كما عمل المؤلف على بيان ملكة البلاغة في اللسان باعتبارها تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه، كما أنها تهدي البليغ إلى وجوه النظم وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم، ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبيل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه؛ لأنه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النحوية والبيانية، فإن ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء، وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم، (19) وقدم مثالا لذلك بقوله:«لو فرضنا صبيا من صبيانهم نشأ وربي في جيلهم فإنه يتعلم لغتهم ويحكم شأن الإعراب والبلاغة فيها حتى يستولي على غايتها وليس من العلم القانوني في شيء، وإنما هو بحصول هذه الملكة في لسانه ونطقه، وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك الجيل بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك بحيث يحصل الملكة ويصير كواحد ممن نشأ في جيلهم وربي بين أجيالهم ... ».(20)
فتقرر بجميع ما سلف أنه لا طريق لتعلم صناعة الإنشاء إلا بحفظ كلام الغير وفهمه وتمييز مقاصده مستشهدا بما قاله ابن خلدون، ونصُّه:«فإن عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم، فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط، وأما المَرْبَى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شيءَ وراءها، وكأنهم في أول نشأتهم من العرب الذين نشأوا في أجيالهم حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها، فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا بأعجام في اللغة والكلام لأنهم أدركوا الملة في عنفوانها واللغة في شبابها ولم تذهب آثار الملكة ولا من أهل الأمصار ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته»(21)
وأكد المؤلف نقطةً مهمة في هذا الصدد تمثلت في من يريد أن يتصدى لإنشاء الكلام نثرا كان أو نظما لابد أن يكون فيه استعداد طبيعي لأمور اختيارية وذلك بأن يكون ذا حافظة قوية وفهم ثاقب وذاكرة مطيعة، وبعد حصول هذه الملكة لا بد من الدربة الطويلة على النظم والإكثار منه حتى تستحكم الملكة كما يقول الشيخ حسين المرصفي: فإذا كان الإنسان ذا حافظة قوية واستعملها في حفظ ما اتفق أسلافه ومعلموه على استجادته مهتديا بفهمه إلى معاني محفوظاته ومقاصدها وتمييز كل فريق منها بما له من المحاسن، وما لغيره من المساوئ حسب ما سلف إرشادك له، ثم استخدم ذاكرته في إحضار ما أراد من ذلك متى شاء فهو حينئذ متهيئ لتحصيل تلك الصناعة وبالغ منها بتوفيق الله غاية منيته ومنتهى مقصوده، فمن لم يجد من نفسه ذلك الاستعداد فعليه أن لا يورط نفسه ويستعملها فيما يكدها من غير عاقبة حميدة، بل عليه أن ينظر فيما يسهل عليه ويمكنه الانتفاع به كما قيل:(22)
إِذَا لَمْ تَسْتَطِع شَيْئا فَدَعْهُ=وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيع
وقد حاول المؤلف الوقوف على الطريقة التي كوَّن بها صديقه محمود سامي البارودي باعث الشعر العربي المعاصر حيث قال عنه:« هذا الأمير الجليل ذو الشرف الأصيل، والطبع البالغ نقاؤه، والذهن المتناهى ذكاؤه محمود سامي باشا البارودي، لم يقرأ كتابا في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سن التعقيل وجد من طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع إلى بعض من له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين، أو يقرأ بحضرته حتى تصور في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية ومواقع المرفوعات منها والمنصوبات والمخفوضات حسبما تقتضيه المعاني والتعلقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن، وسمعته مرة يسكن ياء المنقوص والفعل المعتل بها المنصوبين، فقلت له في ذلك، فقال هو كذا في قول فلان وأنشد شعرا لبعض العرب فقلت تلك ضرورة، وقال علماء العربية إنها غير شاذة، ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبث جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها واقفا على صوابها وخطئها مدركا ما كان ينبغي وفق مقام الكلام وما لا ينبغي... ».(23)
بيَّن المرصفي في هذا النص المنهج السليم الذي سلكه محمود سامي البارودي والمتمثل في قراءة النصوص الجيدة وحفظ خيارها والعكوف عليها وإدامة النظر فيها لإتقان صناعة الأدب باعتبارها الوسيلة التي لا يمكن أن تغني عنها أية دراسة لغوية أو نقدية، وخير دليل على ذلك مجموعة الأشعار التي خلفها لنا البارودي في مختاراته التي تذكر بمختارات أبي تمام في ديوان الحماسة.
وقد أورد المرصفي مثالا لما ينبغي تحصيله للحفظ وترديد النظر فيه من قصائد لمشاهير الشعراء، وبحسب نشأة الشعر وما عرض له من التغير جعل الشعراء في ثلاث طبقات:
- الطبقة الأولى: للعرب الجاهليين والإسلاميين من المهلهل إلى بشار بن برد.
- الطبقة الثانية: للمحدثين الذين كانوا يحرصون على موافقة العرب ويجتهدون في سلوك طرائقهم من أبي نواس إلى من قبل عبد الرحيم المعروف بالقاضي الفاضل.
- الطبقة الثالثة: الشعراء الذين غلب عليهم استعمال النكات والإفراط في مراعاة البديع وهم من القاضي الفاضل إلى هذا الوقت.(24)
وتتبع المرصفي فروق كل طبقة من هذه الطبقات ومميزاتها، حيث كان له ذوق رفيع في اختيار النصوص الشعرية وعرضها وتحليلها مع بيان ذلك في نماذج من شعر الشعراء كالمهلهل وأبي فراس الحمداني ... مما جعل الوسيلة الأدبية مجموعة من المختارات الأدبية العالية شعرا ونثرا.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الجهة الثانية «في أمور كلية» تحدث فيها عن أصول يعتمدها الكاتب في المكاتبات بحيث يتعين على مريد الصناعة التمكن من معرفتها واعتبارها ليأتي بها على وجهها، مستعينا بما ورد عند «أبي العباس أحمد القلقشندي» في كتابه «صبح الأعشى»، بيَّن فيها حسن الافتتاح المطلوب في سائر أنواع الكلام من نثر ونظم، وبراعة الاستهلال المطلوبة في كل فن من فنون الكلام، والمقدمة التي يلزم أن يأتي بها في صدر الكتب المشتملة على المقاصد الجليلة تأسيسا لما يأتي به في المكاتبة، ومواقع الألفاظ الدائرة في الكتب، والأدعية التي جرت عادة السلف وتبعهم الخلف باستعمالها في المكاتبات إلى غير ذلك من الحديث النظري العام.
أما الجهة الثالثة فخصها المؤلف بأمثلة تعين بتفهمها وتأمل سياقاتها من فواتحها إلى خواتمها على تربية الذهن، ومن فضائل ما ذكره المؤلف في هذه الجهة حشده مجموعة كبيرة من النصوص النثرية وتناولها بالتفصيل والتحليل والمناقشة.
والكتاب على أية حال شديد الشبه بكتب الأمالي العربية القديمة، كــ«الأمالي»لأبي علي القالي و«الكامل» للمبرد وغيرهما، وإن اختلف عن الأمالي القديمة في أنه لم يقتصر على الأدب وروايته، بل شمل جميع علوم اللغة العربية من نحو وصرف وعروض وفصاحة وبيان وبديع ومعان، ثم الأدب بفرعيه: الشعر والنثر، متحدثا عن كل فن على حدة، ولكن على طريقة الاستطراد والتداعي المعروفة في كتب الأمالي القديمة، واستشهاد الشيخ حسين المرصفي ومحفوظاته الضخمة تنم عن ذوق سليم في الاختيار، كما ينم حديثه عن علوم اللغة عن فقه وتعمق وحافظة جبارة، فضلا عن حديثه عن رائدي البعث الأدبي في عصره محمود سامي البارودي الشاعر وعبد الله فكري الناثر وإيراده عدداً من قصائد البارودي الشعرية ومقطوعات عبد الله فكري النثرية، والموازنة بينهما وبين شعر القدماء ونثرهم.
واستنادا إلى هذه المبادئ التي أثبتها الشيخ حسين في «وسيلته» يمكن القول بأنه قد وجه الأدب الوجهة الصحيحة في بعث الأدب العربي عامة والشعر العربي خاصة، باعتبار أن الشعر هو الذي يكون الجانب الأكبر من تراث الأدب العربي القديم.
ــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) الوسيلة الأدبية 1/421.
(2) نفسه 1/422.
(3) نفسه 1/422.
(4) نفسه1 /489.
(5) نفسه1 /490.
(6) نفسه1 /492.
(7) نفسه 1/493.
(8) نفسه 1/494.
(9)نفسه 1/693.
(10) نفسه1/693-694.
(11)نفسه 1/708.
(12)نفسه 2/3.
(13) نفسه2/14-15.
(14)نفسه 2/16.
(15)نفسه 2/19.
(16)نفسه 2/392
(17) نفسه: 2/399-400.
(18) الوسيلة الأدبية: 2/401-400. مقدمة ابن خلدون 2/400-401
(19) نفسه: 2/403-404.
(20) نفسه: 2/403
(21) نفسه: 2/405. مقدمة ابن خلدون 2/389-388
(22) نفسه: 2/406.
(23) نفسه: 2/408.
(24) نفسه: 2/447-446.