لم يخصّص النحاةُ القُدماءُ بابا لموضوع الزّمَن النّحويّ، ولكنّ ملاحظاتِهِم عنه جاءت متفرّقةً في أبوابٍ كثيرة،
لأنّه لم يكن باباً رئيساً من أبوابِ النّحو؛ فإنّك تجد مباحثَ الزّمن موزَّعةً على الأفعال والمشتقّات والنّواسخ
وظروفِ الزَّمانِ ...
خُذْ تَعريفَ الفعلِ مثلاً : فهو لا ينفكّ عن محتواه الزّمنيّ؛ فقد عرّفَه سيبويهِ بقولِه: « وأمّا الفعلُ فأمثلةٌ أخِذتْ
من لفظِ أحداثِ الأسماء [أي أخِذت من المصادر] وبُنِيت لِما مَضى ولِما يكونُ ولم يَقَعْ وما هو كائنٌ لم ينقطعْ... »
وعرّفَه ابنُ يعيش في شرحِ المفصّل بأنّه: « ما دلّ على اقتِرانِ حدَثٍ بزمان»
أمّا عن ترجمة الزّمان من لغة أجنبيّة إلى اللّغة العربيّة فلا يَكادُ يختلفُ إشكالُ ترجمة المفاهيم والأفكارِ عن
إشكالِ التّرحمَة عامّةً؛ فالعبرَةُ في النقلِ والتّرجمَة إنّما تَكونُ بالمَعْنى المفهوم من عُموم التّركيب وليس بالصيغ
الصّرفيّة وحدَها؛ فلا يُعزى لصورة اللفظِ وصيغتِه فضيلةُ بمعزل عن سياق الكَلام وفَحْواه ومقاصد المتكلم منه. وفي
ذلكَ مُخالَفَةٌ صريحةٌ لما كانَ عليه منهجُ النحويّينَ العربِ عندَما دافَعوا عن الفروق الزمنيّة بناء على اختلاف الصيغ
الصرفية؛ وكأنّ الأبنيةَ أسس وقواعدُ لاختلاف الأزمنة،
وعليْه فالعبرةُ في التّرجمَة بترجمَة المَعْنى قبل اللّفظ؛ ويُعتَمَدُ استخراجُ معنى الزّمن في التّركيبِ الأجنبيّ على
الجهةِ التي يُشيرُ إليْها هذا الزّمنُ ؛ أهي جهةٌ من جهاتِ المُضيّ: ماضٍ بعيد أو قريبٌ أو وسطٌ ، أم جهةٌ من جهاتِ
الحُضور. ومن الجهات أيضاً الماضي المستمرُّ والماضي المنقطعُ ، هذاعن المضيّ ، ثمّ يأتي الحُضورُ وله جهاتٌ ،
ثمّ الاستقبالُ وله جهاتٌ، ثمّ الزّمنُ الافتراضيّ الذي يدخلُ في حيّز الممكنِ ولكنّه لم يقَعْ ... ولكلّ مَعْنىً صيغةٌ أو
تركيبٌ يُعبّرُ عنه