6- وقد وردتْ صورة مِن صور المجتثّ في "البارع" لابن القطاع حينما يدخلها الشكْل (اجتماع الخبْن والكفّ)، فإذا بها بعدَ تفحُّصي لها صورة لمجزوء الوافر المقطوف الضرب والعَروض، بينما حشوه على (مفاعلتن) السالِمة، وهذا البيت هو[14]:
أُولَئِكَ خَيْرُ قَوْمٍ إِذَا ذُكِرَ الخِيَارُ
وقد قطعها ابن القطاع كالآتي:
ألائك خير قومن إذاذك رلخيارو
مفاعلُ فاعلاتن مفاعلُ فاعلاتن
أما أنا فأقطعها كالآتي:
ألائكخي رقومن إذاذكرل خيارو
مفاعلتن فعولن مفاعلتن فعولن
وإنَّ القارئ ليدرك الفرْق بين الإيقاعين، وإلى أيِّ مدًى وصل التعنُّت في تقطيع الأبيات الشِّعريَّة؛ حفاظًا على القاعدة النظرية التي خرجتْ مِن دائرة الخليل، بل يدرك إلى أي مدًى وصَل الفِكر العروضي الذي آلَى على نفْسه التمسك بالدائرة الخليليَّة والتقيُّد بها وعدم الخروج عنها.
7- الضرب السابِع: مجزوء مقصور والعَروض معصوبة، والقصْر حذف ساكِن السبب الخفيف وإسكان متحرِّكه، فتصير مفاعيلن إلى فعولان، والردْف لازم له[15]، ومثاله:
عَفَتْهُ الرِّيحُ أَحْيَانًا
وَهَطْلٌ ذُو عَرَانِينِ
عفتهرري حأحيانن وهطلن ذو عرانين
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن فعولان
أو: مفاعلتن.....................
ولا أدْري - بعد هذا العَرْض - ما المانع مِن اعتبار "الهزج" مجزوءًا للوافِر، اللهمَّ إلا الخوف مِن الخروج على دوائر العَروض الخليليَّة، أو كما قال الدكتور أنيس: "والصِّفة التي تفرِّق بين الهزج ومجزوء الوافر هي أنَّ مفاعيلن في الهزج يجوز أن تُصبح مفاعيل فقط، وقد استقبحوه في الوافِر ولم يستسيغوه" [16]؛ أي: إنَّ ما يجوز في الهزج من زحاف قد لا يجوز في الوافِر.
نعمْ، استقبحوه ولم يستسيغوه، لكنَّهم لم يرْفُضوه، وهذه هي القشَّة التي قصمتْ ظهر البعير، وجعلتْ مجزوء بحر واضِح لا شكَّ في ذلك بحرًا مستقلاًّ لمجرَّد أنَّ الخليل - رحمه الله - يرى أنَّ مفاعيل تصلُح في الهزج دون الوافِر، وصورتها كالآتي:
مفاعيلن مفاعيلُ مفاعيلن مفاعيلُ
بل إنَّه يجوز في سائِر أجزائه الكف[17]- ما عدا الضَّرْب - فنقول:
مفاعيلُ مفاعيلُ مفاعيلُ مفاعيلن
ومثاله:
فَهَذَانِ يَذُودَانِ
وَذَا مِنْ كَثَبٍ يَرْمِي
وعندهم لا يصلح هذا في "مفاعلتن مفاعلتن"، وهذا صحيح، حتى لا تجتمع خمسة متحرِّكات، واللغة العربية تمجُّ هذا وترفُضه.
لكن لماذا ينسحب هذا الحُكم على معصوبته "مفاعلتن"؛ أقصد: "مفاعيلن"، ويأتي في "مفاعيلن" الهزجيَّة؟
والحقيقة التي لا مِراءَ فيها أنَّ واقع التراث يؤيِّد ما ذهبْنا إليه، بل واقِع اللغة أيضًا؛ لأن عصب (مفاعلتن) سيخفِّف من التقاء خمسة متحرِّكات إلى التِقاء ثلاثة متحرِّكات فقط، وقد ورد في ذلك قول الشاعر:
لِسَلَّامَةَ دَارٌ بِحَفِيرٍ كَبَاقِي الْخَلَقِ السُّحْقِ قِفَارُ
لسل لام تدارن ب حفيرن كباقلخ لقسسحق قفارو
مفاعيلُ مفاعيلُ فعولن مفاعيلُ مفاعيلُ فعولن
أو: مفاعلتُ مفاعلتُ فعولن مفاعلتُ مفاعلتُ فعولن
زحاف الوافر
وهو - أيضًا - مزْج لزَحاف بحْري الوافِر والهزج - والغريب أنَّ ما يجوز في الوافِر، نفْسه يجوز في الهزَج، مثل العصْب والعقْل، والخرب والخرم، والعقص والقصم، وهذه أمثلة لذلك:
1- العصْب: يجوز في سائِر أجزائه إلا الضَّرْب الثاني مِن المجزوء، حتى لا يلتبس بالضَّرْب الثالِث منه، والعصْب تسكين الخامس المتحرِّك.
مثله من التام:
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدْعَهُ
وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
إذا لمتس تطعشيأن فدعهو وجاوزهو إلا ما تس تطيعو
مفاعيلن مفاعيلن فعولن مفاعيلن مفاعيلن فعولن
ومثاله مِن المجزوء، وهو الضَّرْب الثالث مِن هذا البحر:
لَقَدْ مَرَّتْ بِنَا رِيمٌ
عَلَى تِلْكَ الْهَمَالِيجِ
لقد مررت بنا ريمن على تلكل هماليجي
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن
2- ويجوز فيه "العقل"، وهو إسقاط الخامس مِن "مفاعلتن"، وكذلك الخامِس مِن "مفاعيلن"، فتُصبح الأولى (مفاعلن)، وتصبح الثانية (مفاعلن)، ولم نقل: "الخامس المتحرِّك" كما يقول العَروضيُّون؛ لأنَّ الخامس عندنا قد يكون متحرِّكًا أو ساكنًا، أما العَروضيُّون فقد جعلوا حذْف الخامس المتحرِّك "عقلاً"، وحذف الخامس الساكن "قبضًا"، ولا أرَى ضرروةً لذلك؛ لأنَّ الخامس (متحركًا أو ساكنًا) عند حذفه سواء، لذلك آثرْنا إطلاق "العقل" عليه اختصارًا، وتحقيقًا للفائدة، وتسهيلاً للفَهْم والإحاطة، مثاله:
مَنَازِلٌ لِفرْتِنَا قِفَارُ
كَأَنَّمَا رُسُومُهَا سُطُورُ
منازلن لفرتنا قفارو كأننما رسومها سطورو
مفاعلن مفاعلن فعولن مفاعلن مفاعلن فعولن
هذا إذا كان الوافِر تامًّا، ويجوز "العقل" فيه إذا كان معصوبًا إلا الضَّرْب والعَروض؛ أي: إنه يدخل حشو المجزوء، حتى لا تختلِط الأضرب المجزوءة بعضها ببعض، مثال:
فَقُلْتُ لاَ تَخَفْ شَيْئًا
فَمَا عَلَيْكَ مِنْ بَاسِ
فقلت لا تخف شيأن فما علي كمنباسي
مفاعلن مفاعيلن مفاعلن مفاعيلن
وهناك مَن يميِّز هذا النوع مِن الزحاف[18] (حذف الخامس الساكن) في بعض أضرُبه المجزوءة المعصوبة (الضَّرْب الثالث مِن المجزوء عندنا) متمثلاً بقول الشاعر:
عَفَا الرَّأْسَ قُصَارَاهُ
فَأَكْنَافُ الجَزَاوِرِ
عفررأس قصاراهو فأكنافل جزاوري
مفاعيل مفاعيلن مفاعيلن مفاعلن
ولكنَّهم في النهاية وصموه بالشذوذ والقلَّة[19].
3- ويجوز فيه الخرْم، وهو ذَهابُ إحدى حركتي الوتد المجموع، مثاله قول الشاعر:
إِنْ نَزَلَ الشِّتَاءُ بِدَارِ قَوْمٍ
تَجَنَّبَ جَارَ بَيْتِهِمُ الشِّتَاءُ
إن نزلش شتاء بدا رقومن تجننبجا ربيتهمش شتاءو
فاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
أي: إنَّنا حذَفْنا ميم (مفاعلتن) فصارت (فاعلتن) كما نرى.
4- والجمم، يجوز فيه أيضًا، وهو اجتماع "العقل" و"الخرم" في تفعيلةٍ واحدة، مثل قولهم:
أَنْتَ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا
وَأَكْرَمُهُمْ أَخًا وَأبًا وَنَفْسَا
أنتخي رمن ركبل مطايا وأكرمهم أبن وأخن ونفسا
فاعلن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
ويُلاحَظ هنا أنَّ التفعيلة الأولى دخَلها الخرم بحذف "ميم" مفاعلتن، ودخلَها العقل بحذف خامسها فصارتْ - كما ترى - فاعلن، وهو ما يُطلق عليه عَروضيًّا "الجمم".
5- ويجوز فيه "الخرب"، وهو اجتماعُ الخرْم والكفّ، وإنَّما سمِّي أخرب؛ لأنَّ الخراب دخله في أوَّله (الخرْم)، وآخرِه (الكف)، ومثاله قول الشاعر:
لَوْ كَانَ أَبُو بِشْرٍ
أَمِيرًا مَا ارْتَضَيْنَاهُ
لو كان أبو بشرن أميرن مر تضيناهو
فاعيلُ مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن
أو: فاعلت بدلاً من فاعيل.
أو: مفعول.
وكلُّها تسميات تعبِّر عن التفعيلة الخرْباء؛ أي: التي دخلَها الخرب.
6- ويجوز فيه "القصم"، وهو اجتماع الخرْم والعصْب، مثاله في التام قولهم:
مَا قَالُوا لَنَا سُدُدًا وَلَكِنْ
تَفَاقَمْ أَمْرُهُمْ فَأَتَوْا بِهُجْرِ
ما قالوا لناسددن ولاكن تفاحشقو لهموأتو بهجري
مفعولن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
أو: فاعلين بدلاً من مفعولن.
ومثاله في المجزوء قولهم:
أَدُّوا مَا اسْتَعارُوهُ كَذَاكَ العَيْشُ عَارِيه
أددومس تعاروهو كذاكلعي شعاريهي
مفعولن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن
أو: فاعيلن بدلاً من مفعولن.
7- ويجوز فيه "العقص"، وهو اجتماعُ الخرْم والنقص فيخلفه "مفعولُ"، ومثاله قولهم:
لَوْلاَ مَلِكٌ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
تَدَارَكَنِي بِرَحْمَتِهِ هَلَكْتُ
لولام لكن رؤفن رحيمن تداركني برحمتهي هلكتو
مفعولُ مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
______
[1] منشور في كتابنا "فن العروض قضايا وبحوث" (ص: 84 وما بعدها) طبعة ثالثة 2000م – 1420هـ.
[2] "موسيقا الشعر" (ص: 110).
[3] المصدر السابق.
[4] "في علمي العَروض والقافية" (ص: 89).
[5] المصدر السابق.
[6] "موسيقا الشعر" (ص: 111).
[7] "موسيقا الشِّعر" (ص: 111).
[8] المصدر السابق.
[9] "موسيقا الشِّعر" (ص:111).
[10] المصدر السابق.
[11] الأغاني 2/237)، وموسيقى الشعر112).
[12] انظر البارع في علم العروض ص112).
[13] انظر البارع ص114).
[14] البارع ص178).
[15] "البارع" (ص: 134).
[16] "موسيقا الشِّعر" (ص: 111).
[17] هذا الزحاف والمثال الذي سوف يأتي مِن كتاب "البارع" (ص: 132).
[18] "البارع في عِلم العَروض" (ص: 135).
[19] السابق نفس الصفحة.