أولاً: الأسباب اللغوية
1_ أخذ العلم من الصُحُف
يقول العسكري ([99]) إنه كان يقال قديماً: لا تأخذوا القرآنَ من مُصْحَفِيّ، ولا العِلْم من صَحَفِيّ. وروى الكوفيون أن حَمَّاداً الراوية كان حَفِظَ القرآن من المُصحف، فكان يُصَحِّفُ نَيِّفَاً وثلاثين حرفاً. ويَروي أعداءُ حمزةَ الزيات، أنه كان يتعلم القرآن من المُصْحف، فقرأ يوماً، وأبوه يسمع: "آلم. ذلك الكتابُ لا زيتَ فيه" فقال له أبوه: دع المصحف وتَلَقَّن من أفواه الرجال.
2_ عدم نَقْط المصاحف والإعجام والترقين والشَّكل
يروي العسكري([100]) أن السبب في نَقْط المصاحف هو: أن الناس غَبَروا يقرؤون في مصاحف عثمانَ رحمةُ الله عليه، نيفاً وأربعين سنة، إلى أيام عبد الملك بن مروان. ثم كثر التصحيف، وانتشر في العراق ففزع الحَجَّاجُ إلى كُتَّابه، وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف الـمُشْـتَبِهَةِ علامات. فيقال: إن نصرَ بن عاصم قام بذلك، فوضع النَّقْـطَ أفراداً وأزواجاً. وخالف بين أماكنها بتوقيع بعضها فوق الحروف، وبعضها تحت الحروف. فَـغَـبَـرَ الناسُ بذلك زماناً لا يكتبون إلا منقوطاً. فكان مع استعمال النَّـقْطِ أيضاً يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا يُـتْـبِـعون النَّقْطَ بالإعجام. فإذا أُغفِل الاستقصاءُ على الكلمة فلم تُوَفَّ حقوقَها اعترى هذا التصحيفُ، فالتمسوا حيلةً، فلم يقْدِروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال. وكان من نتيجة هذا السبب وضع علم النحو. عندما سَمِعَ أبو الأسود الدؤليُّ رجلاً يقرأ: "إن اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه" بالجر، فقال: لا يَسعني إلا أن أَضَعَ شيئاً أُصْلِحُ به نحوَ هذا. فوضع النحو، وكان أَوَّلَ من رسمه.
والترقين هو النَّقْطُ في الكتاب، وأن تقرأه على نفسك، وتعتبره وتدبر بعضه ببعض. وممن مدح كثرة الشَّكل، أحمد بن إسماعيل نَطَّاحَة الكاتب، فقال:
مُـسْتَـوْدِعٌ قـرطـاسَـه حِـكـمـا كالـرَّّوْضِ مَـيَّـزَ بـينَــه زَهَـرُهُ
وكــأنَّ أَحْــرُفَ خَـطـِّهِ شَـجَـرٌ والـشَّـكلُ في أضعـافـها ثَـمَـرُه
ومما يستحسن في هذا المعنى بيت ندر لابن المعتز:
بِـشَكْـلٍ يُـؤْمَـنُ الإشـكالُ فيـه كـأنَّ سُـطـورَه أغـصانُ شَـوْكِ
3_ نقص كفاءة الراوي باللغة أو عدمها
يروي العسكري([101]): أن مَنْ حَدَّثَ وهو لا يُفَرِّق بين الخطأ والصواب، فليس بأهل أن يُحمل عنه. حدثنا عبدُ الله بن الحارث عن يونس عن شهاب، أخبرني عبدُ الله بن ثعلبة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، مَسَحَ وجهه "من القُبْح"([102]). قال أحمد: أخطأ وصحَّف، إنما هو "زَمن الفتح". ومن مناقب خلف الأحمر أنه من أفضل ما عدد من مناقبه أن قال:
لا يَـهـِم الـحـاءَ في القـراءة بالـخـا ء ولا يـأخـذ إسـنـادَه عـن الصُّـحف
أنشد محمد لأبَّان اللاحِقِي، في رَجلٍ كان كُلَّما أخطأ فَقِيلَ له: هذا لا يجوز، قال: في هذا لغة ([103]):
يَـكْسـِرُ الشِّـعْـرَ وإنْ عـاتَـبْـتَهُ فـي مُـحَالٍ قـال فـي هـذا لُـغَةْ
4_ الخط والهجاء
يقول الأصفهاني ([104]): إن مُـحَـدِّثـاً يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستحب العَسَل في يوم الجمعة، وإنما كان يستحب الغُسْل فيه...
ويروي أيضاً في ([105]): أنه سئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ فقال: "إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفهُ ولامهُ، واستقامت سطوره، وضاهى صعودَه حدورُه، وتَفَتَّحَتْ عيونُه، ولم تشتبه راؤه ونونُه، وأشرق قرطاسُه وأظلمت أنقاسُه (المداد)، ولم تختلف أجناسُه، وأسرع إلى العيون تصوُّره..." كأنه حينئذ كما قيل:
إذا ما تَـجَلَّـلَ قـرطـاسـَه وسـاوره الـقـلـمُ الأرقـشُ
تَـضمَّـن من خـطِّـه حُـلَّةً كنـقـش الدنانـير بل أنـقش
حـروفاً تُـعيدُ لـعين الكليلِ نشـاطاً ويقـرؤهـا الأخـفش
ووصف أحمد بن صالح من جارية خطَّاطة آلات كتابتها فقال:
"كأن خطَّها أشكالُ صورتها، وكأن مدادَها سوادُ شعرها، وكأن قرطاسَها أديمُ وجهها، وكأن قلمَها بعض أناملها، وكأن بيانها سحرُ مقلتها، وكأن سكِّينَها غنجُ لحظها، وكأن مقطَّها قلب عاشقها".
5 _ التصحيف والتحريف
يذكر الأصفهاني([106]) سبب وقوع التصحيف في كتابة العرب: "هو أن الذي أبدع صور حروفها لم يضعها على حكمةٍ, ولا احتاط لمن يجيء بعده، وذلك أن وضع لخمسة أحرف صورة واحدة وهي: الباء، والتاء، والثاء، والياء، والنون. وكان وجه الحكمة فيه أن يضع لكل حرف صورة مباينة للأخرى حتى يؤمن عليه التبديل... وقال أرسطوطاليس: كل كتابة تتشابهُ صور حروفها، فهي على شرف تولد السهو والغلط والخطأ فيها، لأن ما في الخط دليل على ما في القول، وما في القول دليل على ما في الفكر، وما في الفكر دليل على ما في ذوات الأشياء".
ثانياً: أسباب اجتماعية
1_ الصَّمْتُ والوَحْدَة (العُزْلَة):
يذكر الجاحظ([107])، أن أبا عبيدة قال: إذا أدخلَ الرَّجلُ بعضَ كلامه في بعض فهو أَلفُّ، وقيل بلسانه لَفَفٌ ([108]). ويفسر الجاحظ السبب في هذا اللفف أن الإنسان إذا جلس وَحْدَهُ ولم يكن له من يكلِّمه، وطال عليه ذلك، أصابه لفَف في لسانه. وأنشد الراجز:
كـأنَّ فيـه لَفَـفَاً إذا نَـطَقْ من طُـولِ تـحبـيسٍ وهَـمٍّ وأَرَقْ
وكان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة بعد المُـقَعْـطِل، يقال له الصَّموت؛ لأنه لما طال صمتُه ثَقُلَ عليه الكلام، فكان لسانُه يلتوي، ولا يكادُ يُبين، من طول التفكر ولزوم الصَّمت. ويرشدنا الجاحظ هنا إلى أنه من أراد أن يكون فصيحاً بليغاً، بعيداً عن الخطأ والانحراف في الكلام، عليه أن يتحلَّى بالخطابة، وعمودُها الدُّربة، وجناحاها رواية الكلام. ويؤكد الجاحظ هنا على أهمية الدربة في الكلام، لأن العرب كانوا يُروُّون صبيانهم الأرجاز، ويعلمونهم المناقلات ويأمرونهم برفع اللسان، وتحقيق الإعراب لأن ذلك يفتق اللهاة ويفتح الجرم. ثم يقول: " واللسان إذا كثر تقليبه رق ولان وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسا وغلظ"([109]).
ثالثاً: أسباب نفسية
1_ الـعِـيُّ والـحَـصَـر
يذكر الجاحظ ([110]) أن من أسباب الخطأ: العِـيَّ والـحَصَر. وقديماً ما تَعَوَّذُوا بالله من شرهما، وتضرَّعوا إلى الله في السلامة منهما. وقال النَّمْر بن تولب:
أعِـذْنِـي ربِّ من حَـصَـرٍ وعِـيٍّ ومـن نَـفْـسٍ أُعـالـجُـها عِـلاجَـا
وقال الهذلي:
ولا حَـصِـرٌ بـخُـطـبَـتِهِ إذا مـا عَـزَّتِ الـخُـطَـــبُ
وقال مَكِّيُّ بن سَوادة:
حَـصِـرٌ مُسْـهَـبٌ جـرِيءٌ جَـبانٌ خَـيْـرُ عِـيِّ الـرجـال عِـيّ السُّـكـوتِ
وسأل الله عز وجل موسى بنُ عمران، عليه السلام، حين بعثه إلى فرعونَ بإبلاغ رسالته، والإبانةِ عن حجَّته، والإفصاحِ عن أدلَّته، فقال حين ذكر العُقْدة التي كانت في لسانه، والـحُبْسَة التي كانت في بيانه: "واحْلُلْ عُقْدَةً من لساني يَفقَهُوا قولي" ([111]).
وأنبأنا اللهُ تعالى عن تعلُّق فرعونَ بكل سبب، واستراحتِهِ إلى كل شَغَب، ونبَّهنا بذلك على مذهب كلِّ جاحد معاند، وكلِّ مُحتالٍ مكايد، حين خبَّرنا بقوله: "أَمْ أنا خَيْرٌ من الذي هو مَهِينٌ ولا يكادُ يبين"([112]). يريد فرعون أن يتفضّل على موسى عليه السلام بأنه أفصح منه وأفضل بياناً.
وقال موسى صلى الله عليه وسلم: "وأخي هَارونُ هُو أفصحُ مني لساناً فأرسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُني([113])" و "ويَضيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسَانِي"([114])، رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجّة، والمبالغة في وضوح الدَلالة؛ لتكون الأعناقُ إليه أَمْيَلَ، والعقولُ عنه أفهمَ، والنفوسُ إليه أسرعَ، وإن كان قد يأتي من وراء الحاجة، ويَبْلغ أفهامهم على بعض المشقة.
وضرب الله عز وجل مثلاً لِعِيِّ اللسان ورداءة البيان، حين شبّه أهله بالنساء والولدان([115]): فقال تعالى: "أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ في الْحِلْيَةِ و هوَ في الخِصَام غَيْرُ مَبين([116])" أي في مخاصمة أعدائه لا يكاد يُفهم قوله .
2_ اللُّثـغـة:
اللُّثغة: مرض لغوي يصيب بعضَ الناسِ عامتهم وخاصتهم. ولهذا نرى الجاحظ ([117])يشير إليها ويتحدث عمن وصف بها قائلاً: "ولما علم واصلُ بنُ عطاء أنّه ألثغُ فاحش اللَّثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع... أنه كان داعيةَ مقالةٍ ورئيسَ نحلة". قال قطرب: أنشدني ضِرار بن عمرو قولَ الشاعر في واصل بن عطاء:
ويـجعـل البُـرَّ قـمحاً في تصـرُّفـه وجـانَبَ الـراءَ حتَّى احتـال للشَّـعَرِ
ولـم يُـطِقْ مطَـراً والقولُ يُعـجِلُـه فعاذَ بالغـيث إشفـاقـاً من المَـطَـرِ
قال وسألت عُثمان البُرِّي: كيف كان واصلٌ يصنع في العدد ... والشهور؟ فقال: ما لي فيه قولٌ إلا ما قال صفوان:
مُـلَـقَّنٌ ملـهَمٌ فيما يُحـاوله جَـمٌّ خـواطـرُه جـوَّابُ آفـاقِ
وأنشدني ديسمٌ قال: أنشدني أبو محمد اليزيديّ:
وخَـلَّةُ اللفظ في اليـاءات إن ذُكِـرَت كخَـلَّةِ اللـفظ في اللامـاتِ والألـفِ
وخَـصْـلَة الـرَّاء فيها غيرُ خـافيةٍ فـاعرِفْ مواقـعَها في القول والصُّـحُفِ
ويقول أيضاً ([118]): رامَ أبو حذيفةَ إسقاط الراء من كلامه، وإخراجَها من حروف منطِقِه؛ فلم يزل يكابد ذلك ويغالبُه، ويناضله ويساجله، ويتأتَّى لسَتره والراحةِ من هُجْنَتِه، حتَّى انتظم له ما حاول، واتَّسق له ما أمَّل...
ولقد حدا الأمر ببعضهم إلى أن طلق أزواجه. ومنهم أبو رمادة طلق امرأتَه حين وجدَها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ. فقال ([119]):
لَـثغـاء تـأتـي بِحِـيَفْس ألثـغِ تَميسُ في المَـوْشِـيِّ والمـصبَّـغِ
الحِيَفْس: الولد القصير الصغير.
ويقول الجندي في هذا السياق([120]): "... وقد يرث الطفل هذه اللُّثغات عن آبائه، ويرثها من جيله، ثم يرثها منه جيل آخر، حتى تصبح اللُّثغة سنةً فيهم، بل تكون صواباً في جيل المستقبل، بينما هي نفسها في الجيل الأول، كانت آفة نطقية محط ازدراء الناس واحتقارهم، والدليل على ذلك تحير علماء اللغة بين اللغة واللُّثغة... وابن سيده لا يدري أن المرمريس- وهو الداهية لغة مستقلة عن المرمريت أم لُثغة... وقد يمكن أن تتسم شخصية عظيمة باللُّثغة فتقتدي بها الطبقات الأخرى المحيطة بها وتقلدها أولاً في تلك اللُّثغة؛ وبعد مرور زمن يصبح هذا الانحراف أو تلك اللُّثغة مقبولة، وهذا يشبه ( المودة) التي تسري من أعلى المجتمع إلى أدناه".
ويؤكد هذا القول ابن خلدون([121]): إن المغلوبَ مُولَعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره، وزيِّه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده. والعامة على دين الملِكِ. ولذلك ترى المغلوبَ يتشبَّهُ أبداً بالغالبِ في مَلبَسِه ومركَبِهِ وسلاحه في اتِّخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله.
رابعاً: أسباب عضوية
1_ سقوط الأسنان
يذكر الجاحظ ([122]) هنا أن سقوط بعض الأسنان يؤدي إلى الخطأ، وأن سلامةَ اللفظ من سلامة الأسنان: قال الشاعر:
قَـلَّـت قـوادحُـها وتـمَّ عديـدُها فـلـه بـذاك مَـزِيَّــةٌ لا تنـكـرُ
ويروى "صحَّت مخارجُها وتمَّ حروفها". المزيَّة: الفضيلة. القادح: أُكال يقع في الأسنان. والإنسان إذا تمت أسنانُه في فمه، تمَّت له الحروف، وإذا نقصت نقصت الحروف.
قالوا: ولم يتكلم معاويةُ على منبر جماعةٍ منذ سقطَتْ ثناياه في الطِّست. وقال أبو الحسن المدائني: لما شَدَّ عبدُ الملك أسنانَه بالذهب قال: "لولا المنابر والنِّساء، ما باليتُ متى سقطَتْ". وسقوط جميع الأسنان أصْلَحُ في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحدُ شطريها الشَّطر الآخر.
والآن ننتقل إلى الهدف الأخير من تحليل الأخطاء ألا وهو كيفية معالجة الأخطاء بشكل صحيح وإيجابي.
سادساً: التطبيق العملي
إن لتحليل الأخطاء هدفين اثنين: أولهما لغوي وهو ما سبق بيانه آنفاً، وثانيهما تربوي وتطبيقي وهو ما سنعالجه فيما يلي. والهدف الأخير والنهائي من تحليل الأخطاء هو التطبيق العملي على الأخطاء التي يرتكبها المتعلمون. وهذه الأخطاء لابد من استئصالها إن أمكن وعلاجها بطرق شتى. ولقد انبرى ثلة من العلماء القدامى لهذه المهمة يضعون القواعد، لكي يخففوا من وقوع الأخطاء عند المتعلمين والمتكلمين. ومن هؤلاء اللغويين التطبيقيين: ابن قتيبة، وابن مكي، والقلقشندي، والحريري، والبطليوسي، وغيرهم كثير. لقد بَـيَّـنُـوا القواعد العامة للهجاء والإملاء، وذلك لضبط اللغة وتصحيح الكتابة.
وفي هذا السياق يقول القلقشندي([123]) "... لم يزل الشعراء يَلْهَجون بمدح أشراف الكُتَّاب وتقريظهم ويتغالون في وصف بلاغاتهم وحُسن خطوطهم. فمن أحسن ما مُدِح به كاتب قولُ ابن المعتز:
إذا أَخَـذَ القِـرْطَـاسَ خلْتَ يمـينَهُ تُفـَتِّحُ نَـوْراً أَو تُنَظـِّم جَـوْهَرَاً
وقال آخر:
يُـؤَلِّـفُ اللُّـؤْلُـؤَ المَنْـثُورَ مَنْطِـقُه ويَنْـظِـمُ الـدُّرَّ بالأقـلام في الكُـتُب
ولله در القائل في ذلك يصف القلم ([124])
وأَخْـرَسَ يَـنْطِـقُ بِالمُـحْكـَمَات وجُـثْـمَـانُه صَـامِـتٌ أَجْـوَفُ
بـِمـكَّـةَ يَنْـطـِقُ في خُـفْيَـةٍ وبـالشـام مَـنْـطِـقُه يُـعْـرَف
وقال علي رضي الله عنه: "الخط الحَسَنُ يزيد الحَقَّ وضوحاً". وكذلك أُولِعُوا بذَمِّ حَمْقَى الكُتَّاب، ولَهِجُوا يَهْجوهم في كل زمن. ومنه قول الشاعر في هجاء الكُتَّاب ([125]):
وكـاتـبٍ أقــلامُـــهُ مُـعَــوَدات بـالـغَـلَـطْ
يَـكْشِـطُ مـا يَكْتـُبُــه ثـم يُـعــِيـدُ مـا كَشَـطْ
وفي هذا الخصوص؛ يقول ابن قتيبة في أدب الكاتب ([126]): الكتُّاب يزيدون في كتابة الحرف ما ليس في وزنه، ليفصلوا بالزيادة بينه وبين المشبه له، ويسقطون من الحرف ما هو في وزنه، استخفافاً واستغناءً بما أُبقِي َ عما أُلقِيَ، إذا كان فيه دليلٌ على ما يحذفون من الكلمة. والعرب كذلك يفعلون، ويحذفون من اللفظة والكلمة، نحو قولهم: "لم يك" وهم يريدون "لم يكن" و "لم أُبَلْ" وهم يريدون "لم أُبَالِ"، ويختزلون من الكلام ما لا يتمُّ الكلام على الحقيقة إلا به، استخفافاً وإيجازاً، إذا عَرَفَ المخاطبُ ما يعنون به. وربما لم يُمْكِن الكتَّابَ أن يفصلوا بين المتشابهين بزيادةٍ ولا نُقصانٍ فتركوهما على حالهما، واكتفوا بما لم يدلُّ من متقِّدم الكلام ومتأخِّره مخبراً عنهما،
نحو قولك للرجل:"لن يَغْزُوَ"
وللاثنين "لن يَغْزُوَا"
وللجميع "لن يَغْزُوا"
ولا يُفْصَلُ بين الاثنين والواحد والجميع، وإنما يزيدون في الكتاب – فَرْقَاً بين المتشابهين – حروف المدِّ والِّلين، وهي الواوُ والياءُ والألفُ، لا يتعدَّوْنَها على غيرها، ويبدلونها من الهمزة. ألا ترى أنهم قد أجمعوا على ذلك في كتاب المصحف وأجمعوا عليه في أبي جادٍ. وأما ما ينقصون للاستخفاف فحروف المد واللين وغيرها.
ولقد أفرد ابن قتيبة في كتابه هذا باباً خاصاً – فيما يزيد على المئة صفحة- لعلاج وتصحيح الأخطاء الشائعة والعامة، التي تعترض المتعلمين في الكلام، والكتابة، وخاصة الكلمات المُعَلَّة والمُشكِلة.
وكذلك ناقش ابن مكي في كتابه بعض قواعد الإملاء، تحت فصل "باب من الهجاء" ([127]). فمن هذه الكلمات على سبيل الذكر لا الحصر، مثلاً: كلمة ابن، وابنة، وكل اسم على ثلاثة أحرف؛ آخره ألف، فإن ألفه لا تخلو أن تكون منقلبة عن واو أو عن ياء، فإن كانت منقلبة عن ياء فاكتبه بالياء...إلخ.
وفي سياق حديثه عن الهمزة، يقول([128]): تكتب الهمزة ألفاً في أول الكلمة، سواء أكانت مفتوحة أم مضمومة أم مكسورة، نحو: أَحد، أُبلم، إِثمد. وإذا كانت آخراً وقبلها ساكن فلا تكتب لها صورة في الخط، نحو، المرء، والجزء. هذا هو الأحسن... إلخ.
ولقد ذكر الحريري([129]) أيضاً بعض القواعد الإملائية لتصحيح الكتابة وتقويمها. حيث يقول: وقد عثرت لجماعة من الكبراء، على أوهام في الهجاء، عدلوا في بعضها عن رسومه المقررة، ولم يفرقوا في بعضها بين مواقع اللفظة المستطردة، فرأيت أن أكشف عن عوارها، وأنبه على التعري من عارها، لتتنوع فوائد هذا الكتاب، وتنجلي به أكثر الشُّبه عن الكتاب.
ومن هذه الأمثلة التي يشرحها ويصححها مثلاً: كلمة الرحمن. وكذلك يكتبون "الرحمن" بحذف الألف في كل موطن، وإنما تحذف الألف منه عند دخول لام التعريف عليه، فإن تعدى منها كقولك: يا رحمان الدنيا والآخرة أُثْبِتَت الألف فيه".
وكذلك بَيَّنَ البطليوسي([130])، قواعد الإملاء والهجاء في أحد فصول كتابه؛ فيقول مثلاً: "تُكتبُ إذا بالألف، ولا تكتب بالنون، لأن الوقوف عليها بالألف. وهي تشبه النون الخفيفة في مثل قوله تعالى: "لَنَسْفَعَاً بالنَّاصية" ([131]) و "ليكوناً من الصاغرين"([132]). إذا أنت وقفت على الألف، وإذا وصلت، وصلت بنون".