سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة الثامنة والخمسون: الأستاذ الدكتور عبد الحميد عبد النوري عبد الواحد- أستاذ اللسانيات بكليّة اللّغة العربيّة جامعة أمّ القرى، وعضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية، ورأيه في جعل العربيّة الفصحى لغة مكتسبة:
لا خلاف في أنّ العربيّة أو العربيّات الدارجة في كلّ البلاد العربيّة هي اللّغة الأمّ للطفل العربيّ. ولا أحد ينكر أنّ هذه اللّغة تُكتسب اكتسابًا في البيت والشارع، وأنّ الطفل العربيّ يكتسب هذه اللّغة قبل أن يدخل المدرسة. وما أن يصل السنّ الخامسة أو السادسة من عمره حتّى يكون قادرًا على استعمال الدارجة بصورة تلقائيّة، سواء من حيث الأصوات أو الكلمات أو التراكيب، بل وبعض الأساليب أيضًا، ويكون قادرًا بالتالي على أن ينفي ويثبت ويسأل ويجيب عن السؤال، ويستجيب للطلب أو الأمر، ويميّز بين التراكيب والتصاريف والظروف، والجنس والعدد، وغيرها. ولا غرو في أنّ الطفل يكتسب كلّ هذه القدرات دون أن يكون بحاجة إلى معلّم أو وسائل بيداغوجيّة أو مناهج تعليميّة.
وما أن يؤمّ الطفل في بلداننا العربيّة المدرسة حتّى يقبل على تعلّم العربيّة الفصحى من ضمن جملة من المواد الأخرى، كالحساب مثلاً. وأمّا المواد المتعلّقة بالعربيّة لغة فهي كثيرة ومتنوّعة مثل القراءة والكتابة والإملاء والنسخ والتعبير الشفويّ والتعبير الكتابيّ. وكلّها ترمي إلى امتلاك أهمّ مقوّمات اللغة العربيّة الفصحى أو الفصيحة، صرفًا وتركيبًا وإعرابًا وتعبيرًا وغيرها.
والشاهد في واقعنا العربيّ اليوم، أنّ الطفل غير قادر على أن يمتلك هذه اللّغة بكيفيّة جيّدة، وغير قادر على أن يتصرّف فيها تصرّفًا مقبولًا، فهمًا وأداء، ونطقًا وكتابة. ويظلّ هذا الضعف يصاحبه على طول مسار تعليمه، بدءًا من الابتدائيّ إلى حدّ التعليم العالي. وقد يُرجع الكثيرون هذا الضعف إلى التداخل بين العاميّة والفصحى، أو إلى الطرق التعليميّة والمقرّرات المفروضة، أو إلى المعلّم وأساليب التعليم المتوخّاة وغيرها. وقد تكون كلّ هذه المسائل من العوائق المعتبرة في هذا الضعف، وإصلاحها جميعها لا ندري إلى أيّ مدى ستكون جدواه، ولا ندري إن كان سيحلّ المسألة من جذورها حقًّا أو لا؟
وفي محاولة لتجاوز هذه المعضلة التي يعيشها تعليمنا والطفل العربيّ في كلّ البلاد العربيّة، ندعو إلى النظر إلى المسألة من زاوية التعلّم والاكتساب، أي من زاوية لسانيّة، وذلك بالنظر إلى أنّ الاكتساب يتمّ في ظروف تلقائيّة، وفي بيئة لغويّة عاديّة، ودون وسائل بيداغوجيّة، ولا فضاءات مصطنعة. ويتمّ الاكتساب بالاستعمال والدُّربة والتكرار، أي بالممارسة اليوميّة للغة. والطفل نظريًّا قادر على أن يكتسب أيّ لغة في العالم لأنّه مجهّز طبيعيًّا، وبقدرة ربّانيّة باستعدادات فطريّة وجينات وراثيّة، هي التي تجعله قادرًا على أن يكتسب أيّة لغة، بشرط وضع الطفل في بيئة لغويّة معيّنة، وإن كان لا ينتمي إليها من حيث العِرْق أو الانتماء الاجتماعيّ. وأمّا من حيث التعلّم فهو مختلف عن الاكتساب؛ لأنّه يتمّ بالتلقين، وفي فضاءات مخصوصة، ووفق مقرّرات محدّدة سلفًا، وبأساليب وطرق معيّنة.
وبالنظر إلى كلّ هذا، لا خروج في اعتقادنا من أزمة اللّغة العربيّة، وتدارك الضعف المشار إليه إلّا بتغيير قواعد المعادلة؛ وذلك بجعل العربيّة الفصحى لغة مكتسبة اكتسابًا، لا متعلّمة تعلّمًا، وهذا لا يتمّ إلّا في ظروف مشابهة لطرق الاكتساب المعروفة، وفي كلّ اللّغات، ولدى جميع الأطفال، أي بممارسة اللّغة الفصحى في القسم والمدرسة، بل ابتداء من رياض الأطفال، وذلك بأن تلقّن هذه اللّغة بصورة تلقائيّة، ودون التأكيد على الوسائل البيداغوجيّة والفضاءات المغلقة، وإنّما بالتأكيد على الممارسة والاستعمال في شكل حوارات ووصف وحكايات وغيرها، وبالتأكيد على الشفويّ، ودون الاستعانة بالقواعد اللغويّة، من نحو وصرف وغيرها، ودون اللّجوء إلى الكتابة والرسم، حتى تكون اللّغة تلقائيّة على لسان الطفل، مثلما هي تلقائيّة على لسان المنشّط أو المعلّم. وعند التمكّن من المنطوق يمكن التحوّل إلى المكتوب والكتابة أو الترميز. وكلّ هذا بناء على ما يشير إليه علماء اللّغة والمتمثّل في حقيقتين هامّتين، ألا وهما أنّ المنطوق في كلّ اللّغات أسبق من المكتوب، وما المكتوب إلّا تابع أو لاحق، وأنّ كثيرًا من اللّغات إلى اليوم هي لغات شفويّة ولا تعرف للكتابة سبيلاً، ومن باب أولى وأحرى أن نبدأ بالشفويّ، وحسن التمكّن من آلياته، وهذا بشأن الحقيقة الأولى. وأمّا الحقيقة الثانية فهي أن النحو النظريّ أو الموضوع بمعناه العام، وأنّ القواعد اللّغويّة المستنبطة والمتعلَّمة هي بدورها تابعة ولاحقة للّغة أيضًا، والدليل على هذا أنّ كثيرًا من اللّغات الشائعة المستعملة قديمًا وحديثًا، ومنها اللّهجات العربيّة الدارجة هي لغات لا قواعد تعليميّة لها.
إنّنا بطرحنا لهذه القضيّة نأمل لفت الانتباه للمسألة والنظر في هذه المقترحات بجديّة، ولو استُجيب لهذه الدعوة، وتمّ النظر فيها، وأُجريت اختبارات تقييميّة بشأنها بغاية التحرّي ومزيد التثبّت، لأمكنها أن تحدث ثورة حقيقيّة في تعليمنا، وفي واقع لغتنا الفصحى، ولتجنّبنا الكثير من الضعف في مدارسنا، لا في تعلّم اللغّة وحدها، وإنّما في تعلّم المواد جميعها، ولقلّصنا الهوّة القائمة بين الفصحى والدارجة إلى أبعد حدودها.
حوار ونقاش: مصطفى يوسف