وهذا يقودنا إلى محاولة التعرف إلى جانب آخر من جوانب الحياة الطبيعية في الجزيرة العربية في ذلك العصر، ألا وهو أنواع الحيوان والطيور التي كانت موجودة هناك وتعرضت لها أمثال الجاهليين، وفي كثير من هذه الأمثال نرى نظرة العرب إلى الحيوان أو الطير المذكور وكيف كانوا يرون طباعه وعاداته بغض النظر عن مدى صحة هذا الرأي أو لا، والملاحظ أنهم قد يصفون الحيوان أو الطير بصفات مختلفة أو متناقضة، كل صفة في مثل مختلف، كما أنهم قد يصفون عدة حيوانات أو طيور بصفة واحدة، ولسوف أذكر نص كل مثل ورد فيه ذكرٌ لحيوان أو طير: فمنها "استنوق الجمل"، "أتبعِ الفرس لجامها"، "إذا نام ظالع الكلاب"، "أرغوا لها حُوَارها تقرّ"، (الحُوَار: ولد الناقة)، "أصيدَ القنفذ أم لُقَطة؟"، "أنكَحْنا الفَرَا، فسنرى"، (الفَرَا: الحمار الوحشي)، "أخوك أم الذئب"، "أخذه الله أخذ سبعة"، (السبعة: اللبؤة)، "أعطِ أخاك من عَقَنْقَل الضبِّ"، "أطرِقْ كَرا، إن النعام في القرى"، (الكرا: الواحد من طيور الكروان، والمراد أنك أهون من أن أقصدك بكلامي، بل أقصد قومًا يستحقون الكلام)، "البُغاث بأرضنا يستنسر"، (البُغاث: طير صغير ضعف)، "أدنى حماريكِ ازجري"، "آمَنُ مِن حَمَامِ مكة"، "آلف من غراب عُقدة"، "آكل من سوس، أو من فأر، أو من حوت، أو من الفيل"، "بالت بينهم الثعالب"، (ثار بينهم الشر)، "خرئت بينهم الضبع"؛ (نفس المعنى السابق)، "أبعد من بيض الأنوق"، (الأنوق: ذكر الرَّخَمة)، "أبصر من عُقاب، أو من نسر، أو من فرس"، "أبصر بالليل من الوطواط"، "أبر من الهرة، أو من الذئبة"، "أبكر من الغراب"، "أبخل من كلب"، "أبلد من السلحفاة، أو من الثور"، "أبيض من دجاجة"، "أبخر من صقر، أو من فهد"، "أبول من كلب"، "تركته على مثل مِشفَر الأسد"؛ (أي عرضة للهلاك)، "تقلدها طوق الحمامة"، (لزمه عارها إلى الأبد)، "أتبع من تولب"، (ولد الحمار؛ لأنه يتبع أمَّه لا يفارقها أبدًا)، "أتعب من راكب فصيل"، (ولد الناقة؛ لأنه لم تتم رياضته بعد)، "أتخم من فصيل"؛ (لأنه يشرب من اللبن فوق طاقته)، "أتيس من تيوس تويت"، "الثور يضرب لما عافت البقر"، (يقال فيمَن يؤخذ بذنب غيره)، "أثبت من قراد"، "أثقف من سنور"، (وهو القط؛ لأنه يعرف كيف يصطاد الفأر فلا يخطئ أبدًا)، "الجحشَ لمَّا بذَّك الأعيار"، (ارضَ بما هو متاح لك واستكفِ به عما لا تستطيعه، والعَير: الحمار الكبير)، "أجبن من صفرد، أو من كروان (طائران)، أو من ثرملة (الثعلب)، أو من الهجرس (القرد)، أو من الرُّبَاح (ولد القرد)"، "أجرأ من ذباب، أو من خاصي الأسد"، "أجول من قطرب"، (دابة لا تكف عن التجوال ليلًا أو نهارًا)، "أجوع من لعوة"، (وهي الكلبة)، أو من الذئب، أو من قُراد"، "أجشع من كلب"، "أجهل من فراشة، أو من حمار، أو من عقرب، أو من نملة، أو من راعي ضأن"، "حمارٌ استأتن"؛ (أي تحول إلى أتان، وهي أنثى الحمار)، "حتى يجتمع مِعْزى الفِزْر"، (الفِزْر: رجُلٌ تفرقت معزاه في كل مكان، وهو مثل يضرب للاستحالة)، "حيل بين العير والنَّزَوان"، (مثل لمن يحال بينه وبين مراده، والنزوان: الوثوب)، "حمير الحاجات"، (للشخص الذليل الممتهن في الأشغال الشاقة)، "أحمق من الضبع، أو من الرخل (أنثى ولد الضأن)، أو من نعجة على حوض، أو من أم الهنبر (والهنبر: الجحش، وأمه هي الأتان)، أو من الجهيزة (أي الذئبة)، أو من حمامة، أو من نعامة، أو من رخمة، أو من عقعق"، "أكيس من الرخمة"، "أحذر من قِرِلَّى (طائر يغوص في الماء فيستخرج السمك)، أو من ذئب، أو من غراب، أو من عقعق، أو من ظليم (ذكر النعام)"، "أحزم من القِرِلَّى، أو من الحرباء"، "أحير من الضب، أو من الورل"، (وهما حيوانان إذا خرجا من جحرهما لم يهتديا إليه ثانية)، "أحيا من الضب"؛ (أي أطول حياة منه)، "أحول من الذئب"؛ (لبراعته في الحيلة)، "أحول من أبي راقش"؛ (لأن ألوانه تتحول ولا تثبت على لون واحد)، "أحرس من كلب"، "أحرص من ذئب، أو من كلب، أو من خنزير"، "أحطم من الجراد"، "أحقد من جمل"، "أحن من شارف"، (وهي الناقة المسنة)، "أحكى من قرد"، "أحمى من است النمر، أو من أنف الأسد"، "خَلِّه دَرَجَ الضب"، (دَعْه على عماه)، "الخيل أعرف بفرسانها"، "الخيل ميامين"، "الخروف يتقلب على الصوف"، (مثَل يضرب للتقلب في النعمة)، "أخف من فراشة"، "أخف رأسًا من الذئب، أو من الطائر"؛ (إذ أقل شيء يوقظهما)، "أخف حِلمًا من بعير، أو من العصفور"؛ (أي إنهما قليلا العقل)، "أخرق من الحمامة"؛ (لأنها لا تحسن بناء عشها)، "أخلف من بول الجمل"، "أخلف من ثِيل الحمل"، (الثِّيل: كيس عضو الحمل؛ لأنه يتجه إلى غير جهة البول)، "أخلف من الصقر"، (أنتن رائحة من فم الصقر)، "أخبث من ذئب الغضى"، "أخون، أو أختل، أو أخب من الذئب"، "أخب من ضب، أو من ثعالة"، (وثعالة: الثعلب)، "أخيل من ديك، أو من غراب"، "أخطأ من ذباب، أو من فراشة"، "أخطف من عقاب، أو من قِرِلَّى"، "أخشن من شيهم"، (وهو ذكر القنفذ)، "أدب من قراد، أو من عقرب، أو من ضيون (أي السنور)، أو من قَرَنْبى (دويبة تشبه الخنفساء)"، "الذئب يُدعى: أبا جعدة"، (لا تغتر بما يظهره فلان من الكرم، فإنما هو كالذئب الغدار)، "الذود إلى الذود إبل"، (القليل إلى القليل يصبح مع الأيام كثيرًا، والذود ثلاث نوق أو أكثر من ذلك قليلًا)، "الذئب يأدُو للغزال"، (يخدعه)، "ذل من بالت عليه الثعالب"، "أذل من عَير، أو من حمار مقيد، أو من بعير السانية"؛ (أي الساقية)، "أروى من نعامة؛ (لأنها قليلة العطش)، أو من الضب؛ (لأنه، كما يقولون، لا يشرب أبدًا)، أو من حية، أو من الحوت"، "أرسح من ضفدع"، (والرسح: خفة العجز)، "أزنى من هجرس، أو من هر"، "أزهى من غراب، أو من وعل (وهو التيس الجبلي)"، "سقط العَشاء به على سِرحان"، (السِّرحان: الذئب؛ أي إنه بدلًا من أن ينال ما كان يبغيه قد أصابه مكروه)، "سواسية كأسنان الحمار"، (في الشر)، "سمِّن كلبك يأكلك"، "أسمع من سِمْع (ابن الذئب من الضبع)، أو من قراد؛ (لأنه، فيما يقولون، يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم)، أو من فرس (إذ كانوا يعتقدون أنه يسمع صوت الشعرة التي تسقط عن بدنه)"، "أسلح من حبارى، أو من دجاجة"، "أسبح من نون"؛ (أي الحوت)، "أسهر من جُدجُد"، (صرار الحقل)، "أشم من النعامة، أو من ذئب، أو من هِقْل (ذكر النعمام)، "أشره من الأسد"، "أشرد من خفيدد"، (وهو ذكر النعام)، "أشكر مِن كلب"، "أشد من الفيل"، "أشرب من الهيم"، (الإبل العطاش)، "أصول من جمل"، (يُضرب به المثل في شدة العض)، "أصبر من الضب، أو من حمار"، "ضلَّ دُرَيْصٌ نفَقَه"، (يُضرب مثلًا لمن لا يهتدي في كلامه أو في فعله، والدرص: ولد الفأر؛ لأنه إذا خرج من جحره لم يستطع الاهتداء إليه كرة أخرى)، "الضبع تأكل العظام ولا تعرف قدرَ استِها"، "أضل من ضب، أو من وَرَل"، "أطول ذمًّا من الضب، أو من الحية، أو من الأفعى، أو من الخنفساء"؛ لأنها لا تموت سريعًا، بل تظل تتحرك فترة طويلة بعد قتلها)، "أطير مِن عُقَاب، أو من حُبَارى"، (كانوا يظنون أنها تطير عبر بلاد متناوحة في زمن جد قصير)، "أطيش من فراشة، أو من ذباب"، "أطفس من العفر"، (الخنزير)، "ما بقي منه إلا ظِمْءُ حمار"، (لم يبقَ فيه إلا القليل)، "أظلم من حية، أو من وَرَل"؛ "لأنهما يدخلان جحر غيرهما ويستوليان عليه"، "أعز من بيض الأنوق، أو من الغراب الأعصم"، "أعطش من النقَّاقة (أي الضفدع؛ لأنها إذا فارقت الماء ماتت)، أو من النمل؛ (لأنه يكون في القفر فلا يرى الماء أبدًا)، "أو من حوت"، "أعيث من جَعارِ"، (وهي الضبع، فهي إذا وقعت في الغنم أفسدت أيما إفساد)، "أعجل من نعجة إلى حوض"، "أعمر من ضب (إذ كانوا يقولون: إنه يعيش أطول كثيرًا من مائة عام)، أو من قُراد (فقد كانوا يعتقدون أنه يعيش إلى سبعمائة سنة)، أو من نسر؛ (لأنهم كانوا يظنون أنه يعيش خمسمائة عام)، "أغر من ظبي مقمر"، "أغوى من غوغاء الجراد"، "أغزل من عنكبوت"، "أغلم مِن ضَيْوَن"، (ليس أشد شهوة من السِّنَّوْر فيما يقولون)، "أفسد من الجراد، أو من السوس، أو من الأرَضة، أو من الضبع"، "أفسى من ظربان، أو من خنفسا، أو من نمس"، "قف الحمار على الردهة، ولا تقل له: سَأْ"، (الردهة: نقرة الماء التي يشرب منها، ومعنى المثل: أرِه الطريق، ثم اتركه يتصرف ولا تخف عليه)، "أقود من مهر"، "كل الصيد في جوف الفَرَا"، "كل شاة تناط برجلها"، "الكلب أحب أهله إليه الظاعن"، "أكيس من قشة"، (جرو القرد، وهو مثل يضرب للولد الصغير العاقل)، "أكسب من نمل، أو من فأر"، "لقد كنت وما أُخشَّى بالذئب"، (للذل بعد العز)، "لو ترك القطا لنام"، (هذا مثل قولنا: نوم الظالم عبادة، والقطا: الحمام البري)، "لبست له جلد النمر"، (أبديت له العداوة الشديدة)، "ألين من خرنق"، (ولد الأرنب)، "أمسخ من لحم الحُوَار"، "أمنع من عُقاب الجو"، "نابٌ، وقد يقطع الدَّوِّيَّةَ النابُ"؛ (الناب: الناقة المسنَّة، والدوية: الفلاة السحيقة، والمعنى أنه، على كبر سنه وضعفه، قد يصلح للسفر الطويل المرهق)، "أنعس من كلب"، "أنبش من جيال"، (الضبع مشهورة بنبش القبور)، "أنوم من فهد، أو من غزال، أو من الظَّرِبان"، "أنزى من ظبي، أو من جراد"؛ (لأنهما كثيرَا القفر والحركة لا يستقران)، "وَجَدَ تمرةَ الغرابِ"، (حصل على أحسن شيء؛ لأن الغراب، فيما يقولون، ينتقي أجود تمرة ويأكلها)، "أولغ من كلب"، "هما كركبتي البعير"، (أي متساويان في كل شيء)، "هما كفرسي رهان"، (دائمَا التنافس في الخير)، "أهون من حندج (وهي القملة)، أو من ضرطة عنز"، "لا تقتنِ من كلب سوء جروًا"، "لا ناقتي فيها ولا جملي"، (أمر لا يهمني)، "لا ينتطح فيها عنزان"، (قضية محسومة لا جدال فيها).
ولا شك أن هذه الأمثال تدل على دقة ملاحظة العرب الجاهليين في عالم الحيوان والطير مما لا نعرف نحن الآن عشر معشاره رغم التقدم العلمي والثقافي الذي تحقق للبشرية منذ ذلك الحين، وإن كان هناك بعض الأخطاء في تلك الملاحظات، وهو أمر طبيعي؛ إذ إن العرب ليسوا بدعًا بين البشر؛ فهم يجمعون في معلوماتهم بين الخطأ والصواب، ولكن يكفيهم شرفًا وفضلًا أنهم كانوا بهذه الدقة وذلك التبصر فيما لاحظوه على ما حولهم من حيوان وطير كثير العدد، كما رأينا في الأمثال التي سلفت، وفيما عرفوه من الفروق بين الذكر عن الأنثى في الطباع والخصائص؛ كالجمل والناقة، طبقًا لما جاء في المثل القائل: "استنوق الجمل"، "أو "حمار استأتن"؛ (أي ظهرت على كل منهما علامات الأنوثة، فاقترب الأول أن يكون ناقة، والثاني أن يكون أتانًا)، وتخصيص اسم لكل عُمُر من أعمار الحيوان: فالحُوار هو ولد الناقة، والفصيل هو الشاب من الإبل، على عكس الناب، التي هي الناقة المسنة، ثم الشارف، التي تأتي بعد ذلك، وهناك الدرص والحسل والسمع والفرعل والهجرس والجحش والظبي والمسهر والخرنق والجرو والحلم، وهي صغار الفأر والضب والذئب والضبع والقرد والحمار والغزال والحصان والأرنب والكلب والقراد على التوالي، كذلك هناك الجمل والناقة، والأنوق والرخمة، والأسد واللبؤة، والحصان والفرس، والحمار والأتان، والهِقل والنعامة، والذئب والجهيزة، وهما الذكر والأنثى من كل حيوان من هؤلاء... وهلم جرًّا.
وقد رأينا كيف استطاعوا التمييز بين طباع كل حيوان وغيره حتى في مسائل التبول، ورائحة الفم، والعطش أو الري، والاهتداء إلى المسكن أو الضلال عنه، والعزة أو الذلة مثلًا، وإن اشتركت بعض الحيوانات في هذه السمة أو تلك من تصرفاتها... مما مر بيانه من الأمثال التي أوردناها آنفًا، ويمكن أن يلحق بذلك ما تحدثت عنه الأمثال من شجر ونبات: "ترى الفتيان كالنخل، ولا ينبيك ما الدَّخْل"؛ (أي إن المهم هو مخبر الإنسان لا مظهره)، "أشبه شَرْجٌ شَرْجًا لو أن أسيمرًا"، (والأسيمر: تصغير "أسمر"، وهي جمع "سمرة"، نوع من الشجر ينبت في بلاد العرب)، "إنك لا تجني من الشوك العنب"، "عصبتُه عَصْبَ السَّلَمة"، (والسلم: نوع آخر من شجر العرب، وهو شجر شائك يستعمل ورقه وقشره في الدباغ، ويسمى ورقه: "القرظ")، "أرخِ يديك واسترخِ، إن الزناد من مَرْخ"، "في كل شجرة نار، واستمجد المَرْخ والعَفَار"، (والمَرْخ والعَفَار: شجرتان تقدح أغصانهما لاستخراج النار منها)، "أشعث من قتادة"، (وهو شجر كثير الشوك)، "مرعى ولا كالسعدان"، (شوك تأكله الإبل فيغزر لبنها)، "أخبث من ذئب الغضى"، (والغضى: شجر جيد للوقود).
ومِن معارف الجاهليين الطبيعية التي تعكسها أمثالهم ما له علاقة بالبيئة الجغرافية والفلكية؛ فمن ذلك قولهم: "أبعد من العيُّوق"، "أتلى من الشِّعرى"؛ (لأنها تتلو الجوزاء)، "أريها السها، وتريني القمر"، "أرق من رقراق السراب"، "أطول صحبة من الفرقدين"؛ (لأنهما نجمان لا يفترقان)، و"بنات نعش"، (كواكب معروفة)، "برق خُلَّب"، (وهو البرق الكاذب الذي لا يعقبه مطر)، "أرِنيها نمرة، أُرِكَها مطَرة"، (ومعناه أن السحابة إذا كان فيها سواد وبياض فمعنى هذا أنها ستمطر، وهذا يدل على خبرة بأنواع السحاب ومقدرة على التفرقة بين الممطر منها وغير الممطر، وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن بلادهم كانت تعتمد على المطر في المقام الأول؛ إذ ليس فيها أنهار، كما هو الحال في مصر، ومن ثم كانت معرفتهم الدقيقة بكل ما يتعلق بالمطر والسحاب، وبخاصة أن السماء كانت مفتوحة أمام أعينهم لا يسترها عنهم ساتر، فقد كانوا يعيشون في خيام منصوبة في العراء لا في بيوت تعوق أعينهم عن النظر الحر المرتاح إلى الفضاء والأفق والسماء).
لقد كان الماء قضية حياة أو موت، ومن هنا مثلًا نراهم يقولون: "أن تَرِدَ الماءَ بماءٍ أكيس"؛ لمعرفتهم أنهم متى انقطعوا عن الماء في باديتهم المتناوحة التي كثيرًا ما يعز فيها عنصر الحياة الأول فقد يهلكون، وبالمثل نقرأ في المثل التالي أن "آخرها (أي آخر الإبل الواردة على الماء للسقي) أقلها شربًا"؛ إذ ترد وقد قارب الماء على النفاد، أو على الأقل ترد ولم يعد الماء صافيًا كما كان للإبل التي شربت مبكرة، فضلًا عن أن تأخير السقي هو دليل على العجز والمذلة، وإذا كانت هناك عين ماء طيبة فسرعان ما تشتهر بينهم: "ماء ولا كصداء"، "إن أضاخًا منهل مورود"، "أعذب من ماء البارق، أو من ماء الحشرج"، وثمة مثل آخر يشير إلى عملية الاستقاء من البئر بالحبال والدلاء: "بئس مقام الشيخ: أَمْرِسْ! أَمْرِسْ!"؛ أي إنه لا يليق بك أن تزاول عملًا لا يناسب مكانتك، مثل وقوفك على شفا بئر وسقياك بالحبل، الذي قد ينقطع في يدك فيصيح الناس بك أن "أمرس! أمرس!"؛ أي: أعد الحبل إلى مكانه من البكرة، ومن أمثال الاستقاء أيضًا قولهم: "ألقِ دلوك في الدِّلاء".
كذلك استطاع العرب القدماء أن يفرقوا بين الحيوانات والطيور المختلفة حسب مدى حاجتها إلى الماء، وسرعة أو بطء هذه الحاجة، مثلما مضى بيانه في الأمثال التي قرأناها معًا، وهو ما يبين لنا كيف كان الماء يحتل من أذهانهم واهتمامهم مكانًا مكينًا.
ومن الجوانب التي تتعلق أيضًا بالبيئة العربية القديمة ما كان الجاهليون يمارسونه من أعمال أو حِرَف تقوم على ما هو متوفر في هذه البيئة من ثروات أو إمكانات طبيعية: خذ عندك مثلًا الدبغ، الذي جاء في أمثالهم عنه قولُهم: "إنما يُعاتَب الأديم ذو البشرة"، بمعنى أن العتاب لا يصلح إلا مع من لا يزال فيه خير، كالجلد الذي يراد دبغه، فإن كانت له بَشَرَة، وهي ظاهر الجلد (على عكس الأدمة، التي هي باطنه)، صلَح دبغه، وإلا لم يحتمل الدباغ وتمزق، كذلك لا بد، في عملية الدباغ، أن يُكشط اللحم تمامًا من أديم الجلد ولا يترك عليه أي بقايا منه، وإلا فسد الجلد سريعًا: "أحمق من الدابغ على التحليءِ"، والتحليء: ترك بقايا اللحم على الجلد، وفي هذه الحالة لا يصل إليه الدباغ، وهناك مثل آخر يرد فيه ذكر "القارظ" على النحو التالي: "إذا ما القارظ العنزي آبا"، وهو جامع القرظ؛ أي: ورق شجر السلم المستعمل في عملية الدباغ، وهذا المثل يضرب للوعد الذي لا يمكن أن يتحقق؛ لأنه معلق على شرط مستحيل، فالقارظ العنزي لم يعد من جولته في جمع القرظ حتى الآن، بل لن يعود أبد الدهر؛ لأنه مات في الطريق، وهاك أيضًا المثل التالي: "أرتعن أجَلَى أنى شئت"؛ أي إن الموضع المسمى: "أجلى" هو من المواضع الصالحة للرعي في أي وقت وفي أي موضع منه، ومنها كذلك: "مرعى ولا كالسعدان"، وكان للرعي أصوله التي لا بد للراعي من مراعاتها، وإلا فسد عمله: "أساء رعيًا فسقى مقصِبًا"؛ أي إنه لم يشبع إبله من الكلأ كما ينبغي واضطر أن يملأ بطونها ماءً على قلة ما فيها من طعام فأضر بها ذلك ضررًا شديدًا، والإقصاب: أن تمتنع إبل الراعي عن الشرب، كذلك كانوا يحلبون ماشيتهم بأنفسهم: "حلبتها بالساعد الأشد"، "احلب حلبًا لك شطره"؛ (و"الحلب" هو ما يُحلب من اللبن)، "حلب الدهر أشطره".
ومن المهن التي كان الجاهليون يمارسونها كذلك تأبير النخل: "جِباب، فلا تُعنِّ آبرًا"، والآبِر هو ملقح النخل، والمقصود أن النخلة لا طلع فيها، بل الموجود جِباب فحسب، أي جمَّار، ومن ثم فلا فائدة في التأبير أصلًا، ومن هذه المهن أيضًا الحُدَاء: "كالحادي، وليس له بعير"، والحادي هو سائق الإبل الذي يحدوها؛ أي: يغني لها حتى تنشط للسير ولا يعتريها الضعف والكلال، أما المثل الذي وجدته عن "الحذَّاء" فيجري عكس هذا؛ إذ يقول: "من يكُنِ الحذَّاءُ أباه يجد نعلًا".