وبعض النقاد يصنف الكتاب على أنه من أدب اليوميات، وعلى هذا الأساس يعتبر أُسَامة بن مُنقذ أول من كتب فن اليوميات في الأدب العربي، فقد رصد الكاتب الأحداث يومًا بعد يوم، ولكنه اتخذ من الرحلة والمشاهدة والمعاينة منهجًا له في تدوين تلك اليوميات، وقد تخلص الكاتب من عيوب فن كتابة اليوميات من حيث تركيزها على الحياة الداخلية للكاتب، وعدم تطرق اليوميات إلى ما يدور بالمجتمع من أحداث ووقائع.
ويجوز جدًا أن نقول: إن كتاب الإعتبار يدخل في نطاق أدب الإعتراف، ولكن بطريقة تعبير أكثر محافظة، وهي تلائم جدًا ثقافة أُسَامة الإسلامية والعربية، وهي وبالتأكيد مختلفة عما يكتبه الغربيون من هذا اللون من الكتابه، فهم يكتبون بطريقة تعبير أكثر جراءة، وأكثر إفصاحًا عن السقطات واللحظات الماجنة.
وأرى أن كتاب الإعتبار يمثل شكل من أشكال أدب الرحلات؛ لأنه احتوى على رحلات وتنقلات الفارس العربي أُسَامة بن مُنقذ.
وقد تتعدد المآخذ التي تؤخذ على طريقة كتابة الرحلة، وما التزام الرحالة بفن كتابة الرحلة، فلا نعرف بالضبط بداية الرحلة، وكم استغرقت من الوقت، وما هو طريق الذهاب أو الإياب، إلا أن أهم ما يميز رحلات أُسَامة بن مُنقذ أنها رحلات قصيرة، محدودة النطاق، حيث اقتصر نطاقها بين الشام ومصر، وهو بذلك يختلف عن ابن جبير (540 - 614هـ = 1145 - 1217م)، وابن بطوطة (703 - 779هـ = 1304 - 1377م)، الذين كانوا يمدون رحلاتهم إلى ما وراء الأندلس والمغرب، وهو في رحلاته المحدودة يتشابه إلى حد بعيد مع لسان الدين بن الخطيب (713 - 776هـ = 1313 - 1375م) الذي اقتصر فنه على وصف الأندلس والمغرب فقط، ولكن مع محدودية المكان تتمتع هذه الرحلات بقيمة كبيرة في الوصف والرصد المباشر للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبيان العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في القرن السادس الهجري، فضلاً عن الآراء الشخصية للأمير أُسَامة بن مُنقذ، وتعقيباته النفيسة علي الأحداث.
والحقيقة الجلية التى لا يستطيع أن ينكرها إلا جاحد أن كتاب الإعتبار جمع بين كل تلك الفنون والألوان والأنواع الأدبية، ومزج بينها الكاتب في رشاقة، وفي الكتاب الكثير من الشواهد التى تدل على صواب أي رأي من هذه الآراء، وإن أكد ذلك على شيء، فإنه يؤكد على عبقرية كاتبه الفارس السياسي الشاعر الأديب الرحالة المؤرخ.
لقد سجل الأمير أُسَامة بن مُنقذ تجربته الواسعة والثرية في آن، متمتعًا بحيويه نادرة وحرارة بالغة، وتمتع بسلاسة في الأسلوب، وبراعة في التصوير، ودقة في الملاحظة، وصدق في الرواية، وبلاغة في الوصف، كما تمتع بأسلوب قصصي رائع، كما تميز بالأمانة والصدق، والتجرد من الهوى، والتزام الحيادية في التسجيل الحي للأحداث والوقائع، كما يتمتع بحس فكاهي رائع يحكي من خلاله مشاهداته وانطباعاته.
ويصفه عماد الدين الكاتب الأصفهاني، بعد أن اجتمع به في دمشق، فيقول: ((أُسَامة كاسمهِ، في قوة نثره ونظمه... حُلْوُ المُجالسة، حالي المساجلة، نَدِيّ النَّدى بماء الفُكاهة، عالي النجم في سماء النباهة))[21].
وإذا كان مولد أُسَامة إيذانًا ببداية الحروب الصليبية، فإن وفاته حانت عندما آن لتلك الحروب أن تصل إلى نهايتها، فقد توفي الفارس العربي مترجلاً عن فرسة في دمشق سنة 584هـ 1188م، ((وهي السنة التالية للسنة التي استرجع فيها صلاح الدين بيت المقدس من يد الإفرنج))[22]. عن عمر يناهز 93 عامًا ميلادية، ودفن في سفح جبل قاسيون.
[1] أُسَامة بن مُنقذ: كتاب الاعتبار - تحرير وتحقيق: فيليب حتى - ص أ - مكتبة الثقافة الدينية، مطبعة جامعة برينستون - الولايات المتحدة - 1930م.
[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ - تحقيق: محمد يوسف الدقاق - ج 9 - ص 413 - دار الكتب العلمية - ط 1 - 1987م - بيروت - لبنان.
[3] أُسَامة بن مُنقذ: كتاب الاعتبار - (مقدمة المحرر) - ص ب.
[4] المرجع السابق - ص35.
[5] المرجع السابق - ص 126.
[6] مصطفى نبيل: سير ذاتية عربية - ص 117 - مكتبة الأسرة - القاهرة - 1999م.
[7] المرجع السابق - ص 111.
[8] أُسَامة بن مُنقذ: كتاب الاعتبار - ص 132.
[9] المرجع السابق - ص 134.
[10] المرجع السابق - ص 135.
[11] المرجع السابق - ص124 وما بعدها.
[12] المرجع السابق - ص 132.
[13] المرجع السابق - ص 134.
[14] المرجع السابق - ص 132 وما بعدها.
[15] شكري محمد عياد: القفز علي الأشواك - ص 230 - دار الهلال - سلسلة كتاب الهلال - العدد 586 - القاهرة - 1999م.
[16] أُسَامة بن مُنقذ: كتاب الاعتبار - ص 113.
[17] المرجع السابق - ص 115.
[18] المرجع السابق - (مقدمة المحرر) - ص ن.
[19] المرجع السابق - (مقدمة المحرر) - ص ت.
[20] شوقي ضيف: الترجمة الشخصية - ص 94 - دار المعارف - ط 4.
[21] العماد الأصفهاني الكاتب: خريدة القصر وجريدة العصر - ج 1 - (قسم شعراء الشام) - ص 498 - تحقيق: شكري فيصل - مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق - 1955م.
[22] أُسَامة بن مُنقذ: كتاب الاعتبار - (مقدمة المحرر) - ص ش ش.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/publications_c...#ixzz4xd9xq8ct