1)كُنْتُ أَمْسِ في جلسةِ إمتاعٍ ومؤانسةٍ معَ قومٍ منْ أهلِ الحصافةِ والمودّةِ. وفي أحدِ منعرجات الحديثِ سألتُ جليسي عنْ صديقٍ، كانَ يرافقهُ مرافقةَ الظّلِّ، أينَ هوَ؟ فقالَ –بلهجةٍ تقطرُ مرارةً-: "حَلَقَنِي"!
ما كادتِ الكلمةُ تخرجُ من فيهِ حتّى أحدثتْ في ذهني ما يمكنُ تسميته: "ضرْبًا من الصُّداعِ الفكريّ".
لمْ تكنِ المرّةَ الأولى التي أسمعُ فيها هذهِ الكلمةَ، فقدْ طرقتْ مسمعي قبل أكثرَ منْ عشرِ سنينَ، غير أني كنتُ أعُدُّها يومئذٍ موغلةً في السُّوقيةِ، دُولةً بينَ العامّةِ فإذا بها الآن تنسابُ سَلِسَةً على لسانِ رجلٍ سبَقَ نعتُهُ بأنه حصيفٌ.
أخذتُ على نفسي عهْدًا بالبحثِ في دلالةِ الفعلِ (حَلَقَ): مُنطلَقًا ومسارًا، فكانَ أنْ ظَفرتُ بما أنا مسجِّلٌ لكَ خلاصتهُ أدناهُ.
2) في لغتنا العربيةِ الفصحى: ترجعُ معاني مادة (ح ل ق) جميعها إلى ثلاثةِ أصولٍ، تَرْتَدُّ بدورها إلى أصلٍ واحدٍ هو: (الحَلْقُ)، العضْوُ المعروفُ؛ إذْ منه اشتقَّ العربُ فعْلَ (حَلَقَهُ) بمعنى: (قَطَعَ حَلْقَهُ)، ثم تطوّرتِ الدَّلالةُ فأصبحَ المعنىَ الشّائعُ للفعلِ هو: قطَعَ شعَرَهُ وجَزَّهُ.
3) وفي لهجتنا الحسّانية (الموريتانية): احتفظَ الفعلُ بمعنى "القطْعِ"، ولكنّ مسارَهُ الدلاليَّ تطوَّرَ، واتسعَ، عبرَ مَنفَذِ المجازِ، فأصبحَ يدلُّ على: "قطعِ الصلةِ، وإسقاط الاعتبار بوجهٍ ما": - فحين يطلِّقُ المرءُ زوجتَهُ فإنه يكون قدْ "حَلَقَهَا".
- وعندما يَقْلِبُ الصديقُ ظَهْرَ المِجَنِّ لصديقِهِ يكون "حَلَقَهُ".
- وإذا تعمَّدَ الشخصُ فراقَ رفيقِ درْبِهِ في مشوارٍ معتادٍ أو سفرٍ كان ذلكَ منْ المشكاةِ نفسِها.
4) وإنْ نحنُ أنعمْنا النظرَ أدركْنا -دونَ كبيرِ عَنَتٍ- أنّ هذا التطورَ الدلاليَّ رافقتْهُ سماتٌ ومزايا، أبرزُها أنه:
*) تطوُّرٌ حضَرَ فيه البعدُ الاستعاريُّ للفظِ عاملًا مؤثِّرًا في المتلقِّي حيثُ يُصوِّرُ له انبِتَاتَ العلاقةِ بينَ أيِّ طرفينِ في صورةِ العلاقةِ بينَ "الشعَرِ المحلوقِ" و"منبِتِهِ"، فتغْدو الحمولةُ الدلاليةُ الجديدةُ أكثرَ إغراءً بحكمِ قربِها من النفسِ، وشدّةِ وضوحها في الذهنِ (تطورٌ منَ الحقيقةِ إلى المجازِ).
**) تطورٌ حصَلَ فيهِ التدرجُ منَ المحسوسِ إلى المعقولِ (منْ إزالةِ الشعَرِ إلى قطْعِ الصّلةِ) وهوَ أمرٌ معهودٌ في عمليةِ التطورِ الدلاليِّ لألفاظِ اللغةِ.
***) تطوُّرٌ منْ أمْرٍ دَرَجَتُهُ في سُلَّمِ الأولوياتِ نازلةٌ –نسبيًّا- إلى أمرٍ درجتُهُ في السُّلَّمِ نفسِهِ عاليةٌ (لنقارن بينَ قطعِ خلايا ميِّتَةٍ من جسمِ الكائنِ (وهي شعرُهُ) وبينَ قطعِ الصلةِ بالكائنِ البشريِّ نفسِهِ)!
***
5) تتجلّى عظَمةُ اللغةِ في قدرتِها على شَحْنِ رصيدِها المحدودِ منَ المفرداتِ – مقابلَ سَيْلِ المعاني المتجدِّدِ- بدلالاتٍ تَجْمعُ بينَ: العمقِ، والتدرجِ، والتأثيرِ البلاغيِّ.