منازعات في فلسفة الفارابي بين محمد عزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابر
بقلم يوسف بن عدي
قسم: الفلسفة والعلوم الإنسانية
التمهيد:
عاصر محمد عزيز الحبابي (1922- 1993) محمد عابد الجابري (1936- 2010)، وتواجدا معاً في الأجواء الفكرية والفلسفية والسياسية، ممّا يجعل الانطباع الأوليّ هو القول بتشابه أفكارهما ورؤيتهما، بيد أنّ الأمر غير ذلك؛ فهما قد تشخصنا مع المعطيات والسياقات بطريقة مختلفة، وإن تبيّن لنا أنهما يقفان على الأرضية الإيبستيمولوجية ذاتها.
من هنا، سوف نقوم في هذه الدراسة بإبراز الاختلاف و"التطابق" في تقريبهما لفلسفة الفارابي، وكذلك بيان آليات قراءتها والاستشكالات التي حكمتهما. وبهذا الاعتبار فإنّ النظر في المصادر الفكرية والاجتماعية قد يكون له الأثر البليغ في توجيه رؤية الحبابي والجابري حينما يرسمان موقفهما من التراث وقضية الحداثة أو المعاصرة.
ينحدر الحبابي من مدينة فاس المغربية، وهي موطن جامعة القرويين الشهيرة، درس في الكتّاب ثم المدرسة الابتدائية ثم الثانوية، غير أنه طرد من التعليم الثانوي إثر مشاركته في المظاهرات والمطالبة بالاستقلال سنة 1944، لينتقل فيلسوفنا بعد ذلك إلى باريس، يقول عن تلك المرحلة: "لقد تابعت دراستي العليا في فرنسا بالسوربون، كان المغرب آنذاك مازال تحت الحماية، لم أكن أشعر أنني كائن كالكائنات الأخرى، على أنّ المستعمر كان يرمي إلى ترسيخ نوع من الإحساس بالدونية..."[1]. مما دفعه إلى النضال من أجل استعادة الكائن لدائرة الشخص المنتمي لوطنه وشعبه؛ أي مشروع الإنسان الحر والمنفتح على الهويّة التراثيّة ومنجزات الغرب الحديثة. وفي سياق هذه الأجواء الفكرية والسياسة، أنجز الحبابي أطروحة: "من الكائن إلى الشخص" (1954) كردّ فعل ضد الاستلاب والذلّ متطلّعاً إلى الحريّة والتحرّر. وهكذا، خطّت يد الحبابي مؤلفات مهمّة وجادّة، منها: من المنغلق إلى المنفتح. عشرون حديثاً عن الثقافات القوميّة والحضاريّة الإنسانيّة، ترجمة محمد برادة (1973)، وكتاب: "ورقات عن فلسفات إسلامية" (1988)، وكتاب: "من الحريّات إلى التحرّر" (1972)...إلخ.
أمّا محمد عابد الجابري فهو من مواليد مدينة فكيك الجهة الشرقية من المغرب، وقد التقى الجابري برجالات النهضة والإصلاح والنضال السياسي والوطني الذين تركوا بصمة في ذهنه، حتى صار يناضل من أجل تأسيس الروح الوطنية في التعليم. درس في التعليم الابتدائي متدرّجاً ومكتسباً لطريقته البيداغوجية الفائقة في توصيل الأفكار وتبليغها مهما كانت مجرّدة وصعبة على الفهم والتعقل.
من المعلوم أنّ الجابري قد تأثر بالفلسفات الغربية الحديثة من قبيل الماركسية والباشلارية في التأريخ للعلم، والفوكوية التي تشتغل على نظام الخطاب والمقاربة الأركيولوجية.. بيد أنّ قراءته للتراث لم تكن قراءة إسقاطيّة أو لا تاريخيّة بقدر ما كانت تندرج ضمن تبيئة المفهوم وفق منطق الثقافة العربية ورهاناتها. ولعلّ من مؤلفات الرجل التي عرفت شهرة كبيرة: ("نحن والتراث" (1980)، كتاب: "تكوين العقل العربي" (1982)، وكتاب: "بنية العقل العربي" (1986)، .....) إلخ من المؤلفات التي رسمت رؤية منهجيّة قويّة في تقريب التراث الإسلامي العربي.
من المؤكد أنّ مهمّة الفكر عند الحبابي والجابري إنّما كانت، بغض الطرف عن اختلافاتهما الإيديولوجية والنظرية، محاولة استيعاب خصوصية الهويّة العربيّة واندماج سؤال التراث في قلب مسار الحداثة وفكرها وتحولاتها. وهذا يعني أنّ (الجابري والحبابي) لم يكونا يجسّدان ذلك التفكير الإقصائي الذي يرفض التراث، بل كلّ التراث مهما كانت جوانب منه إشراقية ومتنورة وتقدمية. بعبارة أدق، كان المفكّران المغربيان من المفكّرين العرب القلائل الذين ينتقدون التراث لبيان حدوده والإفادة منه، لدفع الهوية العربية وخصوصيتها التاريخية والحضارية لبناء حداثة أو معاصرة بطبعة عربية. ويترتّب على هذا، أنّ المفكرين الحبابي والجابري، قد استوعبا درس "هايدغر" الذي يقول إنّ اعتقادنا بأنّ التراث والماضي هو وراءنا هو اعتقاد خاطئ، إذ هو أمامنا، إنه قدرنا، ولا يمكن الانفلات منه إلا عبر عمليتي التملّك والتجاوز.
أولاً: من مهرجان الفارابي بـ"بغداد" إلى استئناف القول الفلسفي في المغرب
ربما ليس من المبالغة في شيء إذا ما استحضرنا قول الأستاذ محمد المصباحي: "بعد ابن رشد جاء الحبابي". وإن كان الأمر هنا يتعلّق بالطريق الجديدة التي دشّنها الحبابي في تأسيس القول الفلسفي، يعني حضور منجزات الغرب الفلسفية والفكرية ووقوع العالم الإسلامي تحت نير الاستعمار والإمبريالية...إنّها معطيات تؤثّث لتغير العمران وتحوّل لسان حال العالم بلغة ابن خلدون. إنها متغيرات جديدة لم تشهدها بالإطلاق الفلسفات الما بعد الرشديّة. فضلاً عن ذلك فإنّ استئناف القول الفلسفي في المغرب والعالم العربي، في خطوته الثانية، لم يكن إلا مع محمد عابد الجابري. كلّ ذلك في معرض نقد العقل وآليات اشتغاله، بعدما غرقت الثقافة العربية في نقد المنتوج والخطابات والمفاهيم والتصوّرات والنماذج والمذاهب والأسماء...والحال المعضلة تكمن في نقد العقل وليس في ما ينتجه هذا العقل. وهكذا انطلق الحبابي والجابري إلى مهرجان الفارابي الذي نظّم في بغداد في أواخر أكتوبر عام 1975 حاملين معهما الحمولات الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية، بل قُلْ إنّهما طامحان في تجذير سؤال التراث في جسد الحداثة والمعاصرة من خلال فلسفة الفارابي. يقول الجابري مفصحاً عن هذه العزيمة والرغبة: "مرور ألف ومائة عام على ميلاد فيلسوفنا الأعظم، أبي نصر الفارابي، مناسبة تتيح لنا فرصة أخرى للعودة بأفهامنا وجماع وعينا إلى تراثنا العربي الإسلامي، لنجدّد الاتصال به، وتعميق فهمنا له، على ضوء تطوّر وعينا ونموّ معارفنا، وتحسين أساليبنا في البحث والدراسة (...) ألف ومائة عام فقط تفصلنا عن الفارابي كفكر وثقافة"[2]، وهو الهاجس ذاته الذي حمله معه محمد عزيز الحبابي في مهرجان الفارابي بـ"بغداد" باحثاً في "التراث عمّا هو قمين بأن يستوحي ويستخرج ويستمرّ في بناء بنيات ذهنية متطورة جديدة؟".[3]
وينتج عن هذا أنّ رؤية الحبابي والجابري هي رؤية طموحة وطامعة في تحصيل شروط التجديد وأسباب الإبداع. ولعلّ عنونة دراستهما تدلّ على ذلك دلالة واضحة وبارزة، إذ عنون الحبابي دراسته بـ: "أبو نصر الفارابي المنظّر للمجتمع المدني المثالي"، وعنون الجابري مداخلته بـ: "مشروع قراءة جديدة لفلسفة الفارابي السياسية والدينية". وأحسب أن عنوان الدراسة له من الدلالة ما يشي بأنّ الجابري كان يطمح إلى بناء مشروع نقدي عربي، وهو الأمر الذي يتضّح لنا إذا ما رصدنا لفظ "مشروع" و"المدرسة البرهانية" و"النظرة الشمولية"... والتي تحيل على هذا الطموح الإبيستيمولوجي الكبير، وقد حقّق الجابري جزءاً كبيراً منه. وأمّا الحبابي، فكان شخصاني المنزع والهوى، هواه هو الإنسان والشخص، أمر الإنسان ولواحقه من الاندماج والانفتاح والتحرر..وأكيد أنّ دلالة عنوان دراسته تفي بالغرض حينما تستوقفنا لفظة "المجتمع" و"المثالي"...هما لفظان يعبّران عن ترادفين للتفتّح على المستقبل وعالم الغد أو الغدوية...ومحاولة تخطّي الحاضر الفكري المنغلق...نحو الانفتاح على مستجدات العصر. إنها عملية تعصير الأصالة وتأصيل المعاصرة.
من هنا كانت رؤية الحبابي تنطلق من تأويل لفلسفة الفارابي أو ما سمّاها بـ"الفارابية" التي هي "كالفلسفات الإسلامية الأخرى أضخم بمكوناتها من الآثار المنشورة والمقروءة. ولكلّ فلسفة منها وجه خاص من التفكير العربي الإسلامي العام، استُغلّ جانب منه، ومازالت أوجه في انتظار الاستثمار"[4]. ومن ثمّة كانت قراءة الحبابي للفارابي وفلسفته قراءة تأويلية على جهتين: الجهة الأولى: محاورتها بالمعنى التاريخي المنهجي، والثانية: رصد المعنى التاريخي الوجودي.[5] إضافة إلى ذلك فإنّ الفارابية في تصوّر الحبابي تتحصّل بقراءتها على ضوء جدل الانفصال والاتصال. أعني ما "تمثله بالنسبة لعصرها، وما توحي به بالنسبة لعصرنا، عسانا نتفهّمهما أكثر وأحسن، وندخل في حوار معها ملتصق بالقضايا الحالية للعالم العربي-الإسلامي"[6]. وبهذا الاعتبار، فإنّ الهاجس المنهجي في قراءة فلسفة الفارابي عبر عمليتي: الاتصال والانفصال لم يكن نافلة فكرية أو متعة فلسفية بقدر ما كان رؤية مسلحة نظرياً. وآية ذلك إقرار الحبابي في سياق حديثه عن الغزّالية (نسبة إلى أبي حامد الغزّالي)، إنه يجدر بنا التعاطي معها وكأنها "حيّة تعاصرنا"[7]. وبالتالي، فقراءة الرجل للفارابية تنطلق من "تجاوز حرفية آثارها لتبرز إشكالياتها، فإنّ لكل قارئ معاملاً شخصياً له، يميز تلقائياً، ما لم يلائم طبعه واهتمامه؛ أي عناصر الرسالة الخاصة التي وجهها له الكاتب".[8]
لننعطف، ونقول إنّ رؤية الجابري وتأويله لمتن الفارابي، إنما يجعلنا نستشكل دور النظام الابستيمي الذي تحدّث عنه "ميشيل فوكو" بأنّ العصر يحكم رؤية العالم والفيلسوف والمؤرخ والأديب...حتى أنه ليس في مكنته الانفلات من أساسياتها ومعالمها الكبرى، وإن ظهرت لنا بعض الاختلافات بين هذا الفيلسوف أو ذاك، إنها اختلافات سطحية لا غير. وكذلك الأمر لدى الجابري، فما يتحدّث عنه الحبابي هو ذاته الذي يتحدّث عنه الجابري.
لنستمع إلى الجابري: "أمّا مائة العام الأخيرة التي شهدت يقظة الفكر العربي وتحرّره التدريجي مما علق به من عناصر التشوّش والتعتيم والانحراف، فإنها لم تمكّنا بعد من امتلاك ما يكفي من صفاء الرؤية، وعمق النظر إلى مشاكلنا بالدرجة نفسها من القوة والحرارة والتواضع التي نظر بها الفارابي إلى مشاكل عصره واهتمامات معاصريه"[9]. بمعنى لا بدّ من استحضار سؤال الماضي وامتداداته في الحاضر. إذا لم نتمكن من أن ندرس الفارابي "في إطار هذه الإشكالية نفسها، إشكاليتنا نحن الذين نعيش في القرن العشرين، والتي هي في حقيقتها وجود امتداد لإشكالية مماثلة عاشها الفارابي نفسه منذ ألف ومائة عام"[10]. فهذه الرؤية لا تجدف خارج النظرة الشمولية؛ أي ربط الأجزاء بالكلّ الذي تنتمي إليه، ونحاول أن نقيم ما يمكن إقامته من الروابط بين عالم الفكر وعالم الواقع".[11]
وهكذا، فالقراءة الصحيحة في نظر الجابري "لا تتأتّى (...) إلا بقراءة ما قرأه الفارابي، وبالشكل الذي قرأه به. أعني بذلك أنه علينا أن نجتهد ونجاهد في أن نعيش بوجداننا وعقولنا الإشكالية نفسها التي عاشها الفارابي وحاول فكّ رموزها. إذا نحن أردنا النفاذ إلى عمق تفكيره وآفاق رؤيته"[12]. إنها لحظة الاتصال والانفصال في قراءة الفارابي، وهو المنطلق ذاته الذي يزاوج فيه الجابري والحبابي على حد سواء. وأكثر من ذلك، فإنّ هناك أيضاً تشابهاً بين الحبابي والجابري على مستوى الحدوس الفلسفية، إذ يعترض الجابري على جعل الفارابي ناقلاً فحسب. "إنه لو كان الفارابي مجرد فيلسوف ناقل، كما يقول بعض الباحثين لما أجهد نفسه في الجمع بين رأيي الحكمين ولاقتصر على نوع واحد من الاقتباس، النوع الذي لا يتطلب تأويلاً ويستوجب توقيفا"[13]. ولعل الخروج عن هذا التصور المنغلقينبغي النظر في الوظيفةالإيديولوجية التي أعطاها كل فيلسوف لهذه المعارف[14]، وليس الاقتصار على المادة المعرفية، لأنّ ذلك سوف يجعلنا، حسب الجابري، نقرأ الفلسفة كسلسلة متكرّرة من حيث المفاهيم والتصورات. أمّا قول الحبابي فهو يكاد يتشابه مع قول الجابري حينما قال: "خلافاً لما يدّعيه بعض المؤرخين من أنّ الفارابي مجرد ناقل وشارح للفلسفة اليونانية، فالاسترشاد بتفكير الآخرين"[15]، بمعنى أنّ الفارابية هي "حصيلة حوار، لا عملية نقل. إنها تمثّل حملاً وولادة".[16]