عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-24-2017 - 06:18 AM ]


وإن عطفت الجملة التي تقدم فيها الاسم على الفعل، على جملة أخرى، صدرها فعل، كان الاختيار النصب، والرفع جائز، نحو قولك (ضربت زيداً، وعمراً أكرمته) وقال الله تبارك وتعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}، وقال تعالى: {يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، وهو في القرآن كثير، وقال الشاعر:
أصبحتُ لا احمل السلاحَ ولا ... املك رأسَ البعير إن نَفَرا
والذئبَ أخشاه إن مررتُ به ... وحدي واخشي الرياحَ والمطرا
عطف (والذئب أخشاه) على قوله (لا أحمل السلاح).
وإن عطفت على جملة من مبتدأ وخبر، والخبر جملة من فعل وفاعل، كقولك (زيد أكرمته، وعبد الله لقيته)، فسيبويه يختار الرفع إن عطفت على جملة المبتدأ وخبره، والنصب، إن عطفت على جملة الفعل، وخالفه غيره في ذلك، وقال: إنه لا يجوز أن يعطف على الجملة من الفعل والفاعل، لأنها خبر للمبتدأ وموضعها رفع، وما عُطف على الخبر فهو خبر، ولا يصح أن تكون الجملة المعطوفة خبراً، لأنه لا ضمير فيها يعود على المبتدأ. وقول المخالف أظهر، إذ الإعراب إنما هو لتبيين المعاني، ولا نقول في الشيء إذا تقدمه أمران: إنه معطوف على أحدهما دون الآخر، وأنه جائز عطفه على كل واحد منهما، إلا بحسب المعاني، كقولنا (زيد قائم أبوه، وعمرو)، ونقول إن (عمراً) معطوف على (الأب)، ولا يجوز عطفه على (قائم)، لكون (قائم) خبراً عن (زيد)، وليس (عمرو) خبراً عنه إنما عمرو مخبَر عنه بالقيام، ويجوز عطف (عمرو) على (زيد)، ويكون القائمان أبا زيد وأبا عمرو. ولو قيل (زيد شجاع وكريم) كان (كريم) معطوفاً على (شجاع)
لا على (زيد)، لأنه خبر عن (زيد)، كما أن (كريماً) كذلك، فإذا قلنا في قولنا (زيد ضربته، وعمراً أكرمته): إن هذه الجملة الثانية يجوز أن تعطف على المبتدأ أو خبره، ويجوز أن تعطف على الجملة من الفعل والفاعل، والجملتان مختلفتان، إحداهما خبر عن المبتدأ، والثانية ليست كذلك، والكبرى منهما ليس لها عندهم موضع من الإعراب، والصغرى لها موضع من الإعراب، فأي فائدة في أن تخيَّر في العطف عليهما، ألا ترى أنَّا إذا قلنا (زيد أكرمته، وعمرو أهنته إعظاماً له)،فلا خلاف في أنه يجوز عطف الجملة، التي هي (عمرو أهنته إعظاماً له) على المبتدأ وخبره وهو جملة الفعل الفاعل، فإذا عطفت على الكبرى، لم يكن لها موضع من الإعراب. وإن عطفت على الصغرى كان لها موضع من الإعراب، وجاز أن تحذف الأولى، التي هي (أكرمته) وتُحل الثانية محلها، فتقول (زيد عمرو أهنته إعظاماً له)، والواو تُدخل الثاني فيما دخل فيه الأول، وكل معطوف عليه، فجائز أن يحذف، ويحل المعطوف محله، إلا ما شذ نحو: (وأيُّ فَتَى هيجاءَ وأنت وجارِها). ولا يحمل على الشاذ. وكما انه لا يجوز أن يعطف على الخبر المفرد إلا ما هو خبر، فكذلك الجملة، ولا فرق بينهما في أن كل واحد منهما خبر، ولم يمتنع الخبر المفرد أن لا يعطف عليه إلا ما هو خبر لا من جهة أنه مفرد بل من جهة ما هو خبر.
وقد احتج ابن ولاد لسيبويه فأطال بأمور أكثرها خارج عن المسألة، والذي يقرب من المسالة منها قوله: إن النحويين مجمعون على إجازة قولك (مررت برجل قام أبوه، وقعد عمرو) فقام أبوه جملة في موضع جر، لأنها نعت لرجل، (وقعد عمرو) معطوفة عليها، وليست في موضع جر، لأنك لا تقول (مررت برجل قعد عمرو)، إذ ليس في الجملة الثانية ضمير يعود على رجل، فيكون نعتاً له، وكذلك إذا قلت (زيد يضرب غلامه،فيغضب عمرو) فيضرب غلامه في موضع رفع،
وقوله (فيغضب عمرو) معطوف عليه، وليس في موضع رفع لأنه لا عائد فيه على المبتدأ. قيل: أما قياس الخبر على النعت، فليس بالبين، لأن حكميها مختلفان. وأيضاً فإن لقائل أن يقول: إن قوله (وقعد عمرو) معطوف على الجملة الكبرى، لا على الصغرى، فإن قال: المعنى على غير ذلك، وذلك: إن المتكلم لم يرد أن يخبر بخبرين، لا رابط بينهما، وإنما أراد أن قيام الأب اقترن بقعود عمرو، ودلت الواو على ذلك، فكأنه قال: كان من أبيه قيام مع قعود عمرو، فصارت الجملة الثانية مرتبطة بالأولى، وصارتا جميعاً في حكم الجملة الواحدة، قيل: إن الواو إنما معناها أن تُدخل الثاني فيما دخل فيه الأول، وقد قال سيبويه: ولو قلت (أزيداً ضربت عمراً وضربت أخاه) يعني والضمير عائد على زيد لم يكن كلاماَ، لأن عمراً ليس فيه من سبب الأول شيء، ولا ملتبساً به، ألا ترى أنك لو قلت (مررت برجل قائم عمرو وقائم أخوه) لم يجز، لأن أحدهما ملتبس بالأول، والآخر ليس ملتبساً به. وإنما منع سيبويه - رحمة الله - من جواز المسألة الأولى، على أن يكون (زيداً) نُصِب بفعل مضمر، دل عليه الفعل الذي يليه، لأنه ليس فيه ضمير على زيد، ولا ينتصب الاسم بفعل مضمر، عند سيبويه، إلا أن يكون المفسر له فعلاً، على الشرط الذي قدمناه. ولو قلت (أزيداً ضربت عمراً) لم يجز، فإن قيل: فقد عاد في الجملة الثانية على (زيد) ضمير،قيل: الحملة الثانية لا تفسر الضمير الذي نصب (زيداً)، إنما يفسر الضمير ما يلي معموله من الأفعال، فالواو - على هذا - لا تربط الجملة الثانية بالجملة الأولى ربطاً يجعلهما في حكم الجملة الواحدة. ولا فرق بين مذهب سيبويه وبين ما قيل، إلا أن سيبويه يُضمِر الفعل، وحيث يَنصب يَنصب، وحيث يَرفع يرفع، وحيث يختار أحدهما على الآخر يختاره، وإن خالف مذهبُه هذا المذهبَ نبَّه عليه.
وأما قوله (زيد يضرب غلامه، فيغضب عمرو) فظاهر هذا أنَّ يغب معطوف
على يضرب، لكن لما كان الضرب سبباً للغضب، ارتبطت الجملتان، وصارتا بمنزلة الشرط والجزاء، وإن كانتا جملتين فإنهما في حكم الواحدة، ألا ترى انك تقول (زيد أن تكرمه يكرمك عمرو)، وتكتفي بالضمير العائد من الجملة الأولى، ولا خلاف في جواز هذه. وقد خرجت عما أراه وأحضُّ عليه، من الإيجاز والاقتصار، في هذه الصناعة على ما لابد منه. ويكفي في المسالة المختلف فيها أن يقال: إن الرفع والنصب جائزان، والرفع الوجه، والنصب جائز بإجماع منهم، إلا أنه دون الرفع. وسيبويه يقول: إن الرفع أجود على وجه، والنصب على وجه آخر. فإن قيل: لم تُرك الاحتجاج لسيبويه بقول الله تبارك وتعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}فنصب السماء، وإنما يحسن النصب إذا كان العطف على الجملة الفعلية، لا على الجملة المبتدئية، فقد عطف على الخبر، الذي هو يسجدان ما ليس فيه ضمير، يعود غلى المبتدأ.
وللرَّادِّ على سيبويه أن يقول نصب، وعطف على الجملة المبتدئية، وان كان الرفع أحسن على مذاهب النحويين، كما جاءت الآية {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، والرفع عند سيبويه أوجه، ولا حجة قاطعة لسيبويه في هذا.
ويجري مجرى الأفعال في هذا الباب أسماء الفاعلين والمفعولين والمعدولة عن أسماء الفاعلين للمبالغة نحو فعَّال وفَعول ومفعال تقول (أزيداً أنت ضاربه) و (أزيداً أنت ضرَّابه)، وكذلك (مِضرابه) و (ضَروبه).
وإن جئت بعد الاسم الذي يعود عليه من الفعل ضمير نصب بشرط وجزاء، لم يجز فيه إلا الرفع، نحو (زيدٌ إن تكرمه بكرمك)، وكذلك إن جئت بعده بحرف أو اسم للاستفهام نحو (زيد كَمْ مرة لقيته؟)، وكذلك (عمرو هل رأيته؟) و (زيد مَن ضربه؟) و (عبد الله ما أصابه؟). وكذلك إن كان الفعل في موضع الصفة نحو (أزيد أنت رجل تكرمه)، وقال الشاعر:
أكلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُوْنَهُ ... يَلْقِحُهُ قومٌ وتَنْتِجُوْنَهُ
وقال زيد الخيل:
أفي كلِّ عامٍ مَأْتَمٌ تبعثونَهُ ... على مِحْمَرٍ ثَوَّبْتُمُوه وما رَضَا
تحوونه في موضع الصفة لنَعَم، ونَعَم مبتدأ، وخبره كل عام، وهو على حدِّ حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن كل عام من ظروف الزمان، وظروف الزمان لا تكون أخباراً عن الجثث، إنما تكون أخباراً عن المصادر. ولو رُوي بالنصب لجاز، ويكون الفعل لا موضع له من الإعراب، وكذلك مأتم يجوز فيه النصب، على أن لا يكون الفعل صفة، وقال الشاعر جرير:
أبَحْتَ حِمَى تهامةَ بعد نَجْدٍ ... وما شيءٌ حميتَ بمستباحِ
فحميت في موضع الصفة ولا يجوز نصب (شيء) لفساد المعنى، ودخول الباء على مستباح، وقال الشاعر:
وما ادري أغيَّرهم تَنَاءٍ ... وطولُ العهد أم مالٌ أصابوا
فأصابوا في موضع الصفة، ولا يجوز صرفه إلى غير ذلك، لأن الشاعر جهل الأمر الذي غيَّرهم، ولم يدر أهو البعد وطول العهد، أم مال أصابوه، فمال معطوف على تناء، ويجوز النصب على مذهب قومْ وكذلك إن كان الفعل صلة لموصول، نحو قولنا (أزيد الذي رأيت) لا يكون في زيد إلا الرفع، وليس بمنزلة قولنا (أزيداً العاقلَ ضربته)، لأن ضربته ليس صلة ولا صفة. وكذلك، إن أبدلت منه، أو وكدته. ومثله (زيد أَنْ تكرمه خير من أن تُهينه)، لأن ما ينصب بعد أَنْ فهو من صلتها، وكذلك زيد أنت الضاربه لا يجوز في زيد إلا الرفع، لأن الألف واللام بمعنى الذي، فتجرى مجري الذي.قد أتيتُ في هذا الباب على ما يُحتاج إليه، ويُستغني به، وزدت توجيهَ الأقوال والاحتجاجَ على سيبويه وله، ليعلم القارئ أني قد وقفت على أقوالهم، وعرفت ما
اثبتُّ، ولم احتج إلى إضمار ما الكلامُ تامٌّ دونه، وإظهاره عيٌّ مخالف لغرض القائل. هذا في كلام الناس، فأما في كلام الله تعالى فحرام. واللهَ اسأله العون والتوفيق، وقد قلت قولا في هذا الباب يليق بما أحضّ عليه، وأدعو إليه، لأني لم ادخل فيه محالاً، ولا ظنَّاً ضعيفاً، ولا فضلاً لا يُحتاج إليه.

رد مع اقتباس