سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الواحدة والستون-أ.د. محمود مختار (يرحمه الله)، ورأيه في منهجية أسلوب وضع المصطلحات تعريبًا أو ترجمةً، وإثراء اللغة العربية العلمية وتطعيمها بألفاظ محدثة:
لقد حاولت بعض الهيئات القائمة على شؤون المعجمات ومصطلحاتها ومنها مجمعنا بالقاهرة وضع بعض الأسس لهذه المنهجية مبنية على ما استقرت عليه مجالسها أو مؤتمراتها من مبادئ، كان منها:
1-أن المصطلح في مفهومه ودلالته لفظ يصطلح عليه أهل التخصص ليصبح وسيلة يتم بها التواصل والتفاهم فيما بينهم، أي أنه كتلة صوتية واحدة ذات معنى محدد واحد ودلالة علمية واحدة في مجال استخدامه، يستوي في ذلك إن كان مترجمًا أو معربًا أو دخيلاً. وهذا يعني أن قيمة المصطلح تتحدد باستساغته والإجماع عليه من المختصين أولاً بعد تهذيبه من اللغويين، كما يلزم أن يكون متسقًا مع بقية المصطلحات القريبة منه وقابلاً للنمو إما بالاشتقاق أو بالإضافة.
2-ضرورة كتابة المصطلح العربي مشكولاً في المعجم حتى تصح قراءته ويُستدل على دلالته مباشرة دون حاجة للرجوع إلى تعريفه لإمكان قراءته قراءة صحيحة.
3-ضرورة تعريف المصطلح في المعجم. وهذا أمر ملزم لا يمكن تجاوزه. ويكون التعريف عادة مقتضيًا الغرض منه هو التعرف على دلالته باختصار دون التوسع في جوانبه التعليمية وبدون التعريف يفقد المصطلح أهم صفاته ويفقد المعجم معه أهم مقوماته كمعجم علمي مفيد.
وأما عن إثراء اللغة العربية العلمية وتطعيمها بألفاظ محدثة، فمن المعلوم أن المعجمات العلمية العربية المتخصصة حديثة عهد في الوطن العربي. وهي وإن كانت قد بدأت قليلة محدودة إلا أنها أثرت اللغة العربية بدرجة محسوسة، فضلاً عن أن اطراد التقدم العلمي بسرعة فائقة قد أغرق اللغة العمية الأجنبية بسيل منهمر من المصطلحات الحديثة التي يلزم استيعابها في معاجمنا بطريقة أو بأخرى.
ولما كان من المعلوم أن اللغة العربية لغة اشتقاقية، فإنها مهما امتدَّت واتسعت فسوف تصل إلى حدود تهدِّئ من سرعتها وربما توقفها. ويعني ذلك أن السيل المنهمر بلا حدود في الحاضر والمستقبل لا يمكن استيعابه بتحميل الاشتقاق أكثر مما يحتمل. ويصبح من الضروري أن نبحث عن إمكانية تنمية الثروة اللفظية العلمية بوسيلة أو بأخرى من الوسائل التي استخدمتها اللغات الأوربية ومكنتها من استيعاب المصطلحات المنهمرة بسهولة مهما تعددت وامتدت في الحاضر والمستقبل.
تلك هي الصفة الإضافية في اللغات الأوربية، ومنها استخدام السوابق واللواحق على نطاق واسع. فهل يمكن الاستعانة بها في لغتنا على نطاق واسع أيضًا. أقول على نطاق واسع إذ إنها ليست غربية تمامًا عن لغتنا العربية. وقد أمكن استخدامها واستساغتها في مجالات تخصصية عديدة بنجاح كالطب والصيدلة وكثير من العلوم التطبيقية، بعد أن وُضع لها نهج يحكم قبولها، أساسه عدم الجمع بين سابقة أو لاحقة من أصل عربي إلى لفظ غير عربي، والعكس بالعكس، أي عدم الجمع بين سابقة أو لاحقة من أصل أجنبي إلى لفظ عربي الأصل، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وثمة وسيلة أخرى تساعد على استيعاب العديد من المصطلحات هي استخدام الرموز والإشارات والتراكيب الرياضية أو الكيميائية وما إليهما بصورتها التي أقرتها الهيئات العلمية العالمية دون تغيير، ولا يخفى ما لهذا الوضع من أهمية في التيسير عند كتابة المعادلات في جميع اللغات بصورة واحدة. وقد سبق أن أقر مؤتمر عمان للرموز هذا الإجراء.
المصدر: من مقومات المعجم العلمي العربي المتخصص، بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، العدد 59، ص 101-103.
إعداد: د.مصطفى يوسف