عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 11-16-2017 - 10:45 AM ]


4- إن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا ، بل تنبهوا إلى عوامل في الرواية المكتوبة لم يتنبه إليها هؤلاء المتطفلون بالاقتراح عليهم ، فقد اشترط المحدثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح ، لذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راوٍ إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه ، ونجد عليها إثبات السماعات وخط المؤلف أو الشيخ المسمع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها . .
فكان منهج المحدثين بذلك أقوى وأحكم ، وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات، والمستندات المكتوبة .
5- إن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعم ، بل فتش الصحابة عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية ، لصيانة الحديث من الدس .
وقد ضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد ، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثاً عنها ، واختباراً لرواة الحديث ، حتى اعتبرت الرحلة شرطاً أساسياً لتكوين المحدث .
6- إن المسلمين ـ كما تبين مما سبق ـ لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث ، بل بادروا لمحاربة ذلك بإتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السنة في قيود رواية المبتدع ، ولبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع ، وعندما ظهرت الفرق المنحرفة التي تعتبر المعين الذي يستقي منه المستشرقون أباطيلهم كان علماء الأمة لهم بالمرصاد فظهر مبدأ ( سموا لنا رجالكم ) .
7- إن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه ، وهو دليل على عمق نظر المحدثين ودقة بحثهم ، فكان على هذا القائل أن يسلم لهم ، كما أننا نستدل على دقة العلم وإحكام أهله له بتقاسيمه وتنويعاته ، بل لا يُعد علماً ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع ؟!!
8- إن علماء الحديث قد أفردوا لكل نوع من الحديث وعلومه كتباً تجمع أفراد هذا النوع من أحاديث ، أو أسانيد أو رجال ، فلا يصلح بعد هذا أن يقول قائل كيف نعرف هذا الحديث أنه صحيح من بين تلك الأنواع . وكيف ستعرف هذا الفن ولست من أهله ولا من محبيه . فنقول لهؤلاء المستشرقين كما قال الأول :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ونحن نقول له : كذلك وقع التنوع في كل علم وكل فن ، فلو قال إنسان كيف نحكم على هذا المرض بأنه كذا وأنواع الأمراض تعد بالمئات ، وكيف نبين هذا المركب الكيمائي من بين المركبات التي تعد بالآلاف لأحلناه على الخبراء المتخصصين ليأخذ منهم الجواب الشافي ن والحل المقنع .
فكما يرجع في الطب إلى الأطباء ، وفي الهندسة إلى المهندسين وفي الكيمياء إلى علمائها ، والصيدلة إلى أصحابها .... كذلك فارجع في الحديث إلى علماء الحديث المتخصصين في هذا العلم لأخذ البيان الجلي المدعم بالأدلة القاطعة عن كل حديث تريده وتود معرفة حاله .
وهذه الشبهة من أصلها قول من أبعد النجعة عن الحقيقة ، وعمد إلى المبالغة في تضخيم الأثر المتوهم لتأخر تدوين الحديث المزعوم .
فقد كان عالم الحديث الذي ينال لقب " حافظ" -وكانوا كُثراً- فكان يحفظ آلاف الأحاديث بأسانيدها . وبالإضافة إلى القدرة العجيبة في الحفظ عند العرب فثمة مسألة أخرى وهي تمسك المسلمين بدينهم وحبهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.والدليل على ذلك أن كثيراً من علماء الحديث أنفقوا أعمارهم في دراسة الحديث والرحلة في طلب الحديث ، وقد اعترف بعض المستشرقين بهذه الجهود.وكيف لا يحرص المسلمون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية .والحديث هو حديث نبيهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم .وهذا الكلام فيه بيان شاف لتثبـّتِ المحدثين واستخدام عقولهم النيرة عند سماع الحديث أي من شيوخهم ثم عند التحديث به فلا يحدث الأئمة منهم إلا بما حفظوه وأتقنوه أو من كتبهم وعند الحكم على الرواة فلا يحكمون إلا بعلم ودراسة الراوي المحكوم عليه ومن اعترى حكمه خلل سد هذا الخلل غيره من الأئمة تحقيقاً لوعد الله بحفظ دينه وحمايته له من النقص والخطأ والباطل.
وكان أهل العلم يشددون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم أنه قال : كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث من رجل سألنا عن حاله حتى يقال : أتريدون أن تزوجوه؟ وجاء جماعة إلى شيخ ليسمعوا منه فرأوه خارجاً وقد انفلتت بغلته وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه. قالوا هذا يكذب على بغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث.
الشبهة الثالثة : وهي عبارة عن مجموعة من شبهات المستشرقين حول المكي والمدني :
لقد درس بعض المستشرقين ظاهرة المكي والمدني وفكرة وجود خصائص لكل منهما، فحاولوا استخلاص خصائص لكل من المكي والمدني، ومن ثَمّ استنتجوا من ذلك أن القرآن خضع لظروف بشرية متأثرة بالمحيط والمجتمع، وبالتالي فهو غير مرتبط بالله تعالى المنزه عن التأثر بهذه المؤثرات فهو من تأليف (محمد) لا من وحي السماء.
هذه هي الفكرة التي تدور حولها شبهاتهم هنا، وقبل أن نتطرّق إلى هذه الشبهات ومناقشتها بشكل تفصيلي، لا بد أن ننبه إلى نقطة هامّة.
وهي أنه يجب أن نفرق بين خضوع القرآن للظروف والحالة البشرية، وبين انسجامه مع الواقع الموضوعي وطبيعة التدرج الموضوعي للرسالة الإسلامية ، ويتجلى الفرق بينهما من خلال آثار وسمات كل من الحالتين .
وعندما نرجع إلى القرآن الكريم لا نلمس أي مؤشر على خضوعه للحالة البشرية، ولا نجد فيه أي أثر من آثار هذا الخضوع، فليس فيه تذبذب في المستوى الفني أو مناقضة في المضمون، كما لا يخضع للتطوّر التدريجي ولا أمثال ذلك .
بل الملاحظ فيه انسجامه بأسلوبه ومضمونه مع متطلبات المراحل التي كانت تمرّ بها مسيرة الرسالة الإسلامية الطويلة والمعقدة خلال حياة الرسول، وهذا يزيد القرآن عظمة وروعة ـ على العكس مما رامه هؤلاء المستشرقون ـ، إذ يؤكّد ارتباطه بقوة عليا محيطة بالواقع الموضوعي وقادرة على إدارته بأزمانه وتعقيداته وظروفه المختلفة من دون أن تنفعل وتتأثر هي بالظروف والمؤثرات.
وقد التبس الأمر على هؤلاء المستشرقين ـ عن قصد أو من دون قصد ـ ولم يميّزوا بين الحالتين وطبيعة آثارهما، فجاء حكمهم معكوساً بعيداً عن الصواب، بينما كان حرياً بهم أن يتأملوا في ظاهرة انسجام القرآن ـ رغم تنوّع مواضيعه ـ مع برهتين مختلفتين تماماً ـ قبل الهجرة وبعدها ـ وعدم تذبذب مستواه ولا تناقض مضمونه خلال هذه المسيرة الطويلة والمتشعبة، ويجعلوا هذا برهاناً على عدم كونه من تأليف البشر المتأثّر بمحيطه وظروفه وانفعالاته ومشاعره.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد:24], وقال تعالى:﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾[النساء:82] .
وبعد الانتباه لهذه النقطة الهامّة، سنتناول تلك الشبهات ومناقشتها:
الشبهة الأولى:
أن القسم المكي يمتاز عن القسم المدني بطابع الشدّة والعنف بل السباب أيضاً، وهذا يدلّ على تأثّر محمد بالبيئة التي كان يعيش فيها، لأنّها مطبوعة بالغلظة والجهل، ولذا يزول هذا الطابع عندما ينتقل محمد إلى مجتمع المدينة، الذي تأثّر فيه ـ بشكل أو بآخر ـ بحضارة أهل الكتاب وأساليبهم، وقد اسشهد هؤلاء المستشرقون لتثبيت هذه الشبهة بمجموعة من السور المكية المطبوعة بطابع الوعيد والتهديد والتعنيف مثل سور "المسد" و"العصر" و"التكاثر" و"الفجر" وغيرها.

ونرد على هذه الشبهة من وجوه :
الأول: إنّا نرفض تماماً اشتمال القرآن الكريم على السباب وكل مالا يليق، كما تشهد بذلك مراجعة الآيات القرآنية، رغم أنواع المآسي والتجاوزات التي مارسها أعداء النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) ضده وضد أنصاره.
الثاني : إن طابع الوعيد والإنذار لا يختص به القسم المكي، بل نجده كثيراً في القسم المدني حسب ما اقتضته الظروف، فمن ذلك :
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ *كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ *قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾[آل عمران:10-12].
وهناك الكثير من الآيات المدنية المتضمّنة للوعيد والتهديد . كما نلاحظ الكثير من الآيات المكية التي تفيض سماحة وليناً مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[فصلت:33-35].
الشبهة الثانية:
إنّ القسم المكي يمتاز بقصر السور والآيات، وعرض المضمون بشكل موجز، بخلاف القسم المدني حيث نلاحظ السور الطوال فيه، مثل سور البقرة، والنساء، وآل عمران، وغيرها ، ويعود هذا التفاوت إلى تأثره بالبيئة التي عاشها (محمد)، حيث كان المجتمع المكي اُمّياً لا يستوعب تفصيل المفاهيم، فجاءت الآيات والسور قصيرة موجزة، ثمّ لمّا عايش النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) المجتمع المدني المتحضّر نسبياً تأثر بهم فجاءت الآيات والسور طويلة بمضامين مفصلة.

والجواب: من وجوه :
الأول : إنّا قد ذكرنا سابقاً إنّ قصر السور والآيات ليست خاصةً بالقسم المكّي، بل نجد مثله في القسم المدني، كما أن طوال السور والآيات لا يختص بالقسم المدني، بل هو كثير في القسم المكّي، فوجود كلا القسمين يؤكد أن اختيار نمط السورة أو الآية يتبع متطلبات الموقف والظرف، وليس ناشئاً من محدودية في قدرات منزل القرآن الكريم.
وبهذا تفسّر الكثرة النسبية للسور والآيات القصار في القسم المكي والسور والآيات الطوال في القسم المدني، حيث أن الدراسات اللغوية المتخصصة أكدت أنّ الإيجاز يعتبر مظهراً من مظاهر القدرة الفائقة على التعبير، وهو بالتالي من مظاهر الإعجاز القرآني ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم من ربه فكيف بمن آتاه هذه الخصلة وهو الله سبحانه .
وحيث نزل القرآن متحدياً للعرب فكان قِصر الآيات والسور أقوى في الدلالة على الإعجاز البياني الذي يهزّ مشاعر المكيين أكثر من غيره خصوصاً مع كثرة السور القصار وتنوعها.
وربما نضيف إلى ذلك ظروف المسلمين الخاصة آنذاك وتخفيهم وتشتتهم بحيث يسهل عليهم الحفظ والتفاعل مع السور القصار، بينما اختلفت الظروف في المدينة حيث صاروا أمّةً، لهم كيانهم الخاص بهم.
والثاني : لو افترضنا أن لطبيعة المجتمعين المكي والمدني وثقافتيهما دوراً في هذا التفاوت النسبي في أسلوبي القسمين، فهذا لا يقلل من قيمة القرآن ولا ينفي ارتباطه بالسماء وعدم خضوعه للطبيعة البشرية، لأنه لا يعني سوى انسجام القرآن مع الواقع الموضوعي من حوله، فهو يتحدث بلغة المحيط والمجتمع الذي ينزل بينهم.
كما كان اختيار اللغة العربية له باعتباره قد نزل بين العرب وعلى رسول عربي. كل ذلك كي ينفذ إلى أعماق نفوس أبناء هذا المجتمع والتأثير فيهم وإقامة الحجة عليهم، باعتبار أن أرضهم وبلادهم مهد القرآن، وقد نبّهنا سابقاً ـ قبل استعراض هذه الشبهات ـ على ضرورة التفريق بين خضوع القرآن للطبيعة البشرية وبين انسجامه مع الواقع والظروف والمجتمع المحيط به، والذي يفترض أن ينطلق إلى الأمم الأخرى من خلاله. وكما قلنا سابقاً يكون هذا الانسجام شاهداً إضافياً على انتسابه للسماء لا للبشر ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾[يونس:37].
وقد ذكر علماء البلاغة أن مميزات المتكلم البليغ مراعاته لمقتضى الحال، إذ لكل مقام مقال كما جاء في المثل المعروف، وهل هناك أولى من كلام الله الحكيم الخبير في مراعاة ذلك؟
والثالث : إنّ تفاعل الإنسان مع المجتمع والبيئة الجديدة لا يتم بسرعة بين عشية وضحاها، خاصةً ما يرتبط بتطوّر قدراته الذاتية وتفاعله مع ثقافة المجتمع الجديد الذي يعيشه، ويكفينا لتأكيد هذه الحقيقة أن نلقي نظرةً على الجماعات المهاجرة إلى البلدان الأخرى والمعاناة التي يعانونها بسبب عدم قدرتهم على التفاعل مع مجتمعات هذه البلدان، حتى أن هذه المعاناة قد تمتد إلى أجيالهم اللاحقة.
بينما نلاحظ أن نزول القرآن الكريم تلاحق بمجرد هجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) للمدينة المنوّرة ولم تمر فترة انقطاع طويلة ريثما يتفاعل (محمد) مع المجتمع الجديد، فهل يعقل مع هذا أن يكون هذا القرآن من (محمد) خاصةً إذا عرفنا أن أول سورة مدنية هي سورة البقرة ـ أكبر سورة في القرآن ـ وأن السور الست الأولى النازلة في المدينة، هي البقرة، الأنفال، آل عمران، الأحزاب، الممتحنة، النساء، حيث تندرج فيها أكبر ثلاث سور في القرآن، وفيها القسم الكبير أو الأكبر من المفاهيم والتشريعات التفصيلية المتنوعة فكيف استطاع (محمد) المكي المتأثر بالبيئة المكية الأُمية والساذجة ـ كما يزعمون ـ أن يغير خطابه بهذا المستوى من التباين خلال فترة وجيزة؟!
الشبهة الثالثة:
أن القسم المكي لم يتناول التشريع في مجالات العلاقات والشؤون المرتبطة بالمجتمع، ويرجع هذا إلى طبيعة بيئة مكة المتخلفة، بينما نلاحظ اشتمال القسم المدني على ذلك بسبب تطور المجتمع المدني المتأثر بثقافة أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
والجواب عن هذه الشبهة يتضح من خلال ما تقدم، فإن عدم تناول القسم المكي للتشريع يعود إلى انعدام موضوعه آنذاك حيث كان المسلمون أقلية متناثرة مستضعفة، ولا توجد أرضية لتطبيق هذه التشريعات الإسلامية فكان بيانها ـ آنذاك ـ سابقاً لأوانه.
وأمّا ادعاء تأثرالدين الإسلامي بثقافة أهل الكتاب فهو ادعاء غير صحيح تكذبه الشواهد، حيث نجد:
أولاً:أن ابتداء التشريع الإسلامي كان بمجرد هجرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة وقبل أن يمر زمن طويل يسمح بتفاعل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) مع أهل الكتاب.
وثانياً: أن التشريع الإسلامي يختلف اختلافاً جوهرياً مع التشريع المتداول لدى أهل الكتاب، وكانوا هم يدركون ذلك. ولذا لم يصدر منهم هذا الادعاء.
وهذه قضية هامة حيث أن ادعاء تأثّر النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم) بأهل الكتاب لم يصدر إلا من المتأخرين، ولو كان له حقيقة لادعاه أهل الكتاب المعاصرون له، والذين كانوا يحاورون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين ويجادلونهم حتى وصل الأمر بنصارى نجران إلى طلب المباهلة مع شخص النبي(صلى الله عليه وآله وسلّم).
الشبهة الرابعة :
أن القسم المكي لم يتضمن الأدلة والبراهين على أصول العقيدة وتعاليم الرسالة الإسلامية على خلاف القسم المدني، وهذا مؤشر آخر على تأثر القسم المكي بالمجتمع المكي الساذج البسيط، وتأثر القسم المدني بمجتمع المدينة الحضاري المتطور، وأن القرآن الكريم اكتسب العمق في البرهنة والاستدلال من أهل الكتاب المتواجدين والمؤثرين في مجتمع المدينة.
ويتضح الجواب عن هذه الشبهة من خلال ما تقدم أيضاً، من رجوع ذلك إلى تفاوت متطلبات الموقف واختلاف طبيعة المجتمع الذي كان في المدينة عن المجتمع المكي من دون أن يعني ذلك تأثر القرآن وتطوّره تبعاً لتطور البيئة المحيطة به.
ونضيف على ذلك أنا عندما راجعنا المصحف الشريف لاحظنا كثيراً من الاستدلالات في القسم المكي مما يعني انهيار الشبهة من أساسها.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾[المؤمنون:91].
وقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[الأنبياء:22].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ... أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[العنكبوت: 48-51].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ *وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الجاثـية:3-5] .
وقوله تعالى: ﴿... وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ* إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾[فاطر:13-14] .

أهم المراجع:

- الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين: نذير حمدان.
- أوربا والإسلام: د. عبد الحليم محمود.
- محمد رسول الله: المستشرق الفرنسي آتين دينيه وسليمان بن إبراهيم، ترجمة: د.عبد الحليم محمود، ود.محمد عبد الحليم محمود.
- الاستشراق والفلسفة الإسلامية بين التجديد والتبديد: أ.د. إبراهيم صقر.
- الاستشراق في الفكر العربي: د. محسن جاسم الموسى.
ـ الاستشراق أهدافه ووسائله ( دراسة تطبيقية حول منهج الغربيين في دارسة بن خلدون ) للدكتور : محمد فتح الله الزيادي ) . تاريخ حركة الاستشراق ( الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن العشرين ) للمستشرق : يوهان فوك . تعريب : عمر لطفي العالم .


رد مع اقتباس