لم أزره يومًا إلا وأخرج بمعلومات وقصص ونوادر وطرائف وحكايات ومواقف التي لم تخطر على بال، وكنت أستمتع بها أيَّما استمتاع، بل كنت أدون العديد منها في مذكراتي، وكان –رحمه الله- يحكي لي عن طفولته مع والديه وأخوته وأخواته وأصدقائه، تحدث لي عن شبابه ودراسته وحرصه على العلم والمعرفة وعن عشقه لكتب التراث وعن لقاءاته بأهل العلم والمعرفة وخاصة أهل التراث وأهل التحقيق، حكى لي عن كيف تعرف على المخطوطات، وكيف استطاع وهو في السنة الثالثة من الماجستير أن يقارن بين النسخ حتى تفوق على أساتذته، وقد اتصل أستاذنا –رحمه الله تعالى- بأبرز أعلام التحقيق منهم: الأستاذ عبدالسلام هارون، والشيخ عبدالخالق عضيمه، والشيخ محمود شاكر، وصديقه الحميم القريب إلى قلبه الشيخ حمد الجاسر علامة الجزيرة الذي أثنى ثناء عاطرًا على تحقيقات أستاذنا الدكتور حاتم وكان يدعوه للكتابة في مجلته (مجلة العرب)، فاستجاب لدعوته فأثرى بكتاباته وأبحاثه المجلة، أقول: ومن أولئك العلماء الذين كانت بينه وبينهم صلة وتواصل الدكتور محمود الطناحي، والأستاذ عبدالفتاح راتب النفاخ، والأستاذ الدكتور عبدالصبور شاهين، والدكتور صالح العايد، والأستاذ الدكتور عبدالرحمن العثيمين، والأستاذ الدكتور أحمد الضبيب، والأستاذ الدكتور عياد الثبيتي، والأستاذ الدكتور سليمان العايد، والأستاذ الدكتور عبدالعزيز التويجري رحمه الله، والأستاذ الدكتور مازن المبارك، والأستاذ الدكتور محمد خير البقاعي، والأستاذ الدكتور عوض القوزي، والأستاذ الدكتور عبدالعزيز المانع، والأستاذ الدكتور يحي الساعاتي، والأستاذ الدكتور عبدالرحمن العارف، والأستاذ الدكتور عادل سليمان، ومن الأعلام العراقيين الذين تواصل معهم أستاذنا وكانت بينه وبينهم ذكريات وجلسات ومحاورات علمية وثقافية واجتماعية الأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي، والأستاذ الدكتور أحمد مطلوب، والأستاذ الدكتورة خديجة الحديثي، والأستاذ الدكتور فاضل السامرائي، والأستاذ الدكتور حسام النعيمي، والأستاذ الدكتور يحيى الجبوري، والأستاذ الدكتور عدنان سلمان، والأستاذ الدكتور جاسم الدرويش، وقائمة طويلة عريضة يصعب ذكرها وحصرها تواصل معهم علميًا وأكاديميًا، وعن طريقه تعرفت على أبرز أولئك الأعلام.
كان وفيًّا لبلده العراق وفيًّا لأمته العربية والإسلامية، فقد اتسم –رحمه الله - بالإباء وعزة النفس فبعد أن نأت به الديار وغادر العراق وحلَّ ضيفًا عزيزًا على الإمارات، أخذ يعمل في مركز جمعة الماجد وفي كلية الدراسات الإسلامية والعربية بمبلغ من المال لا يوافي عمله وجهده وعلى الرغم من ذلك كان راضيًا محتسبًا الأجر والثواب، وعندما علمت إحدى الدول الأوربية عنه عرضت عليه مبلغًا يصل إلى ثلاثة أضعاف ما يتقاضاه، وعلى الرغم من حاجته للمال إلا أن عزة النفس أبت عليه أن يتقاضى مالاً من أناس أعداء للأمة وقد شاركوا في قتل وتشريد أهل بلده، في حين رأى ضعاف النفوس كيف تهافتوا على المال.
وكان له فضل عليَّ حيث عرفني بأبرز تلاميذه من أهل العلم والفضل ممن قدموا للإمارات للتدريس بكلياتها ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر الأخ العزيز الأستاذ الدكتور يوسف العيساوي، والأخ الدكتور هادي الشجيري، والأستاذ الدكتور حازم سعيد، والأخ الأستاذ الدكتور عبدالكريم مدلج، والأستاذ الدكتور عطية الوهيبي، والدكتور عمار الددو، والأستاذ الدكتور رسول، والأخت العزيزة الدكتور نوال سلطان، وعدد كبير لقيتهم فاستفدت من فضلهم وعلمهم.
وكان -رحمه الله- يحثني على الاتصال بالعلماء وأهل الفضل وباقتناء الكتب، بل كان يحملَّني في كل مرة أزوره من الكتب ما تنوء بحمله الجمال يهديها لزملائه وأحبابه وأخوانه من الأساتذة وطلبة العلم في السعودية.
وكنت في بعض زياراتي للإمارات تتوافق مع مناسبات دينية مثل عيد الفطر أو عيد الأضحى، فكان يصحبني معه –رحمه الله- لزيارة أهل العلم والفضل من أمثال رجل الأعمال السيد سيف الغرير، ومعالي الشيخ السيد جمعة الماجد، وغيرهما كثير، وحدِّث عن تلك اللقاءات من الحكايات والذكريات الماتعة. كان – رحمه الله – حنونًا عطوفًا محبًا لي فكان يسأل عني وعن أهل بيتي وأبنائي ووالدتي، وكان يحثني على برها، ويقول لي: ( اطلب من والدتكم الدعاء لي ففيها الخير والبركة)، وكنت إذا عزمت على العودة إلى السعودية عانقني وودعني وأوصاني بعدم السرعة، وعدم الاستعجال، والانتباه للطريق، وأن أتصل به في حالة وصولي ليلاً أو نهارًا، وإذا تأخرتُ عنه لظروف منها التعب أو الإرهاق اتصل هو بي يعاتبني عتاب الأب المحب لابنه الذي أقلقه سفره.. كم كنت أبًا كريمًا رحيمًا يا سيدي.
كان -رحمه الله- متواضعًا رحب الصدر يشاورني في بعض شؤونه العلمية والأسرية الخاصة، وهذا من ثقته بي رغم أني ابن من أبائه، اتسم – رحمه الله – بدماثة الخلق، وسلامة الصدر، والهدوء والأدب، والخلق والحياء والحب والوفاء، ونقاء السريرة، ورقة القلب.
كان يحكي لي بعض المواقف العلمية المؤلمة التي حدثت له مع بعض المتسلقين على العلم والتحقيق، فكان يعاني من عداوتهم ومن تعنتهم الشيء الكثير وكان يقول لي: ( هؤلاء ليسوا بعلماء ولم يؤدبهم العلم )، وكان يروي لي من القصص الطريفة المؤلمة عن بعض المخطوطات كما حدث له مع كتاب ( التهذيب بمحكم الترتيب)، وكان أكثر ما يؤلمه سراق التراث الذين سطوا على تراثه، وسرقوا كتبه دون أن يشيروا إلى عمله بل سلخوا الكثير من كتبه سلخًا ونسبوها لأنفسهم جورًا وبغيًا وعدوانًا.. فأين حقوق المؤلف أو المحقق في بلاد الحقوق والعلم والمعرفة والملكية الفكرية كما يزعمون، يقول –رحمه الله- في مقدمة أحد كتبه متألمًا: ( واليوم ونحن نعيش في عصر طغى فيه السطو الفكري، والقرصنة العلمية، نرى أسماء أُناس قد وُضعت دون حياءٍ ولا وازع من دين على أغلفة كتب ليست من عملهم، ولا يمتون إليها بصلة، واتخذت هذه الدور - التي تنشر هذه الكتب – واجهات إسلامية مزيَّفة، وأسماء الصحابة والتابعين، والإسلام والصحابة والتابعون منهم براء). كان –رحمه الله- غيورًا على تراث أمته العربية والإسلامية فقد تصدى لأولئك المستشرقين الذين عبثوا بكتب التراث فزوروا وتلاعبوا بالنصوص وخاصة كتب القراءات القرآنية فكانت غيرته تمثلت في الرد على المستشرقين أو بيان أخطائهم أو بما قام به من نشر لكتب القراءات، فقد أعاد للقراءات القرآنية علمها ومكانتها فعرف القرَّاء والمهتمون بطريقة القراءة والنطق بها، وقد نفع الله بها.
وكان كريمًا أصيلاً نبيلاً فإذا ما انتهى دوامه في المركز خرجنا سويًا إلى أحد المطاعم القريبة في دبي لنتناول طعام الغداء أو لنرتشف أكوابًا من الشاي، فإذا أردت أن أحاسب وقف أمامي ونهرني بشدة قائلاً لي أنت ابني وضيفي ولو عاودتها مرة أخرى لزعلت عليك.
بل لقد درَّس عددًا من الأخوات الباحثات من دولة الإمارات علم تحقيق المخطوطات لم يأخذ منهن درهمًا بل لقد حاولن بعض الأخوات منهن أن يضعن المبلغ -وكان مبلغًا مجزيًا كما علمت من إحداهن- أقول حاولن وضعه في مظرف، فلما علم بالحيلة غضب عليهن غضبًا شديدًا وأقسم أن لو فعلن ذلك مرة أخرى لتركهن وترك البلاد برمتها. أي أخلاق كان يتمتع بها هذا الرجل الكريم النبيل.
كان – رحمه الله – كثير الصمت لكن إذا تحدث بز الحاضرين بأسلوبه وعذب حديثه، فهو يأسرك بحسن الحديث وجمال الأسلوب، وكان يمتعني كثيرًا بجمال صياغة الحكاية خاصة مواقف العلماء والشعراء، كما كان فصيح اللسان، لغته واضحة وجميلة، فالدكتور حاتم إذا تحدث عن شخصية أحد العلماء الأوائل أو الشعراء تجده قد أتى على كل ما يتعلق بتلك الشخصية حتى المواقف الخاصة، لذلك فحديثه ممتع جدًا، ولا يمل السامع منه.
كان يحدثني كثيرًا عن مكتبته التي تربو على الستين ألف كتب كان يقول لي: فيها نفائس من المخطوطات الأصلية والمصورات والنوادر وفيها القديم من المطبوعات، وفيها نسخ من الكتب لا توجد إلا بها، وفيها من الوثائق العلمية الشيء الكثير، فهي ذخيرة من ذخائر الكتب.
كان –رحمه الله- متابعًا دقيقًا لما يصدر من كتب التراث اللغوي والنحوي وكتب القراءات سواء في السعودية أو في غيرها، وكان يوصيني بأن أجلب له نسخة منها ونسخة أقتنيها لنفسي.
كان –رحمه الله – صبورًا كحال العلماء الذين حلت بهم الإحن والمحن فصبروا، فقد صبر –رحمه الله- على الغربة والبعد عن بلده، وصبر على إيذاء الناس له، وصبر على شظف العيش، وصبر على فراق ابنه، وصبر على فقد زوجته التي كانت تعينه على نوائب الدهر، ولم يكن يجزع مما مرَّ به بل كان يكثر من قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
كان يحكي لي عن مكر بعض أصحاب دور النشر التي طبعت له وكيف بخسوه حقه وأكلوا ثمن جهده وتعبه، فأحدهم يقول له: لم نحصِّل بعد تكاليف طباعتنا، وهو قد حصلَّها وزيادة، والآخر يعطيه قيمة الطبعة الأولى فقط وأما بقية الطبعات فيأكل ثمنها، والثالث يقول له لم نطبع إلا ألف نسخة ويعطيه نصيب الألف، وهو قد طبع خمسة آلاف نسخة، وهكذا حتى أنف من سوء تعاملهم، وليت الأمر يقف عند حد أكل حقه، بل إذا طالت المدة وطالب بحقوقه تنكر بعضهم له وبعضهم الآخر يفتري عليه كذبًا، ولم يكن يحب الجدل أو الخصام بل كان كل ما عليه يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وكلت أمر إلى الله، يقول في مقدمة أحد كتبه: ( ماذا سيكتب التاريخ عن هذا الزمن الأغبر، الذي تغيَّرتْ أخلاق الناس فيه، ففُقِد الحياء، وقلَّ الوفاء، وغُبِنَ العلماء، وماتتْ الضمائر، واشتريت الذمم، وهضمت الحقوق؟!! وماذا ننتظر بعدَ هذا؟!!).
كنت أحبه حبًّا جمًا وكان يفصح لي عن مكنون قلبه وعن المواقف التي تحدث له فكنت أعلله ببعض الكلمات وأصبره ببعض القصص، وكنت أداعبه ببعض الحكايات الطريفة لكن جرح اللسان أشد وأنكى من جرح السنان.
كان يطلب مني أن أشتري له من الكتب ما يخطر بباله، ولم أتردد يومًا ما في شراء مطالبه بل كنت أجلبها له بكل الحب والشوق والافتخار وكنت أقول له: ( خدمتك يا سيدي شرف أعتز بها ) فيأخذني في أحضانه ويقول: ( الحمد لله الذي رزقني إياك ).
لذلك فقد نزل علي خبر وفاته كنزول الصاعقة على شجيرة خضراء يهفهفها الهواء يمنة ويسرة، لم أصدِّق الخبر حتى هاتفت أختي الدكتورة نوال سلطان التي أكدت لي صحته -وهي تبكي ألمًا وحسرة على فقده- فجثوت على ركبتي ورحت أبكيه بكاء الابن لأبيه فقد احتواني وأحبني وصنعني وعلمني ورباني ثم رحت أستحضر لهذا الرجل مكارمه وفضائله ومواقفه التي لا أنساها ما حييت، فقد طوقني بكل معاني الحب والود ما لا أستطيع الوفاء به. لم أجد ما أرثيه به إلا أبياتًا أحفظها لعثمان بن سند يرثي بها شيخه البيتوشي فتمثلتها يقول:
هذه نفثات بثثتها من هجير قلبي على فراق هذا الرجل الكريم، فأخشى ما أخشاه أني لم أوفِه حقها أو أن أكون قد قصرت في بعض خصاله التي اتسم بها، وكان بودي لو أطلت لأني لم أقل عنه إلا القليل ولو تركت لنفسي العنان ولقلمي السياحة عنه لما توقف؛ لأن الرجال مواقف وكان لي نعم الرجل ونعم الوالد ونعم المعلم الوفي لم يخذلني في أي شيء طلبته بل كان عونًا لي في رحلة دراستي للماجستير والدكتوراه لذلك أرجو المعذرة إن قصرت في وصفه، فقد كان بحق ندرة في عصره ومصره.
وقد تهافت علي أهل العلم والفضل في المملكة عندما علموا برحيله تهافتوا يعزوني فيه لعمق الصلة والصداقة بيني وبينه، ولم يرني أحد في مناسبة علمية أو ثقافية إلا تذكره وترحم عليه..
أخيرًا .. لا نقول إلا ما يرضي ربنا ( إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون) (ولا حول ولا قوة إلا بالله)
---------------
1- منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية مقال للدكتور خالد الجريان:
http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=1514
2-الموسوعة الحرة:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD...A7%D9%85%D9%86
3-شبكة صوت العربية:
http://www.voiceofarabic.net/ar/articles/2943
4-ملتقى أهل الحديث:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=208059