عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي اللغة العربية والطبيعة الموسيقية الحسية الكامنة فيها

كُتب : [ 09-15-2017 - 05:30 AM ]


اللغة العربية والطبيعة الموسيقية الحسية الكامنة فيها


د. رضا العطار



"لو كانت موسيقية اللغة العربية عند البعض موضع مفاخرة، فإنها عند ناقد العقل العربي موضع معايرة"*.

آية ذلك أن الأذن هنا تنوب عن العقل في الرفض والقبول، ومعروف في اللغة العربية أن الأذن هي التي تستسيغ وليس العقل، فمن وجهة نظر تشريحية، ليس للأذن عضو السمع، أي استقلال عن الدماغ، عضو العقل، وهي محض حاسة ناقلة، وليس لها أن تسمع وأن (تستسيغ) إلا بقدر ما يأمرها الدماغ، أن تسمع وأن تستسيغ، ولئن جاز في اللغة أن يقال إن الأذن تسمع وتستسيغ، فإنما ذلك على سبيل المجاز الذي فقد مبرره وسنده الظاهر من الواقع بعد تطور البحث العلمي.

فما دامت اللغة (أصواتًا) فهي لا تقبل فصلا عن أداة إرسالها التي هي اللسان وأوتار الحنجرة، ولا عن أداة تلقيها التي هي الأذن وطبلتها، وليس من قبيل الصدفة أصلاً أن يستعير علم التشريح هنا بعض مصطلحاته من علم الموسيقى.

فالموسيقى، مثلها مثل اللغة، قابلة للحد بأنها (أصوات) أو بتعبير أدق (أصوات مؤتلفة)، وبدون أن ننكر أن للموسيقى غرضًا تعبيريًّا، فإن غرضها الأول ليس التعبير عن أغراض بل إمتاع الدماغ، بواسطة الأذن، بما بين أصواتها من ائتلاف وتساوق.

اللغة والموسيقى يجمعهما إذن قاسم مشترك : العلاقات الصوتية، بل إنهما قد تتبادلان الأدوار إلى حد إباحة الكلام عن لغة الموسيقى وموسيقى اللغة، واللغة، بنصابها من العلاقات الصوتية، لا تملك خيارًا إلا في أن تكون موسيقية.
بل ليس ثمة لغة بشرية إلا وهي موسيقية، وقد تختلف موسيقى لغات البشر بقدر اختلاف اللغات نفسها، ولكن ما من أذن شعب إلا و تستسيغ موسيقى لغتها، وبما أن العربية لا تتمتع من وجهة النظر هذه بقدر خاص بين اللغات، فإن موسيقاها لا يمكن أن تتخذ موضوعًا للمعايرة.

لكن أن تكون العربية، ككل لغة من لغات البشر، موسيقية، فهذا لا ينفي أن تكون لها، ككل لغة من لغات البشر أيضًا خصوصيتها الموسيقية.

فمفرداتها تحمل أوزانها في مبناها بالذات، وموسيقى العربية هي موسيقى مبنية من الداخل، وليست مضافة من الخارج، وبما أن الموسيقى هي بالأساس علاقات عددية، وبما أن التجريد العددي هو النموذج الأمثل للتجريد العقلي، فهل من دليل أقطع من هذا على أن العربية قابلة بحكم طبيعتها الوزنية بالذات لدرجة عالية من التجريد المنطقي؟ وإذا صح على هذا النحو أن أوزان المفردات العربية هي لها بمثابة قوالب منطقية قبلية، فهل من دليل أسطع من هذا على أن العربية إذ تخاطب الأذن فإنما تخاطب من خلالها، أول ما تخاطب، العقل؟

موسيقى العربية بنية داخلية إذن قبل أن تكون واجهة خارجية، أو قل إنها موسيقى عقلية أكثر منها موسيقى حسية، وبمعنى من المعاني يمكن القول عن موسيقى العربية إنها من طبيعة شطرنجية. . فهي محصورة الخانات طليقة الحركة، ولكن هذه الحتمية الظاهرة تباطنها حرية حركة واسعة، الصيغ الوزنية للغة العربية لا تتعدى المئة، لكن جذور العربية تجاوز العشرين ألفًا، فلا العربية تأبى النشاز وهي تتشدد في الرهافة الصوتية إلى حد تأبى معه تحويل جميع الممكنات الوزنية إلى وقائع لفظية . . . ونحن لا نماري طبعًا في أن العربية تنوء تحت وطأة موروث ثقيل من الممارسات الموسيقية الخارجية الجوفاء، فالتسجيع والتصنيع اللفظي هيمنا على أدب العربية طوال حقبة مديدة وجدت تتويجها في العصر الذي سُمي بعصر الانحطاط.

ولكن ناقد العقل العربي لا يستهدف النتاج الذي أنتج بالعربية في حقبة بعينها من حقب تطورها أو نكوصها بل يستهدف ذاتها من حيث هي لغة ومن حيث هي لغة العقل، لتعقل ذاته، صحيح أن لغة الأعرابي البدوي الفقير لغة قوالب جامدة ذات نغمة موسيقية تعوض فقر المعنى، وتجعل الكلام الذي يجر معه فائضًا من الألفاظ ذا معنى حتى ولو لم يكن له معنى.

_____

* نص مقتبس من كتاب إشكالية العقل العربي لجورج طرابلسي - بناية النور شارع العويني - بيروت 2011


رد مع اقتباس