عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الفعل(اعتَبَرَ)..وصور استعماله في التراث اللغوي

كُتب : [ 11-29-2017 - 12:04 PM ]


الفعل(اعتَبَرَ)..وصور استعماله في التراث اللغوي
د. مصطفى شعبان



يتساهل كثير من المشتغلين بالصواب اللغوي في تخطئة كثير من الأساليب بحجة عدم ورودها في الاستعمالات الفصيحة دون بحث أو استقصاء لموارد تلك لأساليب ودلالاتها في التراث اللغوي، ومن تلك الأساليب استعمال الفعل (اعتبر) متعديًا إلى مفعولين بمعنى (عَدَّ أو حَسِبَ)، وفي واقع الأمر فإن موارد الفعل (اعتبر) في التراث اللغوي ليست سواءً في الدلالة، إذ جاء الفعل اعتبر متضمنًا لدلالات أفعالٍ شتى تحملها أربع صُوَرٍ اجتمعت عندي في التالي:

الصورة الأولى: (اعتبر بالشيء) بمعنى اتَّعَظَ به وأخذ العبرة، وهذا يتعدى بالباء فيُقال: "اعتَبِرْ بالموت" وقد يُحذف الباء كما في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ}، أي فاعتبروا بعاقبة الكافرين.
ومنه في الحديث: «السعيد من اعتبر بغيره، والشقي من اعتبر به الناس».
وهذا هو المورد الأصلي للفعل (اعتبر)؛ إذ عَبَرَ وهو الجذر الثلاثي يعني انتقل من حال إلى حال، فالاعتبار بحال الآخرين فيه نقل للصورة والمعنى من غيرك إلى نفسك.

الصورة الثانية: (اعتبر الشيء بالشيء) بمعنى: قاسه به، جاء هذا في معجم شمس العلوم 4348/7 ومثَّل له مؤلفه بقوله: "اعتبر الصَّاحبُ بالصاحب"، ومنه قول ابن قتيبة في غريب الحديث 164: "وَمن اعْتبر هَذَا بآذان الْأَنْعَام وآذان السبَاع لم يخف عَلَيْهِ ان آذانها من رؤسها لَا من وجوهها"
ويعني بـ(اعتبر هذا بآذان الأنعام) أي قاس هذا بآذان الأنعام.
وفي النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير170/3: "والمُعْتَبِر: المُسْتَدِلّ بالشَّيء عَلَى الشَّيء"، فاعتبر بالشيء من هذا الباب يعني استدل به.
ومنه قول السرقسطي في الدلائل في غريب الحديث468/2: "وَكَأَنَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، اعْتَبَرَ فِيهِ قَوْلَهُ: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ {33} وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ {34} }. والمعنى: استدل بـ.
وفي المخصص231/1: "وأظُنُّ أَبَا عُبَيْدَة اعْتبر مَا رُوِي عَن الْحسن فِي تَفْسِيره الْآيَة". أي: استدلَّ بـه.
وفي المخصص5/5: "فَإِذا جَازَ أَن يعْتَبر أَبُو عَليّ اللَّام بِالْفَاءِ كَانَ اعْتِبَار اللَّام بِالْعينِ لقربها مِنْهَا أَحْرَى بِالصِّحَّةِ ". أي يقيس اللام بالفاء.
ومنه:
قول الإمام الشافعي في الأم 300/5: "وَإِنْ قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ يَدٍ وَالْأُخْرَى مِنْ يَدٍ أُخْرَى لَمْ يَضُرَّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ثُمَّ اُعْتُبِرَ هَذَا فِي الرِّجْلَيْنِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَاعْتُبِرَهُ فِي الْبَصَرِ" أي قِيسَ فيه.
وفي الأصول لابن السراج 184/2: " كانَ حمزةُ ينصبُ؛ لأنه اعتبر قراءة ابن مسعود". أي استدلَّ بها.


الصورة الثالثة: (اعتبر الشيءَ) بمعنى: قَبِلَهُ، أو اعتدَّ بـهِ، أو حَمَلَ عليه.. وهو وارد بكثرة في عبارات اللغويين والمعجميين والنحاة وغيرهم، ومنه:

في تهذيب اللغة 251/2: "وَكَأَنَّهُ اعْتبر هَذَا التَّفْسِير من لفظ البعل الَّذِي مَعْنَاهُ الزَّوْج".
وفي الخصائص لابن جني357/2: "كأنَّ أبا عثمان إنما اعتبر في هذا الباب المضمر فقدَّمه وحمل عليه المظهر".
وفي اللمع في العربية153: "فَمن لم يصرف احْتج باجتماع التَّعْرِيف والتأنيث فِيهِ وَمن صرف اعْتبر قلَّة الْحُرُوف وَسُكُون الْأَوْسَط".
وفي أسرار البلاغة للجرجاني168/1: "وقد اعتُبِرَ فيه هيئة التفصيل في الوِشاح، والشكل الذي يكون عليه الخَرَزُ المنظوم في الوِشاح".
وفي دلائل الإعجاز 597/3:" ومن يسلم بأن امرأ القيس زاد في البلاغة وشرف النظم على نظم من كان قبله، ما إذا اعْتُبِرَ كان في مزية قدر القرآن".
وفي الفروق لأبي هلال العسكري 225: " الْحَلَال هُوَ الْمُبَاح الَّذِي علم إِبَاحَته بِالشَّرْعِ والمباح لَا يعْتَبر فِيهِ ذَلِك". أي لا يُعتدُّ فيه بذلك.
وفي تسهيل الفوائد 117/1: "وان كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها".
وفي الكافية الشافية لابن مالك374/1: "كذا منكر يضاهي ما ذكر ... وفي مضاف لهما ذاك اعتبر
".
وفي شرح المفصل لابن يعيش 402/4: "فإذا أُنّث، اعتُبر اللفظ، وإذا ذُكّر، حُمل على المعنى".
وفي أمالي ابن الحاجب773/2: "أن ذلك لو اعتبر لامتنع استعمال هذا الباب فيه، فيفوت كل معناه منه".
وفي شرح شافية ابن الحاجب 346/2: "فسيبويه اعتبر الغلبة والاشتقاق البعيد..".
وفي مغني اللبيب لابن هشام 892/1: "وَأما نَحْو نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث فَوَاجِب النصب سَوَاء اعْتبر حَاله أَو حَال مَا يُشبههُ وَهُوَ المنادى".
وفي همع الهوامع للسيوطي 339/1:"وَإِذا اعْتبر اللَّفْظ ثمَّ الْمَعْنى جَازَ الْعود إِلَى اعْتِبَار اللَّفْظ بقلة".
وفي تاج العروس293/36: " والمُصنِّف كأَنَّه اعْتَبَر زِيادَةَ الميمِ والهَمْزَة فأَوْرَدَه هُنَا".
وفي التاج 402/2: "والدَّيْدَبُونُ (كالدَّدَنِ والدَّدِ هُوَ (اللَّهْوُ) ذكره الأَزهريّ عَن ابْن الأَعْرَابيّ، ودَيْدَبَ: غَمَزَ، مَجَازٌ (هَذَا موضعُ ذِكْرِه لَا النُّونُ) فإِنَّها زَائدةٌ فَلَا يُعْتَبَرُ بهَا" أي لا يُعتدُّ بها.
وفي المغرب في ترتيب المعرب 133/1: "وَإِذَا أَحْيَا مَوَاتًا اُعْتُبِرَ الْحَيِّزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -".
وفي الوسيط في فقه الشافعي للغزالي49/6: "وَالشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ اعْتبر مَا يُؤثر فِي الْعَمَل أثرا بَينا".
وفي البيان في مذهب الشافعي للعمراني400/1:" وإن قلنا: لا يلفق لها.. قال أبو العباس: فهل الاعتبار بزمان العادة، أو بعددها؟ فيه قولان ـ يعني: وجهين ـ:
أحدهما: أن الاعتبار بزمان العادة؛ لأنه اعتبر عددها، فوجب اعتبار زمانها." أي الاعتداد.
ففي كل هذا ومثله (اعتبر) هنا بمعنى قَبِلَ، أو اعتدَّ بـ، أو حَمَلَ على، وهو من قبيل التضمين الذي لا خلاف في أنه من سمات الفعل وخصائصه الواسعة في العربية.

الصورة الرابعة: (اعتبر الشيءَ شيئًا) أي: عَدَّهُ أو حَسِبَهُ (من أفعال القلوب الناصبة لمفعولين )، وقد أجازه مجمع اللغة العربية القاهري بناء على بحث أعدّه خبير لجنة الأصول د.محمد رجب الوزير بقصد إجازته وتسويغه، وافقت عليه لجنة الأصول ومجلس المجمع، وتولّى الدفاع عنه د.محمد حماسة عبداللطيف مقرر اللجنة وعضو المجمع وأستاذ النحو والصرف والعروض في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة.
وكان البحث المقدم يرى أن الاستعمال يمكن أن يكون جائزًا لسببين:
الأول: أن يُضمَّن الفعل «اعتبر» معنى الفعل «عدَّ» فينصب مفعولين.
الثاني: الاستئناس بورود هذا الاستعمال في نصوص عربية قديمة، منها:
أ - قول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ : إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور، فيعدُّه إجماعًا.
ب - وقول القشيري في تفسير قوله تعالى: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ : تدل الآية على أن الوقوف في المسائل الدينية يُعتبر واجبًا.
ج - قول الألوسي في تفسير قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ : والمراد من الأرض جنسها أو المدينة المنورة، والحمل على جميع الأرض ليس بشيء، إذ إن تعريف المفرد يفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء، اللهم إلا أن يعتبر كلَّ بقعةٍ أرضًا.
د - وقول ابن عادل في تفسير قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ سرح الإبل يسرحها سرحًا، أي أرسلها، وأصله أن يرسلها لترعى، واعتبر من السرح المضيَّ، فقيل: ناقة سرحٌ، أي : سريعة.
واختتم البحث الذي تمت موافقة المجمع عليه، والحكم بعدم تخطئته بقول الخبير د.الوزير: بناءً على تضمّن الفعل «اعتبر» معنى الفعل «عدّ» واستئناسًا بما ورد في النصوص العربية القديمة المذكورة آنفًا، التي جاء فيها الفعل « اعتبر» متعديًا إلى مفعولين بمعنى «عَدَّ»، أقترح على اللجنة إجازة استعمال الفعل «اعتبر» متعديًا إلى مفعولين بمعنى «عدَّ» بهدف التيسير والتوسّع في اللغة.

وأزيد على ما ذكره الدكتور محمد رجب الوزير أن تسويغ استعمال (اعتبر) متعديًا إلى مفعولين واستعماله استعمال أفعال القلوب بناء على نظرية التضمين لا مانع منه؛ فإن الأسبقين ضمنوه معاني كثيره كما رأينا في الصورتين الأوليين، فضمنوه معنى (قاس بـ، واستدلَّ بـ، وقَبِل، واعتدَّ، وحمل على)، فعدَّوه لمفعول واحد، وإن كان أصلُ استعماله متعديًا بالباء بمعنى: اتعظ بـ.
أضف إلى ذلك أن بعض الأفعال قد تتعدى إلى مفعول واحد كـ(عَلِمَ) بمعنى: عَرَفَ، فتقول: علمتُ الخبرَ، فإذا استُعملت استعمال أفعال القلوب تعدَّتْ إلى مفعولين فتقول: علمتُكَ رجُلًا، وكـ(رأى) بمعنى: أبْصَرَ، تقول: رأيتُ المباراةَ، وقد تُستعمل استعمال أفعال القلوب بمعنى عَلِمَ فتقول: رأيتُ العِلْمَ رَحِمًا..وهكذا.
وقياسًا عليه فإن (اعتبر) إن تعدى إلى مفعول واحد لا يكون بمعنى (عَدَّ)، وإن تعدى إلى مفعولين كان بمعنى (عَدَّ).

ومن الشُّبه المثارة حول تخطئة استعمال (اعتبر) بمعنى: عدَّ، أن الفعل (اعتبر) لا يُستعمل بمعنى الشكِّ أو الظن فكيف يُضمن معنى (عدَّ) وهو من أفعال الرجحان ومن أخوات( ظَنَّ) الثمانية: ( خال، ظن، حسب،زعم، عد، حجا، جعل، هب).
ويُردُّ على ذلك بأن من أفعال القلوب ما يَرِدُ بالوجهين، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأى، وعلم، كقوله جل ثناؤه: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا}، وقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}، وقوله تعالى:{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات} فالفعل (رأى) ورد في الآية الأولى دالا على المعنيين (ظن، وعلم)، والفعل (علم) في الآية الثانية لليقين، وفي الثالثة للظن والرجحان، فلا مُتَّكأ على هذه الشبهة.
وكالفعل (ظنَّ) فإن الغالب أن يأتي للرجحان، ولكنه قد يأتي لليقين مثل: {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} أي: يوقنون.
والفعل (حسب) أيضًا شأنه شأن (ظن) قد يستعمل لليقين فيُضَمَّنُ الفعل (اعتبر) معناه استئناسًا بالوارد من كلام العلماء وبالتضمين الذي يسوغ كثيرًا من الاستعمالات، ولا يكون هناك داعٍ لتخطئة استعماله أو وصفه بأنه من كلام المولدين أو نحوه..والله أعلى وأعلم.


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 11-29-2017 الساعة 12:59 PM
رد مع اقتباس