عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
بوطاهر بوسدر
عضو جديد
رقم العضوية : 5938
تاريخ التسجيل : Dec 2017
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 19
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

بوطاهر بوسدر غير موجود حالياً

   

افتراضي الدلالة ومستويات التحليل اللساني (تابع)

كُتب : [ 12-15-2017 - 02:46 AM ]


الدلالة ومستويات التحليل اللساني (تابع)

 الدلالة المعجمية :
تتعلق هذه الدلالة ببيان المعاني المفردة للكلمة، أي البحث عن الدلالات التي تحملها الكلمة قبل تسييقها، أي قبل إدراجها في سياق لغوي معين،"فكل كلمة من كلمات اللغة لها دلالة معجمية...تستقل عما يمكن أن توحيه أصوات هذه الكلمة أو صيغتها من دلالات زائدة على تلك الدلالة الأساسية " 22
تتميز الدلالة المعجمية بتعدد المعنى، و بالتالي تعدد الإحتمالات الدلالية و هذا التعدد في دلالة الكلمة "يرجع إلى صلاحيتها للدخول في أكثر من سياق ...ومن صلاحيتها في للدخول في أكثر من سياق يأتي تعدد معناها و احتماله في حالة الإفراد" 23 فمثلا كلمة صاحب يتعدد معناها على النحو التالي 24 :
1- لقب =صاحب الجلالة 2- مالك = صاحب البيت 3- صديق = صاحبي
4- رفيق = صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم
5- منتفع = صاحب المصلحة 6- مستحق = صاحب الحق 7- مقتسم = صاحب نصيب الأسد
و هكذا فإن الدلالة المعجمية ترتبط بدلالات الكلمة خارج السياق، أما داخل السياق فإننا لا نتحدث عن هذه الدلالة، ذلك أن السياق يحفل بالكثير من القرائن الحالية و المقالية التي تعطي للكلمة معناها الدقيق الذي يلائم السياق.


 الدلالة السياقية
إن السياق بعد و مستوى من مستويات التحليل اللغوي، وفيه تتحدد دلالة الكلمة وفق ما تحمله من دلالة، فالسياق إذن يوحي بمعنى الكلمة التي ترد فيه، وإذا كانت الدلالة المعجمية كما سبق الذكر تتميز بالتعدد، فإن الدلالة السياقية على خلاف ذلك تعطينا دلالة وحيدة في الغالب، و ذلك بفضل مجموعة من القرائن اللغوية و غير اللغوية.
و قد اهتم العلماء العرب قديما بالسياق اهتماما بالغا، فاهتدوا في وقت مبكر من تاريخ العلوم اللغوية و البلاغية إلى تلك التأثيرات الخارجية و كل ما يحيط ظاهرة الكلام من ملابسات، كالسامع و المقام و ظروف المقال، و تعتبر دراستهم لأسباب النزول في القرآن الكريم، وأسباب الورود في الحديث الشريف، وأسباب الإنشاء عند الأدباء والنقاد، دليلا كافيا على أنهم فطنوا إلى ظاهرة السياق و ما لها من تأثير في تحديد المعنى، فسيبويه مثلا 25اعتبر موقف الاستعمال فيصلا في الحكم بصحة التراكيب النحوية، فالجملة تكون صحيحة نحويا، لكن سيبويه يحكم عليها بالخطأ في موقف من الاستعمال و بالصواب في موقف آخر، و قد أصبح واضحا لديه أن إعراب الكلام لا يستقيم إلا بإرجاعه إلى سياقه و مراعاة ظروف مقامه.
وهكذا اهتدى العلماء العرب إلى فكرة المقام فقالوا لكل مقام مقال، متقدمين ألف سنة على زمانهم، يقول الدكتور تمام حسان في هذا الصدد : "و لقد كان البلاغيون عند اعترافهم بفكرة المقام متقدمين ألف سنة تقريبا على زمانهم، لأن الاعتراف بفكرتي المقام و المقال باعتبارهما أساسين متميزين من أسس تحليل المعنى يعتبر الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة" 26
و قد تنبه الجاحظ إلى أهمية السياق في إنشاء الكلام، و يشير إلى ذلك بقوله إنه ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها و بين أقدار المستمعين و حالاتهم فيجعل لكل طبقة منهم كلاما يخصهم به حتى يقسم بالتساوي أقدار الكلام على أقدار المعاني و يقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات التي هم عليها المستمعون و حالاتهم .27
هذا عند العرب القدماء، أما في العصر الحديث فمن الواضح أن فكرة السياق حاضرة و بقوة في التحليل اللساني، فقد تبين للسانيين أن المعنى المعجمي ليس كل شيء في إدراك المعنى، فكلمة عملية أو سلك لهما دلالات معينة، والسياق وحده من يميز بين عملية عسكرية و عملية حسابية و عملية جراحية، أو بين سلك دبلوماسي و سلك كهربائي و السلك الثالث، إلى غير ذالك من الأمثلة، وقد أكد رائد المنهج السياقي الإنجليزي فيرث firth أن المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية أي وضعها في سياق مختلف .28
وينقسم السياق إلى أربعة أقسام:

 السياق اللغوي: وهو"حصيلة استعمال الكلمة داخل نظام الجملة متجاورة وكلمة
أخرى " ¬29،فمثلا كلمة "عين" لها دلالات متعددة ،لكن بمجرد أن ترد في سياق معين تتحد الدلالة المقصودة من بين تلك الدلالات جميعها: - عين الطفل تؤلمه < العين هنا هي الباصرة- في الجبل عين جارية< عين الماء - هذا عين علينا < الجاسوس 30

 السياق العاطفي: وهو الذي يحدد طبيعة استعمال الكلمة، هل هي مستعملة
استعمالا موضوعيا أم استعمالا عاطفيا، يقول مايية في هذا الصدد " واللفظة بعد لا تحمل معنى عقليا فحسب بل تحمل أيضا في الغالب لونا من الإحساس فكلمة jardinet " جنينة" ليست فقط حديقة صغيرة، ولكنها حديقة صغيرة لها في النفس حنو، وكلمة château " قصر" ليست فقط منزلا واسعا، بل يضاف إلى ذالك إحساس إعجاب نشعر به نحو مقر الأمراء" .31
إن السياق العاطفي إذن يحول دلالة الكلمة من معناها الموضوعي الذي يرتبط أكثر بدلالتها المعجمية إلى معنى آخر يرتبط بالعاطفة والإحساس، فكلمة يهودي يكون استعمالها استعمالا موضوعيا في مجال معين، لكن في مجال آخر، لابد أن تندرج ضمن السياق العاطفي، ويصاحب استعمالها نوع من الحقد والكراهية والاحتقار .... وغير ذالك من الأمثلة كثيرة .

 سياق الموقف: يعنى هذا السياق" الموقف الخارجي الذي يمكن أن تقع فيه
الكلمة " 32، فهو "يدل على العلاقات الزمانية والمكانية التي يجري فيها الكلام " . 33 ونشير هنا إلى أن هذا السياق يتناسب مع ما عرف عند العرب القدماء بالمقام.

 السياق الثقافي : يقتضي هذا السياق "تحديد المحيط الثقافي والاجتماعي الذي
يمكن أن تستخدم فيه الكلمة " 34 فالكلمة حين تستعمل تدل على المستوى الثقافي والاجتماعي لمستعملها. فمثلا كلمة "rich" تستعملها الطبقة الاجتماعية العليا في بريطانيا بينما كلمة "wealthy" تستعملها الطبقة الشعبية "وكلمة عقيلته تعد في العربية المعاصرة علامة على الطبقة الاجتماعية المتميزة بالنسبة لكلمة زوجته.
ويظهر إن للسياق الثقافي أهمية كبيرة، وتظهر هذه الأهمية بشكل بارز في الترجمة " إذ تتطلب مقتضيات الفهم الصحيح والدقة العلمية أن يلم المترجم بالسياق الثقافي للنص المترجم.

الهوامش
22. ابراهيم أنيس،دلالة الألفاظ،ص 48.
23. تمام حسان،اللغة العربية:معناها و مبناها،ص 323-324.
24. نفسه، ص 324
25. رشيد بلحبيب،مقومات الدلالة النحوية،موقع إلكتروني سابق.
26. تمام حسان،اللغة العربية:معناها و مبناها،ص 337.
27. الجاحظ،البيان والتبيين،الجزءالأول،ص81،عن منقور عبد الجليل،علم الدلالة،ص127.
28. fowler:Anole,p418،عن مختار عمر،علم الدلالة،ص68.
29. أحمد قدور، مبادئ اللسانيات،ص295.
30. نفسه،ص 296.
31. علم اللسان،ص71،عن أحمد قدور،مبادئ اللسانيات،ص297.
32. أحمد مختار عمر،علم الدلالة،ص 71.
33. أحمد قدور،مبادئ اللسانيات،ص298.
34. أحمد مختار عمر،علم الدلالة،ص 71.

رد مع اقتباس