عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-15-2017 - 06:01 AM ]


فلنعد الآن إلى فن الحريري؛ لنرى ما جاء به متوسطا بين الجانبي؛ ن لنتحقق مصداق (خير الأمور أوساطها) ؛ فهو أفضل حتى في باب التكلف؛ فانظر إلى ما قاله عندما خلط بين ما صنعه في الأبيات الأولى والتالية لها، أي بين ترك النقط كلية والتزام التنقيط، فقد أتى هنا بعد كل كلمة غير منقوطة بأخرى منقوطة فسماها الأبيات الأخياف، أي المختلفة، فقال:
اسمح فبَثُّ السماح زين
ولا تُخِبْ آملا تضيَّف
ولا تُجِزْ ردّ ذي سؤال
فَنَّن أم في السؤال خَفَّف
ولا تظن الدهور تُبقي
مال ضَنين ولو تَقشَّف
واحلم فجَفْنُ الكرام يُغضي
وصدرهم في العطاء نَفنَف
ولا تَخُن عهد ذي وِداد
ثبتٍ ولا تبغ ما تزيّف [38]
فأنت ترى كيف جاء هذا الشعر المتكلف سلسا سهلا واضح المعنى قريبا إلى طرق أبواب القلوب بالنسبة لما سبقه، إذن التوسط خير في كل شيء.
ويلاحظ هنا أيضا أن الحريري مال إلى ذم الدنيا والتنفير منها بقوله: "ولا تبغ ما تزيف"، حيث عبر عنها بما يلازمها وهو الدرهم.
وفي النثر أيضا:
مرت بنا هذه الألوان في الشعر؛ إذن لماذا لا يصنع مثل ذلك في النثر أيضا؟ وهذا هو الذي حدث؛ فلم تفته الفرصة لبيان أو إثبات هذه المقدرة في النثر، وربما زاد عليها كما سنرى من الأمثلة الرمزية التي نسوقها الآن، إذ له رسالتان غير منقوطتين في المقامة الثامنة والعشرين والمقامة التاسعة والعشرين، وأرجو أن تلاحظ معي التزامه السجع والجناس وأحيانا الطباق في الأمثلة التي نوردها لك؛ فإليك بجزء مما ورد في المقامة الأخيرة: (من المنثور غير المنقوط) .
الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعو لحسم الأدواء، مالك الأمم، ومصور الرمم، وأهل السماح والكرم، ومهلك عاد وإرم، أدرك كل سر علمه، ووسع كل مصر حلمه، وعم كل عالم طوله، وهدَّ كل مارد حوله، أحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد العادل الصمد،.. إلى أن قال: "وادكروا الحمام وسكرة مصرعه، والرمس وهول مطلعه، واللحد ووحدة مودَعه، والملك وروعة سؤاله، ومطلعه..".
والخطبة طويلة يكفي ما وقفنا عليه الآن، وقد رأيت خلالها تلك الألوان البديعية التي أشرنا إليها، فهي بكاملها لون آخر من الألوان الصورية أو الخطية.
فإلى صورة آخرى للحريري، وهي رسالة أخرى جاء بها بصورة تبادلية: كلمة منقوطة وأخرى خالية من النقط، وهكذا إلى آخرها، وردت في المقامة السادسة.
قال: "الكرم ثبت الله جيش سعودك يزين، واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، والسمح يغذى، والمحك يقذى، والعطاء ينجي، والمطل يثجي، والدعاء يقي، والمدح ينقي، والحر يجزي، والإلطاط يخزي، وانطراح ذي الحرمة غي، ومحرمة بني الآمال بغي ... " هكذا إلى أن فرغ منها بهذه الصورة المعقدة المتكلفة، فهي كما ترى أشد تعقيدا من القصيدة المماثلة لها في اللون، يبدو أن المهم هو إبداء المقدرة على التشكيل ... والله أعلم.
الرسالة الرقطاء:
أما الآن فإلى لون آخر ورد في رسالة له سماها الرقطاء، التزم فيها بصورة أخرى من هذه الصور الخارجية التي لا صلة لها بالمعنى ولا بالتحسين اللفظي، ومع ذلك عاد أبو العباس ومدح هذا العمل وقال: "إنه أبدع فيها بما أراد وأغرب بها وأجاد"، ودعاه هذا الاستحسان إلى إيراد كثير من القطع الشعرية الواردة في مدح الرسائل، حتى قال: "إن منها ما يجري لها كالوصف".
أما تسميتها بالرقطاء فقد جاءت تشبيها لها بالدجاجة المرقشة المنقطة بسواد وبياض، لأنها جاءت بحرف منقوط وآخر غير منقوط من أولها إلى آخرها.
ونظرا لكونه لم ينظم أبياتا مستقلة بهذه الصورة فقد قام بإدماج بعض الأبيات بهذه الصفة داخل هذه الرسالة، فإلى شيء منها من خلال المقامة السادسة والعشرين:
(أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأيه تلف، وخلته نسب، وقطيعنه نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق، وقويم نهجه بان، وذهنه قلب وجرب، ونعته شرق وغرب:
سيد قُلَّب سبوق مُبِر
فطن مغرب عزوف عَيوف
مُخلِف مُتلف أغرّ فريد
نابِهٌ فاضل ذكي أَنوف
مُغلِق إن أبان طَبّ إذا نا
ب هياج وجل خطب مخوف
واستمر هكذا نثر، ثم شعر، ثم نثر، ثم شعر إلى آخر الرسالة التي يصعب تمييزها عن السابقة لها في الثقل والتعقيد.
الملحق بالبديع:
قبل أن نخرج من الحديث عن البديع عند الحريري نتساءل هل ترك ذلك الملحق الذي اعتاد البلاغيون أن يذكروه عقب الحديث عن المحسنات ويجعلوه ملحقا به؟
لم يبخل الحريري ولم يترك ذلك اللون المسمى بالسرقات الشعرية، إلا أنه اخترع لنا لونا جديدا من نظم الشعر وقال إن فيه سرقة لا كالسرقات المألوفة، لأنها تمت بأن وضع هو نفسه يده اليسرى في (جيبه) الأيمن، لهذا يبدو لي أنه لا يستحق أن تقطع يده بسبب هذه السرقة، وهذا اللون البديعي للحريري، صنعه بطريقة خاصة معينة، وهي أن يأتي بأبيات من الشعر على قافية الراء مثلا؛ فإذا حذفت الجزء الأخير من البيت تغير بحر القصيدة وتلون بلون آخر، وخرجت القصيدة في ثوب آخر جديد، وانتهت بقافية أخرى جديدة؛ فالمثال أحسن موضح لجواب السؤال، وإليك بما نقول من المقامة الثالثة والعشرين:
يا خاطِب الدنيا الدَّنيّة إنها
شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها
أبكت غدا بعدا لها من دار
وإذا أظل سحابُها لم ينتقع
منه صدى لِجَهامه الغرّار
غاراتها ما تنقضي وأسيرها
لا يفتدى بجلائل الأخطار
كم مُزدهي بغرورها حتى بدا
متمردا متجاوز المقدار
قلبَتْ له ظهر المجن وأولغت
فيه المُدى ونَزَت لأخذ الثار
فاربأ بعمرك أن يمر مضيَّعا
فيها سُدى من غير ما استظهار
واقطع علائق حُبّها وطلابها
تلق الهدى ورفاهة الأسرار
وارقُب إذا ما سالمتْ من كيدها
حرب العِدى وتوثب الغدّار
واعلم بأن خُطوبها تفجا ولو
طال المدى وزنت سرى الأقدار
فهذه القصيدة إذا اقتطعت منها الجزء الأخير صارت مثل ما أشرنا في أول الحديث هكذا:
يا خاطب الدنيا الدنيـ
ـة إنها شرك الورى
دار متى ما أضحكت
في يوما أبكت غدا
وإذا أظل سحابها
لم ينتقع منه صدى
غاراتها ما تنقضي
وأسيرها لا يفتدى
وهكذا إلى آخر الأبيات التي مرت بك.
وهذه القصيدة يمكن أن تكون شاهدا لما أشرنا إليه من ذم الحريري للدنيا وتقلباتها.
والآن لست أدري بم نسمي هذه السرقة، هل هي سرقة شرعية أو أنها سرقة شعرية غير شرعية؟ المهم أنها ليست من السرقات الشعرية الاصطلاحية الملحقة بفن البديع، وإن كانت بديعة؛ أعني طريفة في نفسها؛ لأنهم يشترطون الانتقال من جيب شاعر إلى جيب شاعر آخر، لكن هذا ربما جاز أن يسمى بالبديع الصوري؛ فهو كما رأيت يهتم بالصورة والإتيان بالطرائف فيها، وله قدرة في التشكيل وإخراج أفانين القول وتقليب الأساليب.
وبعد:
فما رأي شيخ البلاغة العربية في هذا وأمثاله، يقول الشيخ بعد مناقشات طويلة: وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق [39] نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته - وإن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النبيذ: "أجمع أهل الحرمين على تحريمه" [40] .
أعتقد أن لكل قارئ الآن الحق أن يحكم بنفسه على ما وقفنا عليه.
والله الموفق وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

-----------------

[1] وكانت ولادته سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتوفي خمس أو ست عشرة وخمسمائة. راجع مقدمة الشريشي في شرح المقامات.
[2] هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني، يقال إنه كان ظريف النثر مليح غرر النظم؛ فقد كانت له عجائب وغرائب، وإنه لم يلف نظيره في عصره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر وصفاء الذهن، وافاه الأجل بعد أربعين سنة من عمره عام 393هـ.
[3] راجع الشريشي ج 1 ص 14- 15.
[4] فراجع في ذلك مقاماته.
[5] الشرة: القلق والانتشار، ومنه أخذ معنى الشر، ومنه شرر النار. اللسن: حدة اللسان. فضول: زوائد. الهذر: إكثار الكلام بغير فائدة. المعرة: العيب والعار. اللكن: احتباس اللسان عند الكلام. الحصر: العي وضيق الصدر.
[6] راجع مسند أبي داود الآداب 35 وأحمد بن حنبل 3/224
[7] الرزداق: الموضع الخارج عن القرية أو المدينة، ويسمى الرستاق ومخلاف وكورة. والرزداق: فارسي.
[8] سورة النمل الآية 88 - جاء ذكر الأحاديث مختلطا بالآيات حسب ما أشرنا في أول كلامنا.
[9] سورة النور الآية 35.
[10] سورة المرسلات الآية 25، 26.
[11] صحيح مسلم وأبي داود والترمذي (في الجنائز) .
[12] سورة الصافات آية 61.
[13] سورة التكاثر آية 4.
[14] سورة الكهف آية 104، وراجع الشريشي ج 1 ص 23.
[15] من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتب الأمثال، وإلى الشريشي ج 3 ص 4- 8.
[16] يمكن الرجوع إلى الباقي من هذه الأسئلة في المقامات من ص 337- 353. طبعة صبيح.
[17] التكمي التغطي، والكمي الشجاع التام السلاح. البيضة: المغفرة. واليلب: دروع من الجلود ثم أطلق الحديد.
[18] منتدبين مجتمعين في ناد وهو المجلس. ونبل: بضم النون بمعنى أصحاب فضل، وبالفتح بمعنى السهام.
[19] من أراد الوقوف على باقي الأبيات التي اختيرت هذه من بينها فليرجع إلى المقامات ص 499.
[20] راجع إن أردت الزيادة للشريشي ج 3 ص 150.
[21] راجع المقامة الثالثة والأربعين.
[22] المقام مقام إبراهيم. والمقام الثاني الإقامة في الوطن، جمع: اسم مزدلفة لاجتماع الناس فيها، الحطيم: اسم حجر بمكة المكرمة. راجع الشريشي ج 4 ص 142.
[23] مصاف: صادق في رده، معين: بفتح الميم ماء كثير قصد به صاحب كرم فهو استعارة، معين: بضم الميم الذي يعين بماله. الثمين: النفيس الغالي الثمن يريد أن الناس قد استووا في الأفعال السيئة. يشير بذلك إلى الحديث الشريف: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا استووا هلكوا، ومعنى ذلك أن الناس في الغالب إنما يتساوون في الشر ولا تجدهم كلهم فضلاء، لأن الخير قليل، وعلى هذا بنى الشيوعيون نظرياتهم ولذلك يميلون إلى إثارة الأحقاد والفتن وزرع الشر بين الناس لمحو الخير بينهم.
[24] في القاموس المحيط: السراويل: فارسية معربة (وقد تذكر، الجمع: سراويلات أو جمع سروال وسروالة أو سرويل بكسرهن وليس في الكلام فعويل غيرها والسراوين بالنون لغة والشروال بالشين لغة أيضا.
[25] بقد يقد: قد: قوام يقد: ينقطع لرقة خصره، فقد جاء بلفظ (يقد) مكان ينقطع لضرورة الازدواج. تلاه: تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران؛ لأنه رأى نهدا لا يستطيع أن يصبر عنه. الظرف: الرشاقة. والطرف: العين. الناعس: الفاتر النظر. والناعش: الذي ينعش من ينظر إليه ويروى تاعس. كما في هذا البيت بمعنى مهلك. ويقال إن معنى ناعش: بالشين حامل للناظر على النعش، وعلى كل معناه يدور حول القتل ماعدا المعنى الأول الذي ذكره الشريشي. يحد: بضم الحاء: يمنع أي يمنع من رآه من التسلي عنه. زها: تكبر. تاهت: زهت وهو ضرب من الكبر. باهت فاخرت وعظمت. اعتدت: ظلمت. يخد: بضم الخاء يقطع في القلوب. شطت: بعدت. سطت: بطشت. نم: بالنون: أفشى ما به من الحب. وجد: حزن من الحب. جد: اجتهاد. مغضيا: متغافلا. يود: يتمنى. يود: يحب. الأول بالبناء على الفاعل والثاني على المفعول. المعنى: لما أفشى لها وجدي ما أكنه لها من حب وأبصرت ما فعله من هجرانها بي، دنت مني عند ذلك شفقة وحيتني وأنا الغضبان المتغافل المتناسي لما سلف منها من الهجران.
[26] ندي: مجلس. ندى: كرم. جدى: عطية. عقار وقرى: العقار: المال الذي لا ينقل كالمباني والنخيل، والقرى: جمع قرية. المقار: الجفان لإطعام الضيف. قطوب: عبوس. الخطوب: الشدائد. الكروب: الهموم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مما أعلم أنه لا يقوله مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس": {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت..} الآية. انتياب: نزول. النوب: النوازل. صفرت: خلت. قرعت: خلت من المال.

رد مع اقتباس