إن الوسطية موقع مثالي في الرؤية وما يصاحبها من أنساق سلوكية على أرض الواقع، يتيح لصاحبها نظرًا مرنًا وحكما وتقييمًا بمنأى عن نوازع الهوى والتطرف اللذين يرسخان لواقع مأزوم هو ضد الفطرة، ومن هذا المنطلق الوسطي يخاطب ربنا عباده المؤمنين قائلا" " لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدينِ ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسِطوا إليهم إنَّ اللهَ يُحبُ المقسطين. إنما ينهاكم اللهُ عن الذين قاتلوكم في الدينِ وأَخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أنْ تولََّوهم ومن يتولَّهم فأولئك هم الظالمون "( 12) .
إن الفضاء التداولي للفظتي الإرهاب والتطرف يعكس في نهاية المطاف حالة مرضية في جسد الأسرة الإنسانية عمومًا، مردها فواعل متشابكة متداخلة تتمثل في تعارض المصلحة وتغليب منطق الإقصاء على حساب الحوار والجوار والتعايش وغياب الوعي في إطار ثنائية أحد طرفيها عقل يحتكر الفكر وطرفها الآخر أدوات عضلية منفذة لناتج هذا العقل دون تأمل ودون تفعيل لعقل، يأتي ذلك في جو يسوده لدى شرائح حزبية وطائفية منطق القطيع التابع الذي يسير خلف قائد متبوع يملي عليه ما يريد ولا يري هذا القطيع إلا ما يرى، ولقد دعا ربنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إلى نبذ هذا المنطق من خلال قوله تعالى: "قل إنما أعظكم بواحدةٍ أنْ تقوموا للهِ مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم مِنْ جِنَّة"(13 ) ونلمح ذلك في قول عبد الله بن مسعود: " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا".
إن مواجهة هذه الظاهرة (الإرهاب والتطرف) في واقع الأمة المسلمة يحتاج أولا إلى ما يمكن تسميته بالقوة الناعمة التي تتغيا أدوات إقناعية في عمليات غسيل العقول الملوثة بهذه الرؤية السلبية؛ لأن القوة الخشنة إنما تواجه ناتج هذه الرؤية في أرض الناس؛ إنها تخاطب العرض دون أن تتطرق لأصل المرض الذي يسكن العقول ومنه يتحول إلى قوة مدمرة في الواقع؛ إذ الإنسان بصفة عامة لا يمكنه أن يحدث تغييرا في العالم الذي يحياه وغيره من بني جنسه قبل أن يحدث تغييرا في منظومته الفكرية المتمثلة فيما يتبناه من رؤى على المستوى الذهني والوجداني؛ بوصف ذلك مرحلة أولى، وربنا يقول في هذا الشأن: "إنَّ اللهَ لا يغير ما بقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفُسِهِم".(14 )
وفي ظل هذه الحالة التفاعلية بين الفعل (التطرف والإرهاب) ورد الفعل (المواجهة) يبدو الأمر بحاجة إلى صناعة وعي على مستوى البناء الاجتماعي حاكما ومحكوما، عبر سياسات تبتعد عن الهوى وتحارب الجهل الذي يعد بمثابة بيئة خصبة لولادة أفكار رديئة وتفضي إلى أنساق سلوكية تعاني منها المجتمعات بعد ذلك، ومطية هذا الوعي الحاملة له مؤسسات عدة: أسرة، ومدرسة وجامعة، ومسجد، ومنابر إعلامية متعددة مسموعة ومرئية ومقروءة. تمارس هذه المؤسسات دورها وهي متشربة بفكر مستنير وسطي مرجعه صحيح النصوص من كتاب وسنة مصحوبة بفهم دقيق جامع لأقوال المؤتمنين الثقات من الأئمة وسلف الأمة الصالح. يضاف إليها الآتي من ثقافة الآخر من فكر خالص من شوائب العداء والهيمنة والاستحواذ، مع تخلص من وعي قبلي سلبي تبدو أماراته جلية في أشكال التفرق والصراع التي تفت في عضد الجماعة المسلمة الكبيرة؛ بحكم انحيازات محلية ضيقة، كان للاستعمار دور في تغذيتها وإشعالها؛ فالجماعة المسلمة الكبيرة وإن تفرقت بأبنائها السبل والأوطان واللغات والثقافات يجمعها رابط واحد هو رابط الدين؛ فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى؛ فالمؤمنون أولا وأخيرٍا إخوة "إنما المؤمنون إخوة"( 15) ولقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من اختلاف يتطور إلى خصومة وجفاء ينتقل بأطرافه إلى عتبة صراع عنيف يقوم على حرص كل فريق على إفناء الفريق الآخر؛ فمن حديث ابن عمر رضي الله عنه نتوقف عند قول نبينا صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"(16 ).
--------------------
(1) سورة البقرة: من الآية 60.
(2) سورة البقرة: من الآية 194.
(3) سورة الرعد: من الآية 17.
(4) سورة يونس: الآية 99.
(5) سورة هود: الآية 118.
(6) سورة البقرة: من الآية 251.
(7) سورة الحج: من الآية 40.
(8) سورة البقرة: من الآية 143.
(9) سورة الرحمن: الآية 10.
(10) سورة البقرة: من الآية 256.
(11) سورة الكهف: من الآية 29.
(12) سورة الممتحنة: الآيتان 8، 9.
(13) سورة سبأ: من الآية 46.
(14) سورة الرعد: من الآية 11.
(15) سورة الحجرات: من الآية 10.
(16) موقع المكتبة الإسلامية على شبكة المعلومات، ركن كتب الحديث، صحيح مسلم، كتاب الإيمان www.library.islam***.net.