2- جوليا كريستيفيا: تعد جوليا من أهم النقاد خدمة للنص والتناص وعلم النص بصفة عامة، وقد ظهر مصطلح التّناصّ Inter****ualité للمرة الأولى على يدها عام 1966 في مجلة (تل كل) TEL QUEL الفرنسية، مستفيدة من مفهومي الحوارية، وتعددية الأصوات اللذين جاء بهما باختين، وطورتهما منفتحة على منطلقات فكرية متعددة. وهي ترى أن "كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى"[40].
لقد تحدثت جوليا كريستيفا عن التناص في كتاب "نظرية الجماعة"[41]، ثم تطرقت للمفهوم في كتاب "سيميوطيقا: أبحاث من أجل تحليل دلائلي" الذي نشر 1969، وهو سلسلة من المقالات كتبتها بين سنتي 1966-1969. وقد طبقت نظريتها حول التناص من خلال كتابها نص الرواية Le ****e du roman حيث درست وفق تصوراتها ومفاهيمها النصية و التناصية رواية (جيهان دوسانتري Jéhan de Saintré) للكاتب الفرنسي أنطوان دولا سال Antoine De la Sale. وقد وجدت في دراستها لهذه الرواية عدة أشكال للتناص[42] يمكن جمعها في شكلين:
• تناص شكلي: يتجلى في حضور شكل الرواية وتصميم الرواية بحسب الأبواب والفصول.
• تناص مضموني: يتجلى في حضور نصوص من بيئات مختلفة، وأنواع متعددة كالشعر الغزلي، و النص الشفوي للمدينة، و خطاب الكرنفال.
وأصبح التناص بعد كريستيفا مفهوما حاضرا في كثير من الاتجاهات والتيارات النقدية المعاصرة وفي كثير من المجالات و الفروع المعرفية.
3- جيرار جينيت: بدأ الناقد الفرنسي جيرار جينيت يبحث في الشعرية، وموضوعها، فأكد في كتابه مدخل إلى النص الجامع سنة 1979 إلى أن موضوع الشعرية هو النص الجامع أو جامع النص. يقول جيرار جنيت في هذا الصدد:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص أي مجموع الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من هذا الأنواع: أصناف الخطابات وصيغ التعبير والأجناس الأدبية"[43]. لكن جينيت ما لبث أن عدّل من رأيه هذا في كتابه أطراس 1983، حيث أصبح موضوع الشعرية هو النصية المتعالية أو المتعاليات النصية يقول بهذا الصدد:" لا يهمني النص حاليا إلا من حيث تعاليه النصي، أي أن أعرف كل ما يجعله في علاقة خفية أو جلية مع غيره من النصوص، وهذا ما أطلق عليه التعالي النصي وأضمنه التداخل النصي (التناص)"[44]، ثم يقول متحدثا عن التناص "وأقصد بالتداخل النصي (التناص) التواجد اللغوي سواء أكان نسبيا، أم كاملا، أم ناقصا لنص في نص آخر، ويعتبر الاستشهاد أي الإيراد الواضح لنص مقدم ومحدد في آن واحد بين هلالين مزدوجين أوضح مثال على هذا النوع من الوظائف"[45]. وهكذا يظهر أن جينت ضيّق مفهوم التناص وحصره في ثلاث صور هي الاستشهاد (Citation) و السرقة (Plagiat)، والتلميح.(Allusion) إلا أنه في الوقت نفسه توسع من خلاله وأدخل أشكالا أخرى من التعالق أو التداخل النصي اصطلح عليها المتعاليات النصية، وتمكن من خلالها من "تطوير نظرية التناص و توسيع أنماطها بتمييز بعضها عن بعض، وإبراز نقط تقاطعها وتداخلها"[46].
______
[1] الزبيدي، تاج العروس، ج 18، ص 182.
[2] أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، مج3، ص 2224.
[3] نشوان بن سعيد الحميرى، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، تح جماعي: حسين العمري - مطهر الإرياني - يوسف عبد الله، دار الفكر المعاصر (بيروت - لبنان)، دار الفكر (دمشق - سورية) ط1، - 1999 م، ج10، ص 6627.
[4] ينسب هذا البيت كذلك إلى كعب بن زهير .
[5] شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر الجاهلي، دار المعارف، دط، دت، 226.
[6] أبو هلال العسكري، الصناعتين، تح:علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية - بيروت، 1419 هـ، ص217.
[7] أبو علي الحاتمي، حلية المحاضرة، 28/2، عن عبد القادر بقشي، التناص في الخطاب النقدي والبلاغي، ص16.
[8] عبد الملك مرتاض، الموقف الأدبي،ع 330، ص17.عن محمد حسين، التناص في رأي ابن خلدون، فكر ونقد، ع32، أكتوبر 2000.
[9] محمد عزام، النص الغائب، ص 41.
[10] عبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني، البلاغة العربية، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط1، 1996، ج2، ص 537.
[11] ابن حجة الحموي، تقي الدين أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي الأزراري (المتوفى: 837هـ)، خزانة الأدب وغاية الأرب، تح: عصام شقيو، دار ومكتبة الهلال-بيروت، دار البحار-بيروت، الطبعة الأخيرة 2004م، ج2، ص455.
[12] أحمد بن علي القلقشندي (ت: 821هـ)، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، دار الكتب العلمية، بيروت، دط، دت، ج1، ص 237.
[13] المرجع نفسه، ج1، ص234.
[14] شهاب الدين النويري (المتوفى: 733هـ)، نهاية الأرب في فنون الأدب، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1423 هـ، ج 7، ص 126.
[15] مجدي وهبة و كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، ط2، 1984، ص 108.
[16] أسامة بن منقذ (المتوفى: 584هـ)، البديع في نقد الشعر، تحقيق: الدكتور أحمد أحمد بدوي، الدكتور حامد عبد المجيد، مراجعة: الأستاذ إبراهيم مصطفى، الجمهورية العربية المتحدة - وزارة الثقافة والإرشاد القومي - ص249.
[17] بهاء الدين السبكي (المتوفى: 773 هـ)، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، تح: الدكتور عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1423 هـ - 2003 م، ج2، ص 338.
[18] عبد المتعال الصعيدي، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، مكتبة الآداب، الطبعة: السابعة عشر: 1426هـ-2005م، ج4، ص 702.
[19] أسامة بن منقذ، البديع في نقد الشعر، ص217.
[20] ينظر: محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينية، دار العودة، لبنان، ط1، 1979، ص253.
[21] محمد مفتاح، التشابه والاختلاف نحو منهجية شمولية، ص44.
[22] محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، ص 125.
[23] سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي: النص والسياق، ص92.
[24] المرجع نفسه، ص 100.
[25] أحمد الزعبي، التناص نظريا وتطبيقيا، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع، ط2، 2000، ص17.
[26] نقلا عن عبد الستار جبر الاسدي، ماهية التناص: قراءة في إشكاليته النقدية، مجلة فكر ونقد، ع28، أبريل، 2000.
[27] نقلا عن: محمد عزام، النص الغائب، ص 38.
[28] المختار حسني، ترجمة الفصل1 من كتاب جيرار جينيت: أطراس: الأدب من الدرجة الثانية، فكر ونقد، ع 16، فبراير 1999.
[29] نقلا عن: محمد عزام، النص الغائب، ص 29.
[30] نقلا عن المرجع نفسه، ص35.
[31] نقلا عن: محمد خير البقاعي، آفاق التناصية المفهوم و المنظور، ص 42.
[32] رولان بارت، لذة النص، تر، فؤاد صفا، الحسين سحبان، دار توبقال للنشر، ط2، 2001، ص33.
[33] نقلا عن: محمد عزام، النص الغائب، ص 32.
[34] نقلا عن: أحمد الزعبي، التناص نظريا وتطبيقيا، ص 13.
[35] نقلا عن المرجع نفسه، ص 16.
[36] نقلا عن: عبد القادر بقشي، التناص في الخطاب النقدي والبلاغي، ص 20.
[37] أديب روسي شهير كان له دور مهم في الحركة الثقافية والفكرية الروسية من أعماله الجريمة والعقاب وبيت الموتى.
[38] باختين ميخائيل: المتكلم في الرواية، تر: محمد برادة، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، 1985، مج 5، ع 30، ص 114، نقلا عن نعيمة فرطاس، نظرية التناصية والنقد الجديد (جوليا كريستيفا أنموذجاً)، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 434، يونيو، 2007.
[39] باختين ميخائيل، شعرية دستويفسكي، تر: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، ط1، 1986، ص 10.
[40] نقلا عن: محمد عزام، النص الغائب، ص30.
[41] المقصودة بالجماعة جماعة تل كل. والكتاب مشترك شارك فيه فوكو وبارت ودريدا سولرز وجوليا ونشر 1968.
[42] ب.م.دوبيازي Pierre Marc de Biazi: "نظرية التناص"، تر: المختار حسني، فكر ونقد .العدد 28، أبريل 2000.
[43] جيرار جينيت، مدخل لجامع النص، ترجمة عبد الرحمان أيوب، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، دت، ص1.
[44] المرجع نفسه، ص 90.
[45] المرجع نفسه، ص ن.
[46] سعيد يقطين، الرواية والتراث السردي، من أجل وعي جديد بالتراث، المركز الثقافي العربي، ط1، 1992، ص23.