أنواع التشبيه عند العرب
من كتاب المصون في الأدب للعسكري
العرب تشبّه على أربعة أضرب: تشبيه مفرط وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه فمن المفرط قولهم للسخىّ: هو كالبحر، وسما حتّى بلغ النجم ثم زادوا في ذلك فمنه قول بعضهم:
له هممٌ لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصغرى أجلُّ من الدّهرِ
له راحةٌ لو أنّ معشارَ جودها ... على البرّ كان البرُّ أندى من البحر
ولو أنَّ خلق الله في مسكِ فارسٍ ... وبارزَه كان الخلىَّ من الذُّعر
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد قوله:
أضاءت لهم أحسابُهم ووجوههم ... دحى الليَّل حتى نظَّم الجزعَ ثاقبه
قالت امرأةٌ لعمران بن حطّان: زعمت أنك لم تكذب في شعر قطُّ، وقد قلت:
فهناك مجزأةُ بن ثّو ... رٍ كان أشجعَ من أُسامه
أفيكون رجلٌ أشجع من الأسد؟ قال: أنا رأيت مجزأة فتح مدينةً، والأسدُ لا يفتح مدينة: ومن التشبيه القاصد الصحيح قوله:
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كنههِ ... أتاني ودوني راكسلٌ فالضَّواجعُ
فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرُّقش في أنيابها السمُّ ناقعُ
يُسهَّد من ليل التمام سليمها ... لحلى النِّساء في يديه قعاقعُ
تناذَرها الراقونَ من سوءِ سمّها ... تطلّقه طوراً وطوراً تراجعُ فهذه صفة الخائف المهموم.
ومنه قول الآخر:
تبيت الهموم الطارقات يعُدنني ... كما تعترى الأهوال رأْسَ المطلَّقِ
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيراننا ... إذ أنا في الحيّ كأنّي حمارْ
أراد الصحة. وهذا بعيدٌ لأنّ السامع إنما يستدلّ عليه بغيره وقد وقع على ألسن الناس من التشبيه المستحسن عندهم وعن أصل أخذوه، أن يشبّهوا عين المرأة وعين الرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحدّ السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضّة، والساق بالجمّارة.
من عجيب التشبيه
قوله:
لعينُك يوم البين أسرعُ واكفاً ... من الغصُن الممطور وهو مروحُ
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى. وإنّ أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول: كأنه الأسد؛ ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنّها الشمس، لم تجعلون هذه الأشياءَ بهم أشبه؟ ثم قال: لأنشدنّك شعراً يكون لك إماماً: ثم أنشدني:
إذا سألت الورى عن كلِّ مكرمةٍ ... لم تلف نسبتَها إلاّ إلى الهَوْلِ
فتى جواداً أنال النَّيْل نائله ... فالنَّيْل يشكر منه كثرةَ النَّيْلِ
والموت يرهب أن يلقى منيّتَه ... في شدَّة عند لفّ الخيل بالخيل
لو بارز الليلَ غطّتهُ قوادمُه ... دون الخوافي كمثل الليل في الليل
أمضى من النَّجم إن نابتْه نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السَّيل
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبد الأول بن مرثد، أحد بنى أنف الناقة، عن ابن عائشة عن أبيه قال: قال عبد الملك يوماً وقد اجتمع الشعراءُ عنده: تشبّهوننا بالأسد والأسد أبْخر، وبالبحر والبحر أجاج، وبالجبل مرّةً والجبلُ أوعر، ألاَّ قلتم كما قال أيمن بن خريم ابن فاتك لبنى هاشم:
نهاركُم مكابدةٌ وصومٌ ... وليلكمُ صلاةٌ واقتراءُ
أأجعلكم سواءً ... وبينكمُ وبينهمُ هواءُ
وهم أرضٌ أرجلكمْ وأنتمْ ... لأعينهم وأرؤسهم سماءُ
قال: أخبرني أبي قال: أخبرني محمد بن الوليد العقيلي قال: أخبرنا أبو بكر البصري عن الهيثم بن عدى قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، قد امتدحتك فاستمع منّي. فقال عبد الملك: إن كنت إنّما شبهّتني بالصّقر والأسد فلا حاجة لي في مدحتك، وإن كنت قلت كما قالت أختُ بني الشَّريد لأخيها صخر فهات. فقال الأخطل: وما قالت يا أمير المؤمنين؟ قال: هي التي تقول:
وما بلغتْ كفُّ امرئٍ متناولٍ ... من المجد إلا حيثُ ما نلتَ أطولُ
وما بلغَ المهدونَ في القول مدحةً ... ولو أطنبوا إلاّ الذي فيك أفضلُ
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ ... من الضَّيم لا يبكي ولا يتذلّلُ
قال الأخطل: والله لقد أحسنت القول، ولقد قلت فيك بيتين ما هما بدون قولها. فقال: هات فأنشأ يقول:
إذا مُتَّ مات الجودُ وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرَّدِ
ورُدّت أكفُّ السائلين وأمسكوا ... من الدِّين والدنيا بخلْف مجدَّد
وأخبرني أبي قال: أخبرني العقيلي قال: أخبرنا ابن عائشة قال: دخل جرثومة الشاعر على عبد الملك بن مروان، فأنشده والأخطلُ حاضر، فلما بلغ إلى قوله:
إليك أميرَ المؤمنينَ بعثتُها ... وكلّفتُها خرقاً من الأَرض بلقعا
فما تجدُ الحاجاتُ دونَك منتهىً ... سواكَ ولا تلقَى وراءَك مطلعا
قال عبد الملك للأخطل: هذا المدحُ ويلك يا ابن النَّصرانية!
كتب إسماعيل بن صبيح إلى بعض الرؤساء: " في شكر ما تقدَّم من إحسان الأمير شاغلٌ عن استبطاءِ ما تأخَّر منه ".
فأخذه أحمد بن يوسف فكتب إلى بعضهم: " أحقُّ من أثبت لك العذرَ في حال شغلكَ من لم يخلُ ساعةً من برِّك وقت فراغك ".
ثم أخذه من أحمد بن يوسف سعيدُ بن حميد فكتب: لست مستقلاً بشكر ما مضى من بلائك فأستبطئ درك ما أؤمّل من مزيدك.
ثم أخذه حمد بن مهران فكتب في فصل: " ولئن تعذّرتْ حاجتي قبلك لطال ما تيَّسَر لي أمثالها عندك. ولستُ أجمع إلى العجز عن شكر ما أمكنَ التسُّرع إلى الاستبطاءِ فيما تعذّر ".
أخذ هذا كلُّه من قول علي بن أبي طالب صلى الله عليه: " لا تكوننَّ كمن يعجز عن شكر ما أوتيَ ويبتغي الزيادةَ فيما بقي أول من بدأَ بتشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد امرؤ القيس فقال:
كأنَّ قلوبَ الطّير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العُنَّابُ والحشفُ البالي
وقال منصورٌ النمري:
ليلٌ من النَّقْع لا شمسٌ ولا قمرٌ ... إلاّ جبينك والمذروبة الشُّرعُ
ثم تبعه بشارٌ فقال:
كأَنَّ مثارَ النقع فوق رؤُسهم ... وأسيافنا ليلٌ تهاوتْ كواكبه
وقال العتّابي:
تبنى سنابكها من فوق أرؤسِهم ... سقفاً كواكبُه البيضُ المباتيرُ
وأنشدني أبو الحسن أحمد بن هشام الشاعر، وشبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت يصف شعر امرأة وبياضها ويصف نفسه:
فكأّنني وكأنَّها وكأنّه ... صبحان باتا تحت ليلٍ مُطبقِِ
واستحس الناس قول النابغة:
فإنَّك كالليل الذي هو مدرِكي ... وإن خلتُ أنّ المنتأَى عنك واسعُ
خطاطيف حجنٌ في حبالِ متينةِ ... تمَدُّ بها أيدٍ إليك نوازعُ
تبعه سلم الخاسر فقال:
وأنت الدَّهرِ مبثوثاً حبائله ... والدهرُ لا ملجأُ منه ولا هربُ
ولو ملكتُ عنانَ الرِّيح أصرفه ... في كلِّ ناحية ما فاتكَ الطَّلَبُ
وقال علي بن جبلة يمدح حميداً الطّوسيّ:
وما لامرئ حاولتَه منك مهرب ... ولو رفعتْه في السِّماء المطالعُ
بلى هاربٌ لا يهتدي لمكانه ... ظلامٌ ولا ضوءٌ من الصبح ساطعُ
وسرقاه جميعاً من قول الفرزدق:
ولو حملتني الريحُ ثم طلبتني ... لكنتُ كشيءٍ أدركته مقادرُه
وقال البحتريّ:
سلبوا وأشرقت الدماءُ عليهمُ ... محمرَّةً فكأنّهم لم يسلبوا
ولو أنّهم ركبوا الكواكب لم يكن ... لمجدِّهمْ من أخذ بأْسك مهربُ
قول سلم: " وأنت كالدهر " مأخوذ من قول الأخطل:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... كالدهر لا عارٌ بما فعل الدهرُ
أنشد أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لعديّ بن زيد:
قد يدرِك المبطئ من حظِّه ... والخير قد يسبق جهد الحريصْ
فسرقه القطاميّ فقال:
قد يدرِك المتأَنِّي بعضَ حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّللُ
وأنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءتْ وأستارٌ من الليل دونها ... إلينا وحانتْ غفلةُ المتفقِّدِ
بعينَىْ مهاةِ تحدُر الدمعَ منهما ... برِيمَينِ شتَّى من دموع وإِثمدِ
فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَها ... وأدمعُها يُذرين حشو المكاحل
تمتَّعْ بذا اليومِ القصيرِ فإنّه ... رهينٌ بأَيام البلاءِ الأَطاولِ
فسرقَه بعضُ المحدَثين فقال:
خذِي أُهبةً للبين إنّيَ راحلٌ ... قرا أمل يُحْييك والله صانعُ
فسحَّتْ بسِمطَيْ لؤلؤٍ خلطَ إِثمد ... على الخدِّ إلا ما تكفُّ الأصابعُ
قال الشمّاخ:
وتقسِم طرف العين نصفاً أمامَها ... ونصفاً تراه خشيةَ السَّوط أزورا
أخذه مسلم بن الوليد فقال:
تمشِي العِرضْنةَ قد تقسَّمَ طرفها ... وضحُ الطريق وخوفُ وقْع المحصَدِ
وأنشدنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدني أحمد بن يحيى، لزياد بن منقذ أخي المرّار:
لا حبّذا أنتِ يا صنعاءُ من بلد ... ولا شعُوبُ هوىً منَّا ولا نقُمُ
ولا أحبُّ بلاداً قد رأيتُ بها ... عَنْساً ولا بلداً حلَّتْ به قدَمُ
وحبّذا حينَ تمسِي الريح باردةً ... وادي أشيٍّ وفتيانٌ به هضُم
مخدَّمون كرامٌ في مجالسهم ... وفي الرِّحال إذا صاحبتَهم خدَم
كم فيهم من فتىً حلوٍ شمائلُه ... جمُّ الرَّمادِ إذا ما أّخْمد البرَمُ
غمرِ الندي لا يبيت الحقّ يثْمُده ... إلاّ غدَا وهو سامي الطَّرف يبتسم
إلى المكارم يبنيها ويعمُرها ... حتّى ينالَ أموراً دونها قحمُ
يا روْقُ إنِّى وما حجَّ الحجيجُ له ... وما أهَلَّ يجنبىْ نخلةَ الحرُمُ
لم ألقَ بعدهُمُ حيّاً فأخبُرَهم ... إلاّ يزيدُهم حبّاً إلىّ همُ
أنشدنا أبو بكر محمد بن يحيى، لمحمود بن مروان بن أبي حفصة:
وقد كنتُ أخشى من هواهُنَّ عقرباً ... فقد لسعتني من هواهُنَّ عقربُ
بخِلْنَ بدرياقٍ على مَن لسعْنَه ... ألا حبّذا درياقُهنَّ المجرَّبُ
أخذه ابن المعتزّ فقال:
وكأنّ عقربَ صدغه وقفتْ ... لمّا دنتْ من نار وجنتِه
وأنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت لنفسه:
كأن أجفانه من جسم عاشقِهِ ... قد رُكِّبت فهي في الأَسقام تحكيه
في صدغه عقربٌ للقلب لادغةٌ ... درياقٌ لدغتها يا قومِ من فيه
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو حاتم عن الأصمعي:
أطلسُ يخفى شخصَه غُبارُه ... في شدقه شفرتُه ونارُه هو الخبيثُ عينُه فرارُه .