عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-16-2017 - 02:39 PM ]


2- اكتساب ملكة الكتابة

تحصل ملكة الكتابة للباحث بحفظ كلام العرب القديم المنثور والمنظوم مثل الخطب والأشعار ونحو ذلك. وعلى قدر المحفوظ من هذا الكلام، تكون جودة الصياغة والتعبير. يقول الإمام ابن خلدون في المقدمة:

(ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة _ أي ملكة الكتابة _ أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم... فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتها رسوخا وقوة )[5].

ويقول ابن الأثير في كتاب الجامع: ( وأما الرابع _ أي من آلات الكتابة _: الاطلاع على تأليفات من تقدمه من أرباب هذه الصناعة، المنظوم منها والمنثور، والتحفظ الكثير من ذلك )[6].
ويوجد كلام العرب المنثور في كتب الأدب المشهورة مثل البيان والتبيين للجاحظ، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، والعقد الفريد لابن عبدربه، وكتاب الأغاني للأصفهاني. هذه الكتب كلها تدخل فيما يسمى بعلم الأدب، وهو العلم الذي يختص بتكوين ملكة الكتابة لدى الشخص[7].

فعلى الباحث أن يأخذ نفسه بحفظ أنواع من النثر العربي القديم الموجود في هذه الكتب المشهورة لكي تنشأ لديه ملكة الكتابة والقدرة على صياغة الكلام والتعبير عن الأفكار. ويوجد في الجزء الثاني من كتاب البيان والتبيين للجاحظ أنواع من النثر العربي القديم مثل الخطب والحكم ومقاطع من الكلام العربي القصير يجب حفظها كبداية لمن أراد أن يكتسب هذه الملكة.

وأما الكلام العربي المنظوم، فالمقصود به الشعر، وهو يوجد في دواوين الشعراء كما هو معروف، وكذلك توجد مختارات من الشعر العربي القديم في كتب الأدب المشهورة. ولكن على الباحث أن يختار الجيد العالي الطبقة من الشعر، وأن يبتعد عن الشعر الركيك. والجيد من الشعر هو شعر الفحول من الشعراء مثل ابن ابي ربيعة، وذي الرمة، وجرير، والفرزدق، وأبو تمام، والبحتري ونحوهم.
ويمكن للباحث أن يحفظ الشعر الموجود في كتاب الأغاني لأن هذا الكتاب جمع مختارات من أشعار الشعراء من مختلف الطبقات[8].

ومن أحسن ما يأخذ به الباحث نفسه أن يحفظ سور من القرآن الكريم، وأنواع من الحديث النبوي الشريف، لأنها سوف ترتقي بملكة الكتابة لديه وتورثه من سحر البيان وجمال التعبير ما لا يحصل له لو اقتصر فقط على حفظ النثر والشعر العربي القديم.
وعلى الباحث أن يتدارس بعض مسائل النحو والبلاغة لكي يكتسب مهارة في تركيب الكلام والغوص على المعاني التي فيه. فأما النحو فالمختار أن يرجع الى كتب ابن هشام لأن فيها حظ صالح من الشعر والنثر التي تتقوى بحفظها ملكة الكتابة لدى المؤلف.

وأما البلاغة فإن الباحث يتعلم منها الغوص على معاني الكلام واستخراج درره. ومن أحسن الكتب التي تعلم هذه الملكة كتاب أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني. فيمكن للمؤلف أن يتدارسه عدة مرات حتى يكتسب منه هذه الملكة.
والملكات تنشأ كما يقول ابن خلدون من كثرة الممارسة، فعلى المؤلف أن يأخذ نفسه بكثرة الحفظ لكلام العرب المنثور، وأن يمارس كتابة المواضيع الصغيرة والكبيرة الى حين تحصل له ملكة الكتابة على أحسن وجه.

3- الإبداع

الإبداع هو التجديد، أي ابتكار حل جديد لمشكلة. وقد كان يظن إلى عهد قريب أن الإبداع يرتبط بمستوى الذكاء وأن الشخص مرتفع الذكاء هو المبدع والموهوب، إلا أنه اتضح من الدراسات الحديثة أن الارتباط بين الذكاء والقدرات الإبداعية ارتباط ضعيف، وأن الذكي يحتمل احتمالاً ضعيفاً أن يكون مبدعاً، وأن الإبداع يرتبط ويعتمد بالدرجة الأولى على الجهد والمثابرة، وعلى بعض القدرات العقلية المستقلة عن الذكاء مثل قدرة الشخص على التجديد وإعراضه عن المطروق والمبتذل، وقدرته على التأليف بين أجزاء ومعان وصور ذهنية مختلفة.. إلخ[9].

ولذلك فإن الباحث لا يحتاج أن يكون مرتفع الذكاء لكي يكون مبدعاً، بل يحتاج إلى الجهد والمثابرة في البحث، وإلى القدرة على تلمس الجديد المفيد من الموضوعات، وتجنب المطروق والمبتذل الذي قد قتل بحثاً.
والحمدلله رب العالمين.

________

[1] مقدمة ابن خلدون، مؤسسة الرسالة، ط1، 2005، ص 449.
[2] مقدمة ابن خلدون، ص597، 598.
[3] مقدمة ابن خلدون ص 597.
[4] مقدمة ابن خلدون، ص 601.
[5] المرجع السابق، ص 627.
[6] الجامع في المنظوم والمنثور، ابن الأثير الجزري، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، 1956م، ص 7.
[7] مقدمة ابن خلدون، ص 620، 621.
[8] المرجع السابق، ص 642.
[9] راجع في تفاصيل هذا الموضوع: أصول علم النفس، د أحمد عزت راجح، دار الفكر، 2009، ص292 وما بعدها.


رد مع اقتباس