المعنى الحقيقي للجدر ( ع ر ب ) وهو اصل ( عبر ) مع القلب و ( غرب ) عن طريق لهجي بسبب تقارب المخارج الصوتية , موجود في القرآن الكريم في الاية الكريمة( عربا أترابا ) , لا داعي للتعجيز والاعجاز وليس هناك اي غرابة او غموض في دلالة الجدر ومشتقاته , كلما وصف لفظ ( قرآن ) بلفظ ( عربي ) من داخل النص القرآني , كان الواصف محيطا بالموصوف اي القرآن وكان المقصود منه لغة القران وليس القوم او الجنس البشري ( العرب ) . هذا تجده في كل الايات التي ارتبط فيها لفظ ( قران ) بالوصف ( عربي ) . وحين وصف القران الجنس البشري أطلق لفظ ( أعراب ) . اذا ما استطعت الوصول الى السمة الدلالية الاصلية للفظ ( عرب ) في القران والمعاجم والاستعمالات , فانك تستطيع الوصول الى ضبط السمات الدلالية المتغيرة من داخل المشتقات , ومنه تستطيع الوصول الى فهم السمات الدلالية المرتبطة مثلا بلفظ( اعراب ) علميا من داخل النحو العربي , تلك التي بالضرورة ليست هي ما ورثناه عن النحاة وعن سيبويه بالخصوص . ان اللفظ في اصله وبمشتقاته يدخل ضمن شبكة عنكبوتية تنطلق من المركز الى الاطراف اي من السمة الدلالية الاصلية الى السمات المتغيرة عن طريق التوليد والاستبدال بالمفهوم السوسوري .
نقطة اخيرة , من اراد ان يصل الى نتائج علمية صحيحة في اي دراسة من هذا النوع عليه ان لا يعتمد على آراء المستشرقين الذين صنفوا اللغات الى عائلات ووضعوا العبرية كلغة اصل باعتبار ان اقدم نص ديني لغوي وصل اليهم هو العهد القديم , وهذا بالطبع توجه ايديولوجي سياسي يضمن لاسرائيل وجودا تاريخيا في المنطقة وشرعية دولية وهو ما لم ينتبه اليه الدارسون وعلماء اللغة العرب الذين لا زالوا محتفظين على نفس التصور . اما واضع نظرية اللغات والعائلات فهو يهودي سويسري تشولترز , والنظرية على خطأ طبعا والعربية هي اقدم اللغات والفرق الاساسي بينها وبين كل اللغات العالمية انها حافظت كليا على روحها ونظامها الاعرابي في حين لم تفعل ذلك باقي اللغات الا بشكل جزئي ونسبي فباقي اللغات اعرابية ايضا, لكن اهلها لا يعرفون نظام اعرابهم بما في ذلك الانجليزية والفرنسية ولا يهتمون به , ولعل العبرية وهي لهجة عربية زمن يعقوب ويوسف عليهما السلام اخر من فقد سمة الاعراب مع تأسيس النحو العبري الجديد في ثلاثينيات القرن العشرين على اساس من النحو العربي ومنها استقى تشومسكي نظريته في التوليد والتحويل , وليست الاكادية والسومرية والسريانية والحبشية القديمة والهيروغليفية القديمة والاوغاريتية والفينيقية والامازيغية مهما تنوع شكل كتابتها الا لهجات عربية استقلت بنفسها عبر قرون واسست لنفسها نظامها الخاص الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي لكنها لم تبتعد كثيرا عن اللغة الام اي العربية . لقد انتشرت السريانية منذ قرون بعيدة في منطقة لكنها لم تستطع اختراق العربية في مناطق شبه الجزيرة مثل الحجاز ونجد والخليج الخ , وتقوت هذه اللهجة لتصبح مع المسيح عليه السلام لغة الدين الجديد والكتاب المقدس المختلف عن اليهودية , لكن لم يتجاوز ظهور الاسلام الاربعين سنة حتى اندثرت اللغة السريانية , وقبعت منذ ذلك الزمن في المعابد المسيحية وخصوصا في المناطق النائية والوعرة , فهل تستطيع لغة دحر لغة اخرى قوية عاشت الالاف السنين في ظرف 40 سنة ؟ لكم واسع النظر عن طريق العمل التطبيقي المقارناتي وهو ما لم يحدث اطلاقا طيلة التاريخ .
من جهة اخرى ليس الفرق بين العربية وباقي لغات العالم مهما اختلفت الا في, اولا درجة الاعراب , ففي الوقت الذي حافظت فيه العربية على اعراب تام وكامل فقد اللغات الاخرى سمة الاعراب بدرجات متفاوتة , وهذا يظهر جليا اولا في نحوها , من جهة اخرى لم تحافظ العربية فقط على اصواتها بل حافظت على نظام اصواتها وهو ما فقدته باقي اللغات لانها في الحقيقة لهجات وليست لغات انها لهجات متفرعة عن لهجات ولا يمكن وصفها باللغة الفصحى لان العربية هي اللغة الوحيدة التي يمكن وصفها بالفصحى , دليل هذا تجده في مقدمة العين وفي وصف الخليل للنظام الصوتي للعربية, ودليل ذلك تجده في كتاب اندريه مارتني في كتابه ( دينامية الالسن ) , الحقيقة ان موضوع الكتاب التطبيقي والعملي لم يكن اللسان الفرنسي ولا اللغة الفرنسية وانما كان اللهجة الفرنسية التي هي اصلا متفرعة من ما سموه هناك اللغة الآرية , تغدت لهجة الفرانكس من اللغة الرومانية الغربية والاغريقية , وحاول الفرنسيون منذ عصر النهضة ان يجعلوا منها لغة فصحى لكنهم لم يفلحوا طيلة التاريخ لسبب بسيط فقدانها للنظام الاعربي والصوتي المتكامل , هذا هو سر قول الله تعالى ( لعلكم تعقلون ) وسر وصفه للقرآن بعربي اذ الوصف لا ينطبق على اللهجات التي استعملتها القبائل العربية وانما ينطبق على لغة القران . اما فيما يخص الترتيل الذي استمد هويته من اللهجات ومن ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين القادمين من قبائل عربية متفرقة فقد تطورت ترخيصاته وظواهره الى قراءات مختلفة فاصبح للقراء الى جانب النحاة تأثير في الفهم الدلالي الصوتي او النحوي لايات القران وكلماته وهو ما خلق صراعا بين النحاة والقراء كان اساسه التأويل وليس علمانية العقل ( العلمانية هنا تصف العلم وتستقي منه , ولا نقصد منها المصطلح الفرنسي ( لايستي )) . وقد تطور علم القراءات ليصبح مع القرن الرابع فنا وعلما جاهزا اطلق عليه علم التجويد . ان ما يهم في هذا المسار التاريخي هو الاجابة عن السؤال التالي , هل كانت عربية القرآن عند نزول الوحي تعتمد على سبع حركات هي ( الفتحة و الضمة والكسرة والالف والواو والياء والسكون ) ام ان التنزيل الحكيم جاء بهذه الحركات مضافا اليها حركات اخرى معروفة عندنا في علمي التجويد والقراءات ؟ من مثل الامالة والروم والاشمام والاضجاع وغيرها وهي في مجموعها قد تصل الى 27 حركة ؟ والحركة ليست هي الصوت , هل هذا المجموع من الحركات هو الاصل في الفصحى العربية ؟ أم ان الفصحى العربية تضم فقط سبع حركات ؟ وهل يمكن اطلاق مصطلح الفصحى على تلك اللغة العربية التي تستعمل تلك الحركات القادمة من اللهجات العربية القديمة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ لماذا يستعمل العربي طيلة التاريخ حتى زمننا الحاضر في الشعر والخطب وفنون النثر والرواية ونصوص التأريخ وفي المحاضرات والصحافة المسموعة والمكتوبة الخ سبع حركات, وتسمى عنده اللغة الفصحى ويستعمل في اللهجات قديمها وحديثها وفي الاداء والغناء والتجويد والقراءات مجموع 27 حركة التي ذكرنا بعضها . في الانجليزية مثلا يتجاوز عدد الحركات 40 حركة فحركة a مثلا يتجاوز انجازها في الانجليزية خمسة طرق وكذا e , وهو ما يعني ان الانجليزية ليست لغة فصحى وانما هي لهجة . ان الفصحى لا تعني فقط نطق الاصوات من مخارجها الصحيحة او تجنب الاخطاء النحوية والصرفية بل الامر يتعدى ذلك اساسا الى النظام الصوتي بمجمله . وهو ما يتكفل به النظام الاعرابي العام لانه روح اللغة العربية .
اخيرا في ما اعتقد ان التراث والفكر اللغوي العربي القديم يحتاج الى غربلة علمية جادة فالقوم يعتقدون ان سيبويه او الخليل قدما النظام الصوتي العربي وانتهى الامر والحقيقة ان اعمالهما اجتهادات جاءت على خلفية الاهتمام بلغة القران وليس باللغة العربية , اذ لا تمثل لغة القران الكريم الا نسبة 13 في المائة من المخزون اللغوي العربي القديم , او في مجمله .
طاب صباحكم