عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مستقبل اللغة العربية: حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجًا

كُتب : [ 12-26-2017 - 09:47 AM ]


مستقبل اللغة العربية: حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجًا



د.عبد الله أبو هيف*



ملخص البحث:‏

يتفق معظم الدارسين والمعنيين باللغة العربية على أن مستقبل اللغة العربية مرهون برؤية تحديات العصر التي تنضوي تحت لواء امتلاك سلطة المعرفة بمفهومها الجديد، وقوامها المعلوماتية والاتصالات والتقانة (التكنولوجيا) بالدرجة الأولى.وقد خصصت البحث في مدار حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجاً. ومهدت له بمقدمة تؤطر الموضوع الرامي إلى الإندماج بمجتمع المعلومات عامةً وعلاقة اللغة العربية بالحوسبة والنظر إليها لدى اللغويين العرب خاصةً، وألمحت إلى بعض تحديات الحوسبة على سبيل المثال لا الحصر، لأنها كثيرة، مثل النشر الإلكتروني وأهمية تعريبه. وأفردت حيزاً لمعاينة مسألة التفكير العربي بالحاسوب وتطوير استطاعة اللغة العربية المعلوماتية.‏

ونظرت في مفهوم حوسبة المعجم العربي وواقعه، ثم عالجت، على سبيل التخصيص بعض قضايا تحديات حوسبته، مثل النحو وتيسيره من جهة، والتغيرات الدلالية من جهة ثانية، ووضع المصطلحات وتوليدها من جهة ثالثة، وتوظيف التقنيات العصرية من جهة رابعة، وختمت البحث بالحديث عن آليات معجم عربي جديد.‏

وأوردت في الخاتمة خلاصة البحث من خلال إيراد بعض الحلول لهذه المشكلة اللغوية والتقنية.‏

تواجه اللغة العربية تحديات راهنة ومستقبلية كثيرة مما يستدعي عمليات النهوض بواقعها ومجاوزة أوضاع التهميش والإهمال والركود في معالجة مشكلاتها المتصلة بمخاطر الاستتباع والهيمنة والعولمة، ما لم تواجه هذه المشكلات بالإسهام العربي في إنتاج مجتمع المعلومات، وثمة خطر أشد، ناجم عن الضعف العربي الداخلي في النظر إلى هذه المشكلات لدى الجهات المعنية باللغة العربية ومن وزارات التربية والثقافة والإعلام والتعليم العالي إلى المجامع اللغوية ومؤسسات البحث العلمي والنشر والمعنيين باللغة العربية علماء وأدباء وفنانين وفنيين استسلاماً أمام هذه التحديات ومؤثراتها الأجنبية المتفاقمة. على أن الأمر يتعلق بمسألة حيّة هي أن مواجهة العولمة تعني الإسهام في امتلاك سلطة المعرفة بمفهومها الجديد الذي لا يخرج كثيراً عن أهداف مجتمع المعلومات في إثارته لقضايا حقوق الإنسان وحرية الرأي وإدارة الانترنيت والتنوع الثقافي، وتسميّ بعض الأطراف الأمر الأخير "الاختلاطات الثقافية" عند التذرع بمواجهة العولمة، ويستدعي ذلك، بالنسبة للغة العربية ربط المعلوماتية بالتنمية اللغوية لأن المشكلات اللغوية لا تتصل بالجانب اللغوي وحده، فثمة اندماج واسع وعميق للغة في مجتمع المعلومات المستقبلي إذ أردنا المشاركة فيه والانضواء تحت لوائه، وإذا كان مجتمع المعلومات ما يزال في مرحلة الطفولة كما أشارت القمة العالمية لمجتمع المعلومات (جنيف 17 كانون الأول 2003)، فإن الإسهام في إنتاج المعلومات هو المنطلق الرئيس لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، وتستند هذه المواجهة للتنمية اللغوية إلى حلول قومية ووطنية للبنية التحتية للمعلوماتية بجوانبها " الاقتصادية" و"حماية الملكية" و"الأمن الثقافي" والتعليم المتخصص وغير ذلك، وأظهرت القمة المذكورة أن تحدي اللغة وثيق الصلة بتحدي التعليم والتدريب التقني على المعلوماتية(1)لإدخال اللغة العربية في مجتمع المعلومات المقبل الذي بدأت علاماته وبشائره بالنسبة للكثيرين بالإشراق والفاعلية، ولعل أهم مشكلة مستقبلية بالنسبة للغة العربية وتنميتها هي الإسهام في تقليص الفجوة الرقمية بين المجتمعات العربية ومجتمع المعلومات.‏

وقد اخترت أن أعالج مسألة حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجاً لتحديات العصر أمام مستقبل اللغة العربية.‏

1 ـ مقدمة (تأطير علاقة اللغة العربية بالحوسبة):‏

شكلت نظرية المعلوماتية، ولاسيما الحوسبة، تحدياً معرفياً بالنسبة للغة منذ نضج هذه النظرية النسبي في أربعينيات القرن العشرين، ورأى ميلكا افيتش Milka Ivit في كتابه "اتجاهات البحث اللساني" Tends in Linguistics أن هذه النظرية طوّرت الدرس اللغوي المعاصر بتعاضدها مع المناهج المعرفية الحديثة مثل اللسانيات البنيوية "فيما وضحته من أن اللغة نظام يتشكل من وحدات محددة تحديداً دقيقاً، ويرتبط بعضها ببعض بعلاقات متبادلة، وأن هذه الوحدات محدودة من حيث العدد، وليست كبيرة، ولكن توليفاتها تمتد إلى ما لا نهاية. واعتماداً على هذه المقولة نجح علماء الرياضيات في تطبيق منهجهم التحليلي على اللغة"(2).‏

ونهض البحث العلمي الذي أفضى إلى حوسبة اللغة على مميزات متعددة لابد من مراعاتها والأخذ بها مثل العلاقة بين المنطوق والمكتوب، والعلاقة بين الصريح والضمني، والعلاقة بين اللغة ومفاتيحها الرمزية والرقمية (شيفراتها) والعلاقة بين قواعد الاستصحاب اللغوي (أصل الوضع ـ أصل القاعدة ـ العدول عن الأصل ـ الرد إلى الأصل..) والعلاقة بين بلاغية اللغة وبلاغتها التي تؤدي إلى تفاقم عمليات التناقل المفتاحي الآلي (الشيفري)، والعلاقة بين اللغة والمفتاحية الآلية (التشفير)، والعلاقة بين الحوسبة والوحدات اللغوية المختلفة (المعجمية ـ الصرفية ـ الصوتية ـ النحوية ـ الدلالية ـ التركيبية) ضمن بُناها الخاصة لدى التوليد والتحويل والتوزيع... إلخ. ويتطلب ذلك الإجابة عن مصاعب جمة هي تحديات في الوقت نفسه فيما يخص الأصول والزوائد من السوابق واللواحق ونحوية الآلة وإجراءاتها التقنية التالية، ناهيك عن مسائل التواصل القائمة على الحلول التقنية للمجاز والاستعارة والرمز والأمثولة والتمثيل الثقافي الذي ينتقل من ثقافة الكلمة إلى ثقافة الصورة، وفي سبيله للتأطير بالثقافة الرقمية.‏

لقد تنبه اللغويون العرب مبكرين إلى ضرورة العناية باللغة العربية والتنبه للمخاطر المحدقة بها فيما يفرضه العصر من تحديات، فأفتى عدد كبير من كبار الكتاب والأدباء عام 1923 بفتاواهم لصون لغتهم وتطورها "إزاء المدنية الغربية الحديثة وما يجدر به أن يقتبسه منها. إلى غير ذلك من المسائل الخطيرة التي تشغل أذهان المفكرين"(3). ورأى المفكرون العرب مثل إخوانهم من اللغويين أن تحديث اللغة العربية يستدعي استخدام المعاجم والقواميس في شغلها الجديد والمعاصر بالاستفادة من مبتكرات الحضارة وعلومها التي تسير في العالم بخطوات سريعة لا يمكن اللحاق بها، دون جهود مخططة ومبرمجة ومدروسة، وهو أمر لم يعد العرب أنفسهم له، بوصفها مشكلة حضارية في اعتقادهم، وأضاف معن زيادة (لبنان) على سبيل المثال "أن حل المشكلة اللغوية يكون عبر المزيد من التعليم والثقافة وارتفاع مستوى العلم والمعرفة"(4).‏

ولطالما دعا اللغويون العرب إلى تنمية اللغة العربية في العصر الحديث، ولاسيما تطوير المعاجم العامة والخاصة، فكتب عبد العزيز بنعبد الله (المغرب) أن المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي الذي تأسس عام 1969 عني ببحوث العلماء والمجامع اللغوية وبنشاط الكتّاب والأدباء والمترجمين وبالتعاون مع شعب التعريب في البلاد العربية وبالعمل بكل الوسائل الممكنة على أن تحتل اللغة العربية مكانتها الطبيعية في الثقافة العربية، وبمتابعة حركة التعريب خارج حدود الوطن العربي، وأورد إنجازات هذا المكتب في تنسيق المصطلحات وتأليف المعاجم العلمية والمعاجم الخاصة بالمصطلحات الحضارية جزءاً من معجم المعاني والمعجم المقارن الهادف إلى تفصيح العامية وإصدار دورية فصلية " اللسان العربي".. إلخ (5)، على أن هذه الجهود لم تلتفت إلى تأثير نظرية المعلومات على اللغة العربية، بينما تواصل هذا التأثير على اللغة منذ خمسينيات القرن العشرين.‏

واللافت للنظر أن غالبية اللغويين العرب غفلوا عن تأثيرات الحوسبة على الدرس اللغوي العربي، ومنه المعجم حتى وقت متأخر، فكتب أحمد أبو سعد (لبنان) عن " المعاجم العربية في واقعها الراهن وخطة تطويرها" عام 1997، واقتصر في رسم الخطة المتبعة في وضع المعجم المنشود على ثلاث تجارب قام بها، لا علاقة لها بحوسبة المعجم، وهي جمعه ألفاظ الحياة الدائرة على ألسنة العامة من أبناء الشعب في البيت والشارع والسوق والورشة والحقل ومجموع تراكيبهم وعباراتهم الاصطلاحية التي يأتون بها في تضاعيف كلامهم، وضمها في كتاب أصدره عام 1987 بعنوان "قاموس المصطلحات والتعابير الشعبية"، والتجربة الثانية هي قيامه بجمع طائفة كبيرة من التراكيب والعبارات التي استعملت في التاريخ قديمه وحديثه بمعان تتجاوز معانيها المعجمية إلى الدلالة على معان أخرى اكتسبتها من اصطلاح الناس على استعمالها بهذه المعاني، وصدر هذا الجمع في كتاب عام 1987 أيضاً، وجعل عنوانه "معجم التراكيب والعبارات الاصطلاحية العربية القديم منها والمولد"، والتجربة الثالثة هي انصرافه إلى جمع ما يظن من كلام الناس أنه عامي، وهو صحيح فصيح، أو ما هو وارد في قواميس اللغة، ولكنه غير مستعمل في كتابات الكتّاب، وغرضه من ذلك أن يعيد الاعتبار لما صحّ من كلام العامة داعياً إلى استعماله، لما فيه من وهج الحياة، ولاعتقاده أنه قد يتوافر فيه من الخصوبة وقدرة التعبير ما لا يتوافر في غيره، وقد ظهر عمله هذا عام 1990 بعنوان "معجم فصيح العامة". وتأكد اشتغاله المعجمي بعيداً عن الحوسبة في المخطط الواجب الالتزام به، ويتألف من إجراء عملية مسح شاملة للمادة اللغوية تشمل نتاج كل العصور، ودراسة ما جمع من المادة اللغوية في ضوء ما تدعو إليه الحاجة منها وإسقاط الممات والمهجور والحرص على إيراد معلومات عن اللفظ أكثر من مرادفه ونقيضه وتفسيره بما يتفق مع العلم وتقديم الشروح والتعريفات للقارئ خالصة مختصرة واضحة لا غموض فيها، فالمعجم لإزالة العجمة لا للزيادة فيها، وأخذ التطور الدلالي بعين الاعتبار إثبات معاني الكلمات بما يحقق دلالتها القديمة والوصل بينها وما تطور إليه معناها في مجال الاستعمال، وفتح صفحات المعاجم لكلّ ما تولّد حديثاً ودمجه في متنها والاستفادة من لغة العامة في ما وضعته لما ليس له مقابل في الفصيح(6).‏

ولعل الاهتمام الأول بحوسبة اللغة هو الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، حين خصَّصت إشكالية استعمال اللغة العربية في مجال اللغة العربية بدراسة مستفيضة قام بها عدد من المختصين بالمعلوماتية بالدرجة الأولى، فليس هؤلاء من علماء اللغة أو المشتغلين بها، غير أن أطروحاتهم في منتهى الأهمية مما يستدعي تضافر جهودهم مع اللغويين العرب باختصاصاتهم المتعددة، فقدم محمد بن ساسي (تونس) نبذة تاريخية عن استخدام اللغة العربية في مجال المعلوماتية، اقترح مروان البواب ومحمد حسان الطيان (سورية) وسالم الغزالي (تونس) أسلوب معالجة اللغة العربية في المعلوماتية (الكلمة والجملة عند الباحثين الأولين والمعالجة الآلية للكلام المنطوق عند الثالث)،ووضع محمد مراياتي (سورية) توصيفاً عملياً لتعامل الأجهزة والمعدات مع الحرف العربي، ووضع محمد بن أحمد (تونس) رؤية علمية للغة العربية والنظم الحاسوبية والبرمجيات، وأكمل أحمد أبو الهيجاء (الأردن) هذه الرؤية بتحديد المواصفات والمقاييس لتعريب المعلوماتية، على أن اهتمام هؤلاء الخبراء لم يجاوز تشخيص إشكالية حوسبة اللغة العربية إلى حوسبة مكوناتها مثل المعجم والمفتاحية الآلية لعلائقه الكثيرة الناجمة عن هذه الحوسبة، فذكر محمد بن ساسي على سبيل المثال أن الإشكالية قائمة على تقديم حلول لكتابة الحروف العربية لبعض الأقطار والمنظمات العربية التي تطالب بأجهزة معربة، ويستلزم ذلك وضع مفتاحية آلية (شفرة) عربية موحدة حتى يلتزم بها كل مسوقي تجهيزات الحاسوب، لأن ذلك سند البرمجيات في تعريب التطبيقات الحاسوبية والبرمجيات، وهي عملية تهتم خاصة بإيجاد حد بينيّ وبين البرنامج والمستفيد باللغة العربية، و"تعريب نظم تشغيل الحواسب وتعريب البرمجيات التي أعدت بطريقة تساعد على تعريبها، ذلك في نطاق ما يسمى بعملية تدويل البرمجيات، وهي منهجية اعتمدت حديثاً لتغطية الحاجات المتزايدة لملاءمة البرمجيات إلى لغات ومحيطات ثقافية واجتماعية معينة"(7).‏

وذكر محمد مراياتي أن ثمة إشكالية تستدعي مضاعفة الجهود لوضع تعامل الحرف العربي مع الأجهزة والمعدات مثل:‏

"1ـ ترميز الحرف المكتوب وتقييسه.‏

2ـ ترميز الحرف المنطوق.‏

3ـ توزع الحروف العربية على لوحة الملامس.‏

4ـ تقييس الأقلام العربية وإظهارها على الشاشات والطابعات.‏

5ـ تحرير النصوص وتنضيدها.‏

6 ـ معاملة الحرف العربي على شبكات الاتصال من حيث نقل المعلومات أو أمنها.‏

7 ـ ضغط النصوص العربية بغية خزنها في ذاكرة الحاسوب اقتصادياً.‏

8ـ تحاور المعوقين مع الآلة باللغة العربية"(8).‏

واعترف هؤلاء الخبراء، على أهمية إنجازهم في حوسبة اللغة العربية خلال ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، بأن السعي لحوسبة اللغة مازال قاصراً، "ولابّد من الإسراع في العمل في نطاق لجنة عربية موحدة تعمل تحت مظلة عربية حتى نتمكن من التوصل إلى مواصفات عربية موحدة"(9).‏

وكانت جهود نبيل علي (مصر) الأبرز في درس حوسبة اللغة العربية من خلال الشروع في البرمجيات التي ميزت بين هندسة اللغة ( هندسة) واللغويات الحاسوبية (علوم الحاسوب) ونظرية المعرفة (الفلسفة) تمهيداً لوضع إطار تقانة المعلومات من منظور لغوي. إن علاقة اللغة بهندسة الحاسوب متبادلة حين يستخدم الحاسوب لإقامة النماذج اللغوية وتحليل فروعها المختلفة،وذكر قائمة من تطبيقاتها في مجال اللسانيات هي:‏

ـ الصرف الحاسوبي Computational Morphology.‏

ـ النحو الحاسوبي Syntax Computational.‏

ـ الدلالة الحاسوبية Semantics Computational.‏

ـ المعجمية الحاسوبية Lexicology Computational.‏

ـ علم النفس اللغوي الحاسوبي Psycholinguistics Computational.‏

ويستدعي كلّ مجال من هذه القائمة تطويراً للغات البرمجة التي تقرّب بين " اللغات الاصطناعية واللغات الطبيعية بهدف تسهيل التعامل مع الكومبيوتر دون وسيط برمجي. إن الهدف الأسمى لبرمجة الكمبيوتر هو أن يتعامل الفرد معه مباشرة بلغته الطبيعية، لا من خلال لغات اصطناعية مثل البيسيك والفورتران والكوبول وخلافه.. يمكننا القول إن علم اللغة الحديث قد دخل إلى مصاف العلوم الدقيقة من المدخل السليم، فقد قام على النموذج الرياضي للنحو التوليدي الذي يتميز بقابلية عالية للمعالجة الآلية Computationally وبالتالي للتطبيق الهندسي العلمي"(10).‏

ويلاحظ أن الدراسات اللسانية العربية بتعبير مازن الوعر (سورية) قد حوت "محاولات جادة لتطويع تقنيات الحاسوب للغة العربية بما يتوافق مع شخصيتها ومحارفها ورسومها من جهة، ولمواءمة قواعد اللغة العربية وخصائصها للحاسوب من جهة أخرى بادئة ببرمجة الحروف والنصوص العربية بهدف تحسين الاتصال الآلي بين الإنسان والحاسوب"(11).‏

ونجم عن هذه المحاولات إشكاليات تتطلب المعالجة المستمرة، ولاسيما المعرفة اللغوية الصرفية والصوتية والتركيبية والدلالية كما أشرنا في مطلع البحث، إذ لا يتعلق الأمر بالاشتقاق والنحت أو بظاهر الألفاظ فحسب، بل يجاوزه إلى التأصيل والمقارنة والعقلنة والنظم المستوعبة لثنائيات اللغة الجمة كالأصيل والدخيل والفصيح والعامي والعربية والأجنبية والعربية والفئوية المحلية ..إلخ.‏

وتتفاقم هذه الإشكاليات ما لم تتلاق الوظائف الحاسوبية في تثمير أبعاد اللغة العربية وثراء معانيها وخصوصيات بناها كالحاسوب النسبيAnalog والرقمي Digital نحو تفعيل النظم الإشارية والرمزية والدلالية للكلمة في نسيجها التركيبي والمجازي.‏

صار لازماً وميسوراً في الوقت نفسه تحديث اللغة العربية من خلال الحوسبة للإجابة عن المشكلات اللغوية والتقنية الكثيرة، ومنها حوسبة المعجم العربي.‏

2 ـ اللغة العربية وتحديات الحوسبة:‏

ثمة تحديات كثيرة للحوسبة أمام اللغة العربية من النشر الإلكتروني وأهمية تعريبه إلى شمولية منظومة اللغة العربية بالحاسوب، وأكتفي بالإشارة إلى قضية التفكير العربي بالحاسوب وتطويره استطاعة اللغة العربية المعلوماتية تمهيداً للنظر في حوسبة المعجم العربي ومشكلاته اللغوية والتقنية.‏

إن النظر في تحديات المعلوماتية أمام اللغة العربية يستدعي مواجهة قضية التفكير بالحاسوب، كتابة وتثقيفاً واستعمالات تقنية في المهن والأعمال الكثيرة التي يقوم بها الحاسوب. وثمة من يبادر إلى القول إننا ربحنا أشياء مثل السرعة والتخزين والخيارات الآنية ولكننا خسرنا أشياء مثل التدقيق والتأمل والمراجعة الأسلوبية. غير أن القضية أعقد من ذلك بكثير، لأنها قضيّة متعددة الوجوه والإشكاليات من النطق إلى الكتابة إلى الإيصال إلى الابتكار والإبداع مما يتعلق بطبيعة اللغة نفسها وبخصائص اللغة العربية في استخداماتها المعلوماتية، وقد ثبت بالممارسة طواعية اللغة العربية لتقانات المعلوماتية سواء في أساليب معالجة الكلمة والجملة،أو في المعالجة الآلية للكلام المنطوق، أو في تعامل الأجهزة والمعدات مع الحرف العربي، والأهم قابلية اللغة العربية واستطاعتها المثلى لاحتواء النظم الحاسوبية والبرمجيات، مثلما ثبت أيضاً سعة ميادين استخدام اللغة العربية في المعلوماتية كالتوثيق والتخزين والتعليم والتعريب والإبداع والاتصال، فحُلت المشكلات المتصلة بالحرف العربي، وصارت المعدات والأجهزة متوافرة نسبياً، ولاسيما أعمارها ومدى انتشارها الإقليمي والمقدرة على الإنفاق المتواصل عليها لمجاوزة صعوبات إنجاز برمجيات ونظم متداخلة ومتطورة، على أن أمراً آخر لابدّ من مراعاته وتقديره وهو أن النظم الأساسية ونظم التشغيل في مجملها أصبحت متاحة باستعمال الحرف العربي، وساعد على ذلك اتساع سوق المعلوماتية العربي مما جعل شركة "ميكروسوفت" تتيح للتداول المستمر عدة نظم معلوماتية مكروية تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات اللغة العربية، حتى غدا ميسوراً استخدام اللغة العربية في ميادين الابتكار والإبداع والاتصال عن طريق الذكاء الاصطناعي وتطويع الخيال المعلوماتي وتقاناته لحاجات استعمال اللغة العربية.‏



رد مع اقتباس