ولكن بعض الدارسين في عصرنا ينظر إلى هذا النقد نظرة مخالفة ويرى أن بجملته كان يرجح كفة القديم على المحدث، وأن النقاد المنهجيين تحيزوا إلى القديم على الرغم من إعلانهم الصريح عن تساوي القديم والحديث عندهم وعن خضوعهما لمقياس الجودة الفنية وحسب [17] . وحجتهم في ذلك أن مقاييس الجودة الفنية التي اتخذوها معياراً للحكم مرتبطة إلى حد كبير بالشعر القديم. وأن شواهدهم على فصاحة اللفظ وروعة التشبيه وحسن الاستعارة ولطف الكناية ... الخ مأخوذة من أبيات متفرقة من الشعر القديم، وأنهم في تحليلهم لنماذج من الشعر المحدث يرتبطون -بشكل ما بنماذج من الشعر القديم ويقيسونها بها ويشبهون جودة هذه بروعة تلك.
وأجدني أميل إلى هذا الرأي. ويشجعني على ذلك موقف معظم النقاد المنهجيين من حركة البديع في الشعر، فقد ترددوا في قبولها، وحاكموها بمقاييس الشعر القديم، وعدوها خروجاً على عمود الشعر [18] .
وكذلك الحال في موقف النقاد من محاولات التجديد الشكلية، فقد أهملها معظمهم، وعدها معظمهم محاولات هزيلة تدل على ضعف الشاعرية، وهذه صورة أخرى لارتباط المقاييس الفنية ارتباطاً شديداً بأنظمة الشعر القديم.
فابن رشيق الذي أنصف المحدثين وشعرهم في مثل قوله: "فالمولد المحدث على هذا إذا صح كان لصاحبه الفضل البين بحسن الاتباع ومعرفة الصواب، على أنه أرق حوكاً وأحسن دياجة" [19] . نجده بعد ذلك يشكك في المخمسات والمسمطات، وينسبها إلى ضعف الشاعرية فيقول: "وقد رأيت جماعة يركبون المخمسات والمسمطات ويكثرون فيها، ولم أرى متقدماً حاذقاً صنع شيئًا منها، لأنها دالة على عجز الشاعر وقلة قوافيه وضيق عطنه، ما خلا امرئ القيس في القصيدة التي نسبت إليه -وما أصحها له- وبشار بن برد، قد كان يصنع المخمسات والمزدوجات عبثاً واستهانة، وبشر بن المعتمر، فقد أنشد الجاحظ له أول مزدوجة، ووضع ابن المعتز قصيدة في ذم الصبوح، وقصيدة في سيرة المعتضد، ركب فيها هذا الطريق، لما تقتضيه الألفاظ المختلفة الضرورية، ولمراده التوسع في الكلام، والتملح بأنواع السجع" [20] .
مما سبق نصل إلى النتائج التالية:
أولاً: أن مفهوم الحداثة كان عند بعض النقاد لا يتعدى معناه اللغوي البسيط، أي الشيء الجديد، وبناء على هذا المفهوم رفض هؤلاء النقاد كل جديد يظهر في عصرهم دون أن يميزوا بين الجديد الذي يحمل سمات فنية جديدة، والجديد الذي هو نسخة عما قبله.
ثانياً: أن مفهومها تطور عند نقاد آخرين وأصبح يعني: الجديد الذي يحمل سمات فنية جديدة، وهذا المفهوم هو أساس مفهوم الحداثة في عصرنا الحاضر بعامة.
ثالثاً: أن النقاد القدماء لم يهتموا بمصادر السمات الفنية الجديدة، ولم يربطوا بينها وبين الثقافة الوافدة في ذلك العصر.
رابعاً: أن قضية الحداثة برمتها -كانت في النقد القديم- قضية مضخمة شغلت جزءًا أكبر من حجمها، واستهلكت من الجدل والنقاش أضعاف التجديد الذي جاء به المجددون.
(يتبع)
----------------------------
[1] ثمة إشارات كثيرة إلى بداية الشعر العربي: تربطه بالموسيقى أو بالعمل أو بالعبادة. انظر عرضاً موجزاً لبداية الشعر العربي في الدكتور أحمد كمال زكي: نقد -دراسة وتطبيق 65. دار الكتاب العربي -القاهرة 1967.
[2] انظر الدكتور إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر العربي 193-194 مكتبة الأنجلو 1972.
[3] استفدت في عرض ملامح التجديد في العصر الأموي من كتاب الدكتور شوقي ضيف: التطور والتجديد في العصر الأموي ص 60-142 دار المعارف بمصر 1959.
[4] الدكتور إبراهيم أنيس: موسيقى الشعر العربي 195-196 مكتبة الأنجلو 1965.
[5] البيان والتبين 1: 94 المكتبة التجارية الكبرى 1926م.
[6] الدكتور شوقي ضيف: العصر العباسي الأول 198 دار المعارف بلا تاريخ.
[7] استفدت في عرض ملامح التطور في العصر العباسي من: الدكتور شوقي ضيف: العصر العباسي الأول ص 159-200 ط دار المعارف بمصر بلا تاريخ -والعصر العباسي الثاني ص 203-254 ط دار المعارف بمصر 1973م.
[8] انظر رصداً لهذه الخصائص والمقومات في المؤلفات القديمة: ابن سناء شاء الملك: دار الطراز في مجمل الموشحات. بتحقيق جودة ركابي 1949. وفي المؤلفات الحديثة: د. مصطفى عوض الكريم. فن التوشيح. بيروت 1965م.
[9] انظر: الدكتور عمر موسى باشا: أدب الدول المتتابعة الصفحات 226-710. دمشق 1965م.
[10] ابن رشيق القيراوني: العمدة 1: 91 المكتبة التجارية الكبرى. بتحقيق محي الدين عبد المجيد.
[11] ابن رشيق القيراوني: العمدة 1: 91 المكتبة التجارية الكبرى. بتحقيق محي الدين عبد المجيد.
[12] ابن الأثير: المثل السائر 489 مطبعة حجازي بمصر 1935.
[13] الآمدي: الموازنة1: 22 دار المعارف بمصر 960 بتحقيق أحمد السيد صقر.
[14] السابق: 1: 23.
[15] ابن قتيبة: الشعر والشعراء 6 و7 دار حياء الكتب العربية. القاهرة 1364 بتحقيق أحمد محمد شاكر.
[16] ابن المعتز طبقات الشعراء المحدثين 86 دار المعارف بمصر 1968م.
[17] الدكتور محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب 130 دار نهضة مصر بلا تاريخ.
[18] انظر: الدكتور أحمد إبراهيم موسى: الصبغ البديعي في اللغة العربية 82-101 دار الكاتب العربي- القاهرة 1966.
[19] العمدة: 1: 9.
[20] السابق: 1: 182.