عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-24-2018 - 04:59 PM ]




وعند التناص مِن سابقات إبداعٍ لكاتبٍ أو شاعرٍ تُراعَى أيضًا الأمانة في الأَخْذ عنه، فمعلوم أنَّ التناصَّ من القرآن لا يحتاج لتفسير أو هامش توضيح؛ فمعلوم للناس أسلوب النصِّ القرآنيِّ وبيانه المتفرِّد بذاته، فيستنبطه القارئ في توِّه، أمَّا الناقل عن بشرٍ غيره فليوضِّح ناحيةَ تناصِّ عمله مراعيًا إشكالية التضاد الدلاليِّ، لمنع حدوث الخلط بين ما انطبع عليه فكرُ القارئِ، وما هو بمُستَحْدَثٍ في نصِّه الجديد.



ومن روضة الأزهر الشريف، منارة العلم والعلماء، ومحفل الفقه الرشيد، كان هذا المقال الذي مددتُ عيني إليه للدكتور/ أحمد عرفة، من علماء الأزهر الشريف، بمجلة الأزهر في جزئها التاسع باب محراب العربية، وبالتحديد ص- 2020 حتى 2026)، والذي تطرَّق فيه لمفرداتٍ قرآنيَّة تخرج عن إطار المألوف من معاملةٍ ومخاطبة المذكَّر والمؤنَّث، ولقد جاء بأمثلةٍ كثيرة نذكر منها حصرًا لسياق المثال، وليس جملة لطول وعمق المقال، فلسنا إلا كمارٍّ بكلِّ مَعين ينبع بمنابع البيان، فيستقي حتى يكتفي، وإن لم يكتفِ فقليلُ الذِّكر يُقنعه.



فها هو اجتنى مِن بستان القرآن الكريم أمثلةً لها العجَب، خالفت المألوف والخارج عن نصِّ القاعدة النحويَّة واللغوية في مخاطبة المذكَّر والمؤنث، فذكر مثالين - وسوف نأتي بمثالين فقط من تلك الصفحات الشائقة استدراكًا للغاية، وإمعانًا في عنوان الفقرة بخصوصِ محاذيرِ التناصِّ وشروطه -: الأول: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [يوسف: 30]



والثاني: وعلى العكس قوله في سورة الحجرات: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾[الحجرات: 14]



فكيف ذلك؟!

يقول د/ أحمد عرفة: وينبغي أن ننتبهَ إلى أن ظاهرةِ مخالفة قواعد التذكير والتأنيث في القرآن - لم تقفْ عند حدِّ المؤنث المجازي، أو ما اختلف في تأنيثه وتذكيره، من بيئةٍ لغويةٍ إلى أخرى، وإنما تعدَّاه إلى المؤنَّث الحقيقيِّ والمذكَّر الحقيقيِّ، ومِن ذلك قوله: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ [يوسف: 30].



يقول صاحب المقال نقلًا عن الزمخشري: "النسوة: اسم مفرد لجمع المرأة، وتأنيثُه غير حقيقي"؛ (يقصد أنَّ الولادة تتحقَّق مع المرأة المفردة، وليس مع جماعة النساء؛ فليس كلُّ النساء سوف يَلِدْن، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث).



وذكر الكاتب - أعزَّه الله - أمثلةً أخرى كثيرة خالفت القاعدة النحوية في مخاطبة المذكَّر والمؤنَّث، الأمر الذي أثار حيرةً في قلوب الغيورين على الكتاب العزيز، أو إعطاء الفرصة للطعن عليه مِن قِبَل المتربِّصين به؛ لكنَّ الكاتب استوفى بما وفَّقه الله الآراءَ الدالَّة مِن جمهور النحاة والعلماء والبلاغيين على سموِّ النصِّ القرآنيِّ من أية شائبة أو عائبة، ومَن أراد الاستزادةَ من المقال أو تاقَ واشتاق للاطِّلاع، فالمقال كما ذكرتُ بعاليه بمجلة الأزهر الشريف/ مصر الجزء التاسع، مقال التذكير والتأنيث في القرآن الكريم باب: في محراب العربية.



الشاهد من هذا التفنيد أو تلك الاستفاضة هو القول بشقين:

الأول - وهو الأسمى -: التسليم بأنَّ القرآن الكريم أبلغ النصوص على وجه الإطلاق لا ريب في ذلك ولا جدال، ومَن حاول التشكيك فليأتِ ببرهانه الذي يفتريه، وسوف يرد له البصر خاسئًا وهو حسير بإذن الله.



الثاني: عدم الإفراط في استخدام التناص، وبخاصة في تلك المواضع؛ فللقرآن الكريم خصوصية في أسلوبه وألفاظه، وعباراته لها القدسية والتسامي على كلام البشر، وهذا لا يتعارض مع التدبُّر والتفكُّر في مفرداته وجُمَلِه والتناص بها، وما حملت عليه التراكيب والعبارات؛ كقوله مثلًا مما أردف د/ أحمد عرفة بمقاله الطيب في سورة الفرقان: ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴾ [الفرقان: 49].



فهنا يرى "سيبويه " أنَّ "مَيت" أصلها على وزن "فَيعِل"، وهو وزن يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، ويرى الثعالبي أنه لم يقل: ميتةً؛ لأنَّه حَمَلَهُ على المكان؛ (كأنه يقول: فأحيينا به مكانًا ميتًا)، والله أعلى وأعلم.



فجدير بك أخي المتناص ألا تتعرَّض لتلك المناطق من النصوص القرآنية إلا بحَذَرٍ وتوخٍّ شديدين؛ لأنَّك لن تستطيع إجادةَ التراكيب، أو مطابقة الحالة التي نَزَلَ لأجلها النصُّ القرآنيُّ، مهما كانت براعتك البيانيَّة، فنحن بَشَر وما أوتي جوامع الكلم إلا نبيٌّ.



عوائد التناصية:

ليس العائد من الطريقة التناصية - وبخاصة إذا كان التناص من القرآن الكريم أو الحديث النبويِّ الشريف - مجرد زخرفة للنصِّ، وإضافة دلالات لغويَّة جديدة تقوم على التحوير وخلافه، بل يمتدُّ الأمر لما هو أسمى مِن ذلك، ألا وهو: تحويل إحساس المتلقِّي نفسِه بأنَّ هناك نصًّا آخَر أرقى وأولى بألا يُترك أو يُنبذ؛ ألا وهو كلام ربِّ العالمين، أمَّا في التناص التاريخيِّ لحدثٍ أو شخصيات تاريخيةٍ ذات أَثَرٍ في تغييرِ مسارات الحياة بشتَّى مجالاتها، فهو جدير بأنْ يخلق أجيالًا لها نسبة استيعاب لمختزل الأمَّة من التاريخ المُشرِق، والدرس المقنع بأننا أصحاب تراثٍ.

والتناص أو التضمين - كما يروق لكثيرٍ من صنَّاع البلاغة، وحُياك البيان في الشِّعر أو النصِّ السرديِّ - له أيضًا عائد على القارئ والكاتب؛ إذ إن مردَّ كلِّ نصٍّ إلى سابقه كما أسلفنا وقلنا بأنَّ "النص ابن النص"، مهما تجدَّدت الدلالات اللغويَّة وتنوَّعتْ فمآلها جميعًا إلى منبع واحد، وهو معين العرب الذي لا ينضب أبدًا، تعم الفائدة كما بينَّا في المقال المرفوع بشبكة الألوكة الطيبة في حفظ النصِّ المنقول عنه، أو كما يقولون: النسب لصاحب العهدة.

ولا يقتصر العائد على كُتَّاب الفصحى وقرَّائها فقط، بل يمتدُّ للراقية عاميتُهم، فيتخذون من الشخوص والأحداث منافذَ جديدةً؛ لتزداد ثقافتهم بالسالف واللاحق.

والله وليُّ التوفيق.

رد مع اقتباس