موافقة القرآن لكلام العرب..شعر الصعاليك أنموذجًا
د. شعبان بدير
أخذني الحنين الليلة للقراءة في شعر الصعاليك، فاستوقفتني قصيدة الشاعر الجاهلي تأبط شرا (ثابت بن جابر) التي مطلعها:
يَا عيدُ مَا لَكَ مِنْ شَوْقٍ وَإيِراقِ
وَمَرِّ طَيْفٍ عَلَى الأَهْوَالِ برَّاق
فلفت انتباهي قوله:
يقولُ أهلكتَ مالاً لو قنعتَ بهِ
من ثوبِ صدقٍ ومن بزٍّ وأعلاقِ
عاذلتي إنّ بعضَ اللَّوم معنفة
وَهَلْ مَتَاعٌ وَإنْ أَبْقَيْتُهُ بَاقِ
فتأبط شرا يرد على عاذله الذي يلومه على أنه ضيع مالاُ له خطر لو رضي به وأمسكه لغده، لنفعه في المستقبل، (فسمى تضييع المال فيما لا يفيد إهلاكا) فيرد بقوله: وهل هناك شيء يكثر على الدهر الذي لا يبقي ولا يذر.
______
وهنا حضر إلى ذهني قوله تعالى من سورة البلد: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)
يقول السعدي:
سمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق.
فسبحان من ألهم العرب البلاغة، وجعل القرآن يوافق بلاغتهم، بما عجزوا هم بعد ذلك عن مضاهاته أو محاكاته.