الـخـاتـمـة:
من خلال عرض هذا الموضوع، تبيَّن لنا أن اللغويين العرب القدامى كانوا رواد وأساتذة وآباء هذه النظرية بلا جدال. ولم يسبقهم إليها أحد من قبل. ولم يكن هذا الموضوع جديداً في الدراسات اللغوية الحديثة، بل إنه قديم قدم الدراسات العربية منذ القرن الثاني للهجرة. وأول كتاب ظهر في هذا المجال هو كتاب "ما تلحن فيه العامة" للكسائي، المتوفى سنة 189هـ. ويُعد هذا الكتاب باكورة الأعمال اللغوية التطبيقية في تحليل الأخطاء في اللغة العربية.
لقد جمع العلماء العرب القدامى الأخطاء عن طريقين: أولهما شفوي، وثانيهما كتابي. وجُمِعَت المادة اللغوية من عامة الناس وخاصتهم. وكذلك قاموا بإحصائها بشكل دقيق. ولقد حددوا الأخطاء التي درسوها بشكل واضح ودقيق؛ ومن ثم قاموا بدراستها.
وكذلك صنف اللغويون العرب القدامى الأخطاءَ في مؤلفاتهم بدقة بالغة؛ فها هو الزبيدي مثلاً، يقول في كتابه لحن العوام: "كنا قد أَلَّـفْـنَا فيما أفسده عَوَامُّنا وكثير من خَوَاصِّنا، كتباً قَسَّمناها على ثلاثة أقسام: قسم غُـيِّـرَ بناؤه وأُحِيل عن هيئته، وقسم وُضِع في غير موضعه وأُرِيد به غيرُ معناه، وقسم خُصَّ به الشيءُ وقد يَشْرَكهُ فيه ما سواه".
ولقد وصف ابن الجوزي الخطأ بقوله: "واعلم أن غلط العامة يتنوع: فتارة يضمون المكسور، وتارة يكسرون المضموم، وتارة يمدون المقصور، وتارة يقصرون الممدود، وتارة يشددون المخفف، وتارة يخففون المشدد، وتارة يزيدون في الكلمة وتارة ينقصون منها وتارة يضعونها في غير موضعها، إلى غير ذلك من الأقسام.
وعملوا على شرح الأخطاء بشكل دقيق وعزوها إلى مضانها الرئيسة. مبينين أسبابها ما أمكن ذلك. هل هي بسبب اللغة الأم أَمْ بسبب اللغة الثانية التي يكتسبها الطالب؟ أم أن هناك أسباباً أخرى يمكن بيانُها وذكرُها. فالجاحظ مثلاً، تحدث عن بعض أسباب الأخطاء الهامة جداً، التي يرتكبها متعلمو اللغة. وكذلك تطرق إلى الحديث عن استراتيجيتي السهولةوالتحجرفي اللغة الثانية. ولقد أفرد العسكري كتاباً مستقلاً لشرح الأخطاء، أسماه: "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف". ومن خلال مطالعتنا لهذه المؤلفات وجدنا أن أسباب الأخطاء كثيرة ومتنوعة. ويمكن أن تعود إلى عدة أسباب: لغوية؛ مثل: أخذ العلم من الصُحُف، وعدم نَقْط المصاحف والإعجام والترقين والشَّكل، ونقص كفاءة الراوي باللغة أو عدمها، والخط والهجاء، والتصحيف والتحريف. واجتماعية؛ مثل: الصَّمْتُ والوَحْدَة (العُزْلَة). ونفسية؛ مثل: العِيّ والحَصَر، واللُّثـغـة. وعضوية؛ مثل: سقوط الأسنان، إلخ.
أما الهدف الأخير من تحليل الأخطاء هو التطبيق العملي والتربوي على الأخطاء التي يرتكبها المتعلمون. وهذه الأخطاء لابد من استئصالها إن أمكن وعلاجها بطرق شتى. ولقد انبرى ثلة من العلماء القدامى لهذه المهمة يضعون لها القواعد، ليخففوا من وقوعها عند المتعلمين والمتكلمين. ومن هؤلاء اللغويين التطبيقيين: ابن قتيبة، وابن مكي، والقلقشندي، والحريري، والبطليوسي، وغيرهم كثير. لقد بَـيَّـنُـوا القواعد العامة للهجاء والإملاء، وذلك لضبط اللغة وسلامتها حديثاً وكتابة.
وبناء على هذا؛ نقول: إن اللغويين العرب القدامى كانوا هم السباقين إلى هذا العلم اللساني ([133]). ولم يتأثروا بغيرهم من اللغويين في هذا الميدان. وفي هذا الصدد يقول روبينز ([134]) (Robins): "إنه من المؤكد أن اللغويين العرب القدامى طوروا نظرتهم الخاصة في نظامهم اللغوي، ولم يطبقوا النظام اللغوي اليوناني على لغتهم أبداً كما هو الحال في النحو اللاتيني".
ونستنتج من هذا كله، أن علماء اللغة العربية درسوا الأخطاء بشكل علمي ومنهجي دقيق، ولم يتأثروا أو يقلِّدوا غيرهم من اللغويين السابقين لهم. وتشفع لهم أعمالهم اللغوية الأصيلة، ودراساتهم الكثيرة في هذا المجال. أضف إلى ذلك، أن علماء اللغة في العصر الحديث من الغربيين وغيرهم، ساروا على هَدْي منهج العلماء العرب القدامى في هذا المضمار، من دون أن يُصرّحوا بذلك([135]). ولله الحمد.