذي أقر أن هناك مجموعة من الوظائف اللغوية، لكن الوظيفة التواصلية هي أعلى وأهم وظيفة في سيرورة اللغة. ويتم التساهل مع الأخطاء اللغوية، حيث يتم التركيز في الآداء اللغوي التواصلي -في إطار تدريس اللغة العربية- على الطلاقة اللغوية، والتركيز عليها أكثر من الدقة في استخدام التراكيب النجوية. لذلك يتم الاستناد في هذا التصور على التطور الوظيفي والتداولي للغة، وليس التطور الهيكلي.
وهذا ما يجعل كل التصورات التربوية الحديثة، تولي في الصف الدراسي مركزية أكثر للمتعلم منه للمعلم ، وفي إطار هذا الاخذ والرد، يجوز القول أن اللغة ليست شيئا جامدا، بل نظام متحرك متناسل ومتنامي، على المستويين الفردي و الجماعي . لكن في عملية تعليم اللغة، تفرز لنا اللبنية الممارساتية الصفية بعض التقاطعات؛ حيث أن الافكار التي تكون في ذهن المعلم لا توافق الأفكار التي تكون في ذهن المتعلم، على الرغم من التشابه الحاصل في بنية الإدراك. لكن ما يحدث من اختلاف عائد لا محالة عائد إلى الاختلاف في البنية الإبستسمولوجية لكل منهما. وهذا هو بيت القصيد؛ إذ ما يحكم طبيعة هذه العلاقة في بعدها البيداغوجي، وما يطبعها؛ هو الاختلاف والتباين في المعارف والخبرات. وهذا هو الباعث الذي يهيئ أرضية خصبة لينبلج تعلم ناجع وفعال، يستجيب لكل الشروط التربوية.
إن الغاية الأساسية من تدريس اللغات، هي” إرساء نظام لغوي في الذهن، وإقامة اللسان كملكة لغوية سليمة وتجنب اللحن* في الكلام. حتى إن استمع المتكلم أو قرأ أو كتب، كان ذلك بأسلوب سليم، واضح العبارة. إن تعلم اللغة العربية إذن هو عملية ذهنية واعية، هدفها بناء ملكة لغوية واضحة النسق، لاكتساب السيطرة والتحكم في المستويات الصرفية والتركيبية والصوتية والدلالية والمعجمية، لامتلاك نسق لغوية متين، من خلال دراسة هذه المكونات وتحليلها، بوصفها محتويات معرفية بالأساس. فتعلم اللغة يستند بالضرورة والأساس على الفهم والإدراك الواعيين لنظام اللغة، كشرط للتمكن منها و إتقانها، إذن يجب- من منظور منهجي في تعلم اللغات- على الكفاية المعرفية المتصلة بكل المكونات اللغوية، أن تسبق الأداء اللغوي الواعي، وأن تكون محددا وشرطا لحدوثه”[13].
وفي خضم الحديث عن الكفاية المعرفية، في إطار تدريسية اللغات.”يلزمنا التميز بين الكفاية التواصلية متعددة اللغات، مقابل الكفاية التواصلية أحادية اللغة… ففي إطار التعدد اللغوي، تحدد الدراسات الحديثة الكفاية متعددة اللغات؛ على أنها مجوعة من المعارف والقدرات، التي تمكن من شحد موارد السجل اللغوي للمتعلمين، فهي كفاية تواصلية متعددة اللغات، تركز على معارف ومهارت فعلية متنوعة،وتتميز بالشمولية والدمج بين اللغات المكونة لها، كما هو وارد عند كوسط (Coste) في مقابل التصور التقليدي، الذي يرى أن الكفاية التواصلية التي يكتسبها المتعلم في اللغة الأولى بالمدرسة، هي كفايات تنظاف إلى الكفاية التواصلية في اللغة الأم، وأن الكفاية التواصلية في اللغة الأجنبية، تنظاف إلى لغة المدرسة الأولى. ففي هذا التصور الحديث، ما يطبع الكفاية متعددة اللغات؛ ليس هو تجميع لمجموعة من الكفايات في لغات متعددة، بل هناك دمج، أو على الأقل ربط وتعالق بين مختلف مكونات هذه الكفاية.وليس التناظر هو ما يطبع مكونات الكفاية، بل الاختلاف بين تلك المكونات، فهي كفاية تشتمل قدرات مختلفة، وتتميز بعدم التوازن بين مختلف السجلات اللغوية.”[14]
وبناء على ما سبق، تكون الكفاية “متعددة اللغات” -ككفاية معرفية- إذن، لاتنبني على معرفة أحادية، نظرا لطابعها التعددي، بل تمتح من تنوع في المعارف وتلون في القدرات، تغني المعجم اللغوي للمتعلمين؛ بتركيزها على معارف فعلية بالأساس، تؤطرها شمولية في بناء مكوناتها المندمجة كما يرى كوسط. وعلى هذا الأساس تتجاوز هذه الكفاية منطق الكم والتجميع والتخزين، إلى منطق الكيف والتعالق بين المكونات التي تحدد الكفاية، حيث نرصد تجلياتها المفرزة، ملموسة في الفعل التعليمي التعلمي.
بيبليوغرافيا:
محمد الدريج ، نحو بيداخوجيا جديدة للتعبير، مقتضيات دراسة النصوص. الدليل التربوي
مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية عبد الوهاب الصديقي
نجيب العوفي، الدليل التربوي، تدريسية النصوص، أسئلة النص و أسئلة المنهج.
محمد مسكي، الدليل التربوي، النص الأدبي وديداكتيك التحويل.
ميلود حبيبي، طرائق تدريس النص الأدبي بالمدرسة الثانوية المغربية وإمكانيات تطويرها، تدريسة النصوص إشراف محمد الدريج
مجلة الدراسات اللغوية والأدبية ،. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية عبد الوهاب الصديقي
الكتاب الأبيض ، المملكة الغربية، وزارة التربية الوطنية 2002
طرق تدريس اللغة العربية، جامعة المدينة العالمية، نخبة من الأساتذة
محمدعابد الجابري، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، دارالنشرالمغربية الدارالبيضاء 1973 ط1 .
رشدي طعيمه، في تعليم اللغة العربية، جامعة أم القرى، الجزء الأول
فاطمة الخلوفي، دراسة بعنوان:أثر المقارنة بين اللغات في بناء كفاية متعددة اللغات والكفايات. ندوة دولية حول:ديداكتيك التعدد اللغوي ، تعليم وتعلم اللغات. إشراف: فاطمة الخلوفي- علال بن العزمية.
إحالات الدراسة:
[1] نحو بيداخوجيا جديدة للتعبير، مقتضيات دراسة النصوص. الدليل التربوي، محمد الدريج .ص:5
[2] عبد الوهاب الصديقي، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية، ص:68
[3] نجيب العوفي، أسئلة النص و أسئلة المنهج. الدليل التربوي، تدريسية النصوص، إشراف محمد الدريج .ص: 25
[4] ينظر محمد مسكي، النص الأدبي وديداكتيك التحويل. الدليل التربوي، ص 30
[5] ميلود حبيبي، طرائق تدريس النص الأدبي بالمدرسة الثانوية المغربية وإمكانيات تطويرها، تدريسة النصوص، ص:56
[6] ينظر، عبد الوهاب الصديقي، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية، ص: 61
*. يعتبر الكتاب الأبيض أول وثيقة رسمية لمراجعة المناهج التربوية المغربية و التي التأمت جهويا و على الصعيد المركزي، بغرض إعادة النظر في المناهج الدراسية و تحيينها في أفق أجرأة اختيارات و توصيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين.
وعمل على أجرأة وتدقيق محتويات هذا الميثاق الذي ينطلق من الفلسفة التربوية لتحديد الاختيارات التربوية الموجهة لمراجعة (وبناء) مناهج وبرامج التربية والتكوين.
[7] طرق تدريس اللغة العربية، جامعة المدينة العالمية، نخبة من الأساتذة ص: ص: 145
[8] ينظر، عبد الوهاب الصديقي، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية، ص: 62
* المسألة التعليمية المغربية حسب موقف محمد عابد الجابري، هي تصور فكري ذي طابع تركيبي معرفي، يصعب فهمه و تمثل أبعاده العميقة، في معزل عن المعالجة النسقية للتراث، بمعنى أن دور المرجعية الفكرية الثقافية في التراث العربيي حاضرة بشكل كبير فيما يخص دورها الجوهري في التعليم والتعلم، خاصة تعليم اللغة العربية باعتبارها الرهان الأساسي للحفاظ على التراث وضمان استمراريته بكل فعال.
[9] عبد الوهاب الصديقي، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية، ص: 63-64
[10] طرق تدريس اللغة العربية، جامعة المدينة العالمية، نخبة من الأساتذة ص:38
*. المناطقة :من يدرسون صور الفكر وطرق الاستدلال السليم، وفي المقام الأول يدرس تخصصات الفلسفة والرياضيات وعلم الدلالة وعلم الحاسوب. ويعتبر أرسطو أول من كتب عن المنطق بوصفه علماً قائماً بذاته، وتمت الاستفادة من هذه العلوم لتطوير طرق تدريس اللغات.
[11] عبد الوهاب الصديقي، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية. مقال بعنوان، اللسانيات وتدريس اللغة العربية، ص: 65-66
[12] طرق تدريس اللغة العربية، جامعة المدينة العالمية، نخبة من الأساتذة ص: 138
[13]رشدي طعيمه: المرجع في تعليم اللغة العربية، جامعة أم القرى، الجزء الأول ص399.
[14] فاطمة الخلوفي، دراسة بعنوان:أثر المقارنة بين اللغات في بناء كفاية متعددة اللغات والكفايات. ندوة دولية حول:ديداكتيك التعدد اللغوي ، تعليم وتعلم اللغات. إشراف: فاطمة الخلوفي- علال بن العزمية. ص:32-33