مُسْتَشْزِر: أي مفتول.
عَقْعَقٌ: اسم لطير.
والأديب رفيع الأدب، مرهف الحسّ في ذوق الكلمات، يختار في كلامه من القسمين الأوّلين:
* اللّين السهل.
* والقوي الجزل.
ويضع ما يختار في موضعه مراعياً حال المخاطب وما يسرُّه من المفردات، وما يلائم ذوقه، ولغة قومه.
ويحسن به أنْ يختار لبعض الموضوعات مفرداتٍ ذاتَ جَرْس موسيقي وإيقاعٍ رشيق.
ويختار أيضاً من الكلمات ما يلائم المعنى من لين وسهولة أو قوّة وجزالة.
ويختار أيضاً من الكلمات ما هو أليق بالمناسبة، وبالموضوع العام للكلام، وأكثر ملاءمة لهما.
ويبتعد عن الحوشي الغريب، إلاَّ في مجال التعليم، أو لنُكَتِ أدبيّة خاصّة.
ويجعل الصعب الجموح مقصوراً على مواطن خاصّة تستدعي النُكتةُ الأدبيّة اختيار بعض منها، مثل كلمة: (ضِيزَى) في وصف القسمة الجائزة غير العادلة، لما لهذه الكلمة بحروفها وصيغتها من إيحاءات تلائم التشنيع على القسمة الجائرة.
والدُّعاة إلى اللهِ مطالبون بالتزام هذا المنهج الأدبي في دعوتهم.
***
وأمّا المركب في المنظار الأدبي: فَلَه تقسيمات من ثلاث جهات:
1- جهة السبك.
2- جهة الكثافة.
3- جهة تواصل الجمل بأدوات الربط أو تفاصلها.
أوّلاًَ- فمن جهة السبك:
ينقسم اللّفظ المركّب إلى أربعة أقسام:
القسم الأوّل: المتلائم المتناسق، المتوائم السهل حَسَنُ السّبك.
القسم الثاني: المتنافر الصعب العَسِر النطق.
القسم الثالث: سيِّىء السَّبك ضعيف الإِنشاء.
القسم الرابع: معقَّد الترابط صعب الفهم.
والأديب البليغ رفيع الذوق، ذو الحسّ المرهف، المتمرّس بصناعة القول الرفيع، يحاول أنْ يكون كلامه سليماً من أنْ يكون سيِّىء السبك، ضعيف الإِنشاء، ومن أنْ يكون معقّد الترابط صعب الفهم.
ويتحرّى أنْ يكون كلامه من القسم الأوّل (المتلائم المتناسق المتوائم السهل حَسَن السبك) .
ويبتعد جَهْدَ مستطاعه عمّا هو متنافرٌ صعب عَسر النطق، ويُولِي عناية للعناصر الجماليّة التالية:
(1) صياغة الجملة صياغة فنّية سَهْلَة الفهم، لا توقع فكر المخاطب بارتباك في ربط مفردات الجملة، ولا تُكَلِّفه مشقّة، حتى يفهم المراد منها.
(2) رصْف الجمل رصْفاً يثير الاستحسان والإِعجاب لدى المخاطب. وقد يحتاج هذا إلى التفنُّن في الجُمل، ما بين متوازنات طولاً وقصراً أحياناً، ـ وبين طويلة ومثل نصفها أو ثلثها أحياناً أخرى، وبين ترك التوازن ليذهب الكلام منساباً. وقد يحسن التكرير في بعض هذه العمليّات.
ولا ضابط لمَواطن الجمال فيها إِلاَّ الحسّ المرهف الذوّاق للجمال الأدبي.
(3) وقد يَجْمُلُ بعض السجع غير المتكلَّف ولا المتصنَّع، بشرط عدم الالتزام به في كل الكلام.
(4) المحسِّنات البديعية اللّفظية التي تأتي مناسبة محبّبة غير متكلّفة ولا متصنّعة.
(5) فنون الشعر الذي له تأثير في أساليبه وموسيقاه على مشاعر كثير من النّاس.
ورجال الدّعوة إلى الله مطالبون بالعناية بهذه العناصر الجمالية الأدبيّة في دعوتهم، إذا خَطبوا، أو حاضروا، أو تحدّثوا، أو كتبوا، أو نظّموا شعراً، أو ألّفوا مؤلفات علميّة، أو توجيهيّة، أو أدبيّة. وأنْ يُسَخِّروا أدبهم في خدمة الدّعوة إلى الله.
ثانياً - ومن جهة الكثافة:
ينقسم الكلام إلى ثلاث مراتب، تُعرف عند علماء البلاغة بالإيجاز، والمساواة، والإِطناب، كما سيأتي بيانها إن شاء الله في علم المعاني.
ولكلّ من هذه المراتب درجات متفاوتات.
وأشرح الكثافة في بناء الكلام وأشرح مستوياتها في تحليل أدبي فكري، فأقول:
تخضع التعبيرات الكلاميّة عن المراد لنِسَب متفاوتة من الكثافة.
فمِنَ الكلام ما هو شديد الكثافة، وقد تشتدّ فيه حتّى يكون بمثابة قطعة من الصخر، لا تُعرف عناصرها حتى تُكسر وتُطحن، وتُفرَّق الأجزاء عن بعضها، وتحلّل بوسائط.
وبعض متون العلم المكثّفة المختصرة هي من هذا القبيل، وقلّما يسلم التكثيف الشديد في الكلام من الإِخلال في الدلالة على المراد.
وفهم المكثّف من الكلام يحتاج إلى ملكات ذهنيّة عالية، أو إلى تدريب ممارسة طويلة، وتعلّم على أيدي أهل العلم.
وتخفّ الكثافة ببسط الكلام وتمديده، ويتدرّج ذلك في سلَّم كثير الدرجات، ولكنْ ليس لدينا ميزان نزن به كثافة الكلام، شبيه بميزان الكثافة الذي توزن به السوائل، فالمرجع في تحديد الكثافة أذواق العلماء والأُدباء، وملاحظة سهولة استساغة الكلام من قبل العامّة أو عدم ذلك.
وباستطاعتنا أنْ نقسِّم مستويات الكثافة في الكلام إلى ثلاث مراتب، ولكلِّ من هذه المراتب الثلاث درجات متفاوتات.
المرتبة الأولى:
هي مرتبة الكلام الموجز المختصر. ولهذه المرتبة عدّة درجات ما بين شديد الكثافة، أي شديد الإِيجاز والاختصار حتى مستوى الرمزيّة، وما بين كثافة يتحمّل الإِنسان العادي فهمها ولكن بشيء من الممارسة والتدرّب والتأمّل.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة: (الإِيجاز) . وتستخدم هذه المرتبة لدى اختبارات الذكاء، ولدى مخاطبة الأذكياء وكبار القوم وأمرائهم، بشرط أنْ يكون المخاطب بها قادراً على فهم المراد ولو بتأمُّل يسير، وبالنسبة إلى أحوال هؤلاء تداول الأُدباء قديماً عبارة (البلاغة الإِيجاز) .
وتستخدم هذه المرتبة في الخلاصات العلمية التي يعدّها طلاّب العلم للحفظ، وتَذَكُّرِ المسائل العلمية بها.
المرتبة الثانية:
هي مرتبة الكلام الذي هو متوسط البسط، وضابطه فيما أرى أن يكون لكلّ فكرة يراد الدلالة عليها لفظ يدل عليها، أو صيغة تدلُّ عليها، أو تركيب خاصٌّ يدل عليها، بشرط أن يكون المخاطب عارفاً بذلك ويفهمه دون كدٍّ ذهنيّ، ودون حاجة إلى تأمّل طويل.
وقد يبدو أنّ هذه المرتبة ليس فيها درجات متفاوتات، إلاَّ أنّني أرى خلاف ذلك، فلها فيما أرى درجات، وتختلف هذه الدرجات وتتفاوت، باختلاف أحوال المخاطبين وتفاوتهم في قدراتهم على الفهم، واستيعاب دلالات الكلام، وفي معرفة دلالات الصِّيَغ والتراكيب، وفي التمرّس بمتابعة فهم المعاني من الكلام.
فمتوسّط البسط من الكلام بالنسبة إلى المبتدىء ليس هو كذلك بالنسبة إلى الذي تقدّم أشواطاً في معرفة دلالات الكلام وفهمها. وكبار القرّاء لهم متوسط يناسبهم، والأذكياء لهم متوسط يناسبهم، والأطفال لهم متوسط يناسبهم.
فيدخل في تحديد نسبة التوسّط اعتبار حال المخاطب.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة (المساواة) ولكن ربّما كان تحديدي لها يختلف مع تحديد علماء البلاغة.
ويحسن استخدام هذه المرتبة في معظم الأحوال، ولا سيّما لدى كتابة صكوك العقود والمعاهدات، وكتابة المواد القانونيّة، وكتابة متون العلوم، والتعريف بالمبادىء في نصوص معدّة للحفظ والتداول بين النّاس، ومن ذلك كثير من أحاديث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل قوله:
"اجتنبوا السبع الموبقات".
قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟.
قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقَذْف المُحْصنات المؤمنات الغافلات". رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
المرتبة الثالثة:
هي مرتبة الكلام المبسوط، والكلام المبسوط هو ما لو حذف منه شىءٌ بالنسبة إلى حال المخاطب به لفهم المراد فهماً تامّاً، دون كدٍّ ذهني، ولا تأمّل طويل، ولَمَا حدث لديه أيّ ارتباك فكريّ أو غموض، ولَمَا نقص لديه من الفهم شىءٌ.
والكلام المبسوط له حدود دنيا، يمثّلها ما زاد على نسبة التوسّط ولو قليلاً، ثم تزداد درجات البسط كلّما زاد بسط الكلام، ولا حدّ لأكثرها، وباستطاعة الثّرثار أنْ يَمُدَّ كلاماً تكفي صفحة واحدة لفهم المراد منه فهماً كاملاً تامّاً، دون إِرباك ولا كدّ للذهن ولا تأمّل طويل، فيؤلّفَ كتاباً من مئات الصفحات ثم لا يخرج قارئها بأكثر ممّا فهمه قارىء الصفحة الواحدة، ونلاحظ أمثلة كثيرة لهذه الثرثرات في كُتب الشيوعيّين، وكُتب الَّذين نَسَجُوا على منوالهم، والغرض من الثرثرة تغطية عيوب المضامين الفكريّة، والإِيهام والتعمية على الغوغائيين من المراهقين والمراهقات في أعمارهم أو في أفكارهم، ولا سيّما إذا اقترنت هذه الثرثرات بعبارات غامضات ومصطلحات تُوهِمُ أنّ وراءها فلسفة وعلماً عظيماً.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة: (الإِطناب) . إذا كانت الزيادة في الألفاظ ذات فائدة، وإلاّ كانت الزيادة من قبيل الإسهاب والتطويل.
وقد يحسن استخدام ما يدخل في هذه المرتبة من الكلام في دروس التعليم، وفي مجالس الوعظ العامّة، وفي الخطب التي تُلقى على جماهير، وفي بعض مجالس المؤانسة والمحادثة، وفي إلقاء القصص أو كتابتها، ولكنْ يشترط في ذلك أنْ لا يصل المتكلّم بالمخاطبين أو بالقرّاء إلى مستوى السأم والْمَلَل، فبعد السأم والملل يكون الضجر، ثم النفور، وعندئذٍ يثمر الكلام عكس المقصود منه، ويشترط أيضاً أن ْ يكون بسط الكلام عن طريق الاستطرادات الخارجة عن أصل موضوع الكلام، ومعلوم أنْ الاستطرادات تجرّها أدنى مناسبة.
ثالثاً: ومن جهة تواصل الجُمل بأدوات الربط وتفاصلها:
فقد حرّر علماء ضوابط ذلك في مبحث "الفصل والوصل" كما سيأتي بيانه في علم المعاني إن شاء الله تحريراً كاملاً فيما أرى الآن، إلاَّ أنّ ضوابطهم تحتاج إلى تطبيقات واسعات على الأمثلة، لتدريب المهتمّين بفنون الأدب وصناعة الكلام.
فعلى رجال الدّعوة إلى الله أنْ يكونوا على بصيرة بمحاسن الفصل والوصل بيْن الجمل في الكلام، حتّى يكون كلامهم أرفع أدباً، وأعظم تأثيراً.
وأعظم معلِّم لمحاسن الفصل والوصل بيْن الجمل كِتاب الله ثم أقوال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
***
* وأمّا المعنى فالنظر إليه يكون من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: جهة كوْن المعنى له لفظ لغوي موضوع أو مستعمل في عُرْف النّاس أو في مصطلحاتهم للدّلالة عليه، أو ليس له لفظ يدلّ عليه.
الجهة الثانية: جهة الدّلالة على المعنى عن طريق الأسلوب الكلامي المباشر، أو عن طريق الأسلوب الكلام غير المباشر.
الجهة الثالثة: جهة المعاني أنفسها وقيمها الفكريّة والجماليّة.
والبحث العلمي الشامل المتّزن يأخذ بأيدينا إلى النّظر الثاقب في المعاني من هذه الجهات الثلاث.