لقاء مع .. المدير العام لمعهد تونس للترجمة الدكتور توفيق العلوي لـ«الشروق»..المدير السابق تسبّب في خسائر للمؤسسة... وترجمة الفكر التنويري
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق| 14 سبتمبر 2017
أكد الدكتور توفيق العلوي المدير العام لمعهد تونس للترجمة أن عديد القرارات التي أتخذها سلفه الاستا ذ خالد الوغلاني كانت. خاطئة وتسببت في خسائر للمؤسسة
تونس «الشروق»:
المركز الوطني للترجمة من أهم المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة ورغم الإمكانيات التي خصصت للمركز الذي أصبح يسمى معهد تونس للترجمة مازالت هذه المؤسسة تعاني من غياب النجاعة
الشروق إلتقت المدير العام الدكتور توفيق العلوي في هذا الحوار
أنت المدير الرابع منذ تأسيس معهد تونس للترجمة (المركز الوطني للترجمة سابقا)، كيف وجدت المعهد في مستوى المنشورات والمردودية المالية؟
يحتاج عدد المنشورات إلى نسق أفضل، إذ أنّ ترجمة 108 كتب في عشر سنين نسبة لا بدّ من تحسينها، فلا بدّ من آليّات عمل جديدة، والعمل بقرارات اللجان الفنّيّة وتشريك المجلس العلميّ في تسيير المؤسّسة للنهوض بحركة الترجمة نسقا ورؤى وآفاقا، والعمل على تطوير التصوّرات والتركيز على المشاريع القابلة للتحقيق، وضبط المشاريع العاجلة والآجلة ضبطا دقيقا مؤسّساتيّا، فقد ولّى زمن الأهواء والقرارات الشخصيّة الخاطئة.
أمّا عن المردوديّة الماليّة فمرتبطة بداهة بحسن توزيع موارد الميزانيّة وبمدى نجاح المشاريع أو فشلها، فمن هنا فقد كلّف مشروع تكوين المترجمين الفاشل، لغياب المرجعيّة القانونيّة، ميزانيّة المعهد خسائر ماليّة كبيرة بما فيها كراء المقرّ، وقد أعلنتُ في ندوة صحفيّة سابقة الأرقام مفصّلة والإحصاءات مدقّقة.
بدأ تكوين المترجمين بمعهد تونس للترجمة (المركز الوطني للترجمة) منذ أكتوبر 2016 مع المدير العام السابق الأستاذ خالد الوغلاني، فهل تعتقد ان هذا القرار كان خاطئا؟
قطعا كان القرار خاطئا على كلّ المستويات، ويتحمّل مسؤوليّته من دبّر وأدار، يكفي أن نذكر هنا أنّ التكوين ليس له مرجع قانونيّ ينظّمه، ويؤهّل المؤسّسة للتكوين وتسليم الشهادة العلميّة، فمنذ مجيئي في بداية سنة 2017 أعلنت عدم قانونيّة هذا التكوين.
والإشكال هنا أنّ أبناءنا الطلبة (ثمانية ثمّ صاروا سبعة) درسوا طوال السنة الجامعيّة، ودفع أربعة منهم أموالا (المقدّر للطالب الواحد في السنة ثمانية آلاف دينار)، وضحّوْا، وبذلوا جهدهم من أجل تحصيل شهادة علميّة (الماجستير المهنيّ في الترجمة) كما وعدتهم الإدارة السابقة، فتبيّن أنّ المعهد ليس مؤهّلا لتسليم هذه الشهادة العلميّة.
ومع هذا، فإنّنا نبذل جهدا لتسوية وضعيّة هؤلاء الطلبة وتأسيس المرجعيّة القانونيّة، وقد ضبطنا لذلك ملاحق في كلّ ما يتعلّق بالتكوين، وثمّة مساع حثيثة لتسوية هذه الوضعيّة مع كلّيّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس لينخرط المعهد معها في شراكة تكون فيها هي القاطرة التي تشرف وتسلّم الشهادة العلميّة، وذلك بالتنسيق مع بعض أساتذة هيئة التدريس وجامعة تونس.
علاوة على هذا، وجب أن نشير إلى الأموال المصروفة من أجل التكوين دون طائل (أجرة الخبيرين، تكاليف الإشهار...)، والأرقام الخياليّة المرسلة إلى وزارة الشؤون الثقافيّة من أجل الإقناع بجدوى التكوين، (منها على سبيل الذكر أنّ مداخيل هذا التكوين ستصل إلى مليار و860 ألف دينار)، والغريب واللافت للنظر أنّ الإدارة العامة السابقة تغيّر اسم المؤسّسة (من المركز الوطني للترجمة إلى معهد تونس للترجمة) بإصدار أمر في ذلك، ولا تسعى لحلّ الإشكال القانونيّ، بل تسلّم شهائد حضور تنصّ على «الشهادة العليا في الترجمة» دون مرجعيّة قانونيّة، ونحن في هذا نبذل جهدا كبيرا ذكرناه سابقا لتسوية الوضعيّة المذكورة.
نضيف إلى هذا تكاليف المقرّ المَكريّ والتي قيمتها لهذه السنة 340 ألف دينار، وهذه تكاليف باهظة جدّا لا تساعد على التوازن المالي في ميزانيّة المؤسّسة، إضافة إلى القاعات العديدة الفارغة منذ حوالي ثلاث سنوات والتي لم تستغلّ لقلّة عدد الطلبة، وعدم تهيئة الأرضيّة القانونيّة لذلك.
وقد اتّخذنا قرارا منذ مجيئنا بالبحث عن حلول للمقرّ ترشيدا للمصاريف، ونحن هذه الأيام على أبواب كراء مقرّ آخر في موقع محترم، تلبّي كلّ حاجيّات المؤسّسة بما فيها التكوين إن سوّيت الوضعيّة القانونيّة، وبمقابل ماليّ يقلّ عن المذكور بحوالي 227 ألف دينار، وستكون النقلة إليه في الأيّام القليلة القادمة.
منذ تأسيس معهد تونس للترجمة، ثمّة مشكلة كبير في توزيع الإصدارات، فكيف يمكن تجاوز هذا الأشكال؟
مشكلة التوزيع لها أسبابها الموضوعيّة المعروفة، وللمعهد تخطيط في هذا الأمر، فقد راسلنا عديد المراكز الثقافية لبعض البلدان سعيا لتأسيس شراكات واتفاقات في الترجمة والنشر والتوزيع، ولنا، على سبيل الذكر، في هذين الأسبوعين لقاءان مع المركز الثقافي الإيطالي، والمركز الثقافي الإسباني لتدارس سبل الشراكة، إضافة إلى وجوب البحث عن شراكات أخرى مع دور النشر التونسيّة.
مازال المعهد منذ تأسيسه مقتصرا في مشاريع الترجمة على الجامعيين فقط هل هناك نية للانفتاح على مترجمين من خارج الجامعة من المشهود لهم بالكفاءة ؟
نعمل منذ بدأنا على أن يكون معهد تونس للترجمة مفتوحا لكافّة الكفاءات جامعيّين وغير جامعيّين، وقد تحدّثت مع عدد من المترجمين غير الجامعيّين، وسنشرّكهم في القريب العاجل في المشاريع التي تعدّ لها المؤسّسة، فلا فضل لمترجم على آخر إلاّ بالكفاءة والمساهمة الفعّالة في النهوض بالمعهد، وفي هذا شرّفتنا العودة المتميّزة لعديد المترجمين الجامعيّين وغير الجامعيّين، واستعدادهم لإحداث حركة ترجمة متميّزة.
ما هي المشاريع الجديدة التي اقترحتها على المجلس العلمي بالنسبة لمستقبل المعهد؟
إنّ المجلس العلميّ، وكذلك مجلس المؤسّسة، هيكل أساسيّ من هياكل المؤسّسة، وقد وجدت في أعضائه ما ساعد على حسن سير المعهد، وقد عرضتُ عليه عدّة مشاريع عاجلة وآجلة، فشرّفنا بالمصادقة عليها بعد مناقشتها وتعديلها، وإبداء تصوّرات مستقبليّة في بعضها قبل المصادقة عليها، وأهمّ المشاريع ما يلي:
1. أنطولوجيا الأدب التونسي:
يندرج هذا المشروع العاجل ضمن شراكة مع اتحاد المؤلفين الايطاليين، وهذه فاتحة خير تكون لأوّل مرّة في المعهد، والغاية من ذلك ترجمة بعض القصائد إلى الإيطالية لخمسة وعشرين شاعرا تونسيا من الأحياء، من الذين يكتبون باللّغة العربية والفرنسية، وسيتكفّل المعهد بتكاليف الترجمة لحوالي 125 صفحة (لكل شاعر 05 صفحات)، وسيتكفّل اتّحاد المؤلفين الايطاليين بالطبع والنشر والتوزيع، وسينشر في هذا كتاب في إيطاليا بحوالي 250 صفحة (حوالي 125 صفحة بالعربية والفرنسيّة، وحوالي 125 صفحة بالإيطالية) وذلك في آخر ديسمبر 2017، وقد تقدّمنا أشواطا في هذا المشروع إيفاء بالتزاماتنا مع الجهة الإيطاليّة، ونأمل أن ينجح هذا المشروع لفتح آفاق أوسع مع هذا الاتّحاد.
2. ترجمة نصوص الأدب التونسي:
يهدف هذا المشروع الكبير جدّا إلى التعريف بالأدب التونسي، فالغاية ترجمة بعض النصوص (قصيدة أو أكثر، أقصوصة، نصّ روائي، فصل مسرحي...) لكلّ أديب من أدبائنا (شعراء، قصّاصين، روائيّين، مسرحيّين...) ، ولهذا فإنّ الغاية توسيع المدوّنة الأدبيّة التونسيّة المزمع ترجمتها حتّى تكون ممثّلة ما أمكن لهذا الأدب.
وسننشر هذه النصّوص مع ترجمتها إلى لغة واحدة (الفرنسية، الإنكليزيّة...) في مجلّة نصف سنويّة، سيصدر عددها الأوّل في جانفي 2018، وفي هذا، نعمل على تأسيس شراكة في الترجمة والنشر مع مراكز الثقافة والأدب والنشر في اللغة المترجم إليها، وفي هذا تذليل لصعوبات النشر وتكاليف الترجمة مع تحقيق الهدف المقصود، وهو التعريف بأدبنا عند الآخر، ولهذا الغرض فالمعهد بصدد تأسيس قاعدة معلومات حول الأدباء التونسيّين.
3. الفكر التنويري التونسي:
للفكر التونسي التنويريّ جذور ممتدّة في التاريخ بصفة ملحوظة بيّنة، خصوصا انطلاقا من القرن التاسع عشر، فقد شهدت بلادنا من أمّهات الكتب ما هو حريّ بالترجمة لما حملته من فكر على مستويات سياسيّة واجتماعيّة ثقافيّة، أمثال ابن أبي الضياف في «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان»، وخير الدين التونسي في «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، والطاهر الحدّاد في «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» وغيرهم كثر.
وتتمثّل الغاية الكبرى من هذا المشروع في التعريف بهذا الفكر التنويريّ عند الآخر في سياق تاريخيّ يقتضي تصحيحا لمسارات فكريّة وقيم عقديّة، وفي هذا، وافق المجلس العلميّ على ترجمة أهمّ منتخبات هذا الفكر إبرازا ما لتونس من فكر تنويريّ على مستويات مختلفة.
4. ترجمة مختصر Universalis
إنّ مختصر موسوعة الإسلام حسب العقد الذي يربط المعهد بمؤسّسة «بريل» ينشر نهاية سنة 2018، ونقدّر أن تنتهي الترجمة كاملة في مختلف مراحلها في حدود شهر جوان لنمرّ إلى مرحلة النشر. ونأمل في هذه الفترة أن نبدأ في مشروع تعريب مختصر موسوعة UNIVERSALIS الذي بدأنا منذ شهرين في تهيئة الأرضيّة القانونيّة والإجرائيّة لنجاحه، فقد عرضناه على المجلس العلميّ الذي اقترح علينا إعداد دراسة في الغرض تعرض عليه من جديد لإبداء الرأي، وقد كلّفنا لجنة لإعداد هذه الدراسة الضروريّة التي ستكون جاهزة في غضون شهر.
ما موقع الأدب التونسي في معهد تونس للترجمة؟
إنّ الأدب التونسي روح ثقافيّة لا بدّ من تقمّصها، وسنضاعف المجهود في النهوض بترجمة هذا الأدب، وقد بدأنا منذ مدّة في الانفتاح على الساحة الأدبيّة بتعيين رئيس اتّحاد الكتّاب التونسيّين، وكاتب عام رابطة الكتّاب الأحرار، ومدير بيت الشعر أعضاء قارّين في لجنة الأدب التونسي بالمعهد، وقد اجتمعنا كذلك بعدد من المبدعين والنقاد في جلسة تشاور حول مشروع ترجمة الأدب التونسيّ، وستتلوها جلسات أخرى لتشريك بعض هؤلاء في لجان اختيار النصوص وفي هيئة المجلّة الخاصة بهذا الأدب. وفي هذا لا بدّ من شراكات في الترجمة أشرنا إليها سابقا ونحن ساعون إلى تحقيقها.
هل ثمّة إصدارات جديدة؟
طبعا، يصدر في الأيّام القادمة ستّة عشرة كتابا، وقد نضيف إليها عددا آخر بعد استكمال بعض الإجراءات، وسنسرّع كما قلت في نسق الترجمة والنشر في نفس الوقت في إطار إعداد عقد أهداف، إذ منذ 2011 يشتغل المعهد دون هذا العقد.
معهد تونس للترجمة لم يحتفل قطّ باليوم العالمي للترجمة الذي يحتفظ به يوم 30 سبتمبر سنويّا؟
سؤال مهمّ جدّا، فالمعهد لم يسبق له أن احتفل بهذه المناسبة، غير أنّه سيحتفل بها لأوّل مرّة هذه السنة، وستكون لذلك أنشطة علميّة مختلفة، منها دعوتنا، تطبيقا لتوصيات المجلس العلمي، الأستاذ الدكتور بسّام بركة (من لبنان)، الأمين العام السابق لاتّحاد المترجمين العرب لإلقاء محاضرة مدارها حول تجارب الترجمة ومقارباتها وعلاقتها بالآخر، وسنعلن عن البرنامج مفصّلا في القريب العاجل.
حوار: نورالدين بالطيب