عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-11-2017 - 08:32 AM ]


ويقول الأستاذ إبراهيم عمر الزيبق في الشيخ النفاخ:
لئن نأت بنا السنوات بعيدًا عن تلك الغرفة الصغيرة التي كانت تضمنا مع أستاذنا " أحمد راتب النفاخ " " 1927ـ 1997م " في بيته بسفح جبل " قاسيون " ، إنَّ في ذكراه ما يقربنا إليه ، فهو في مجالسنا الحاضر الغائب ، لا تكاد نكفكف الحديث عنه ، وقد امتدَّ ساعات حتى نعود إليه كأنشط ما نكون ، في أعماقنا إحساس نواريه ونداريه .. وهو أن في الأستاذ سرًا غامضـًا لا ندري كنهه .. سرًا يتفلَّت منا كلما حاولنا كشفه بالكلمات ، وينفضُّ المجلس وفي صدورنا بقايا أفكار .. وفي قلوبنا حزن أسيف .
وفي البيت أجلس إلى أوراقي أحاول أن أخلط عليها ملامح أستاذنا عساي أن أقتنص هذا السر الذي جعل منه شخصية عصية على النسيان ، والناس فيه بين محبٍّ غالٍ ، ومبغض قالٍ . وتعود بي الذكرى إلى ذلك اليوم الذي عرفت فيه " النفاخ " ، أول ما عرفته .. كان ذلك في منتصف السبعينيات حين كنت أمينـًا لقاعة الباحثين في المكتبة الظاهرية ، رأيته يدخل القاعة متجهـًا إلى طاولة المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني مسلمـًا عليه ، كان يخطو بوقار ، وعلائم الجد بادية على ملامحه .
وحين هَبَّ مَنْ في القاعة وقوفـًا يرحبون به اكتست ملامحه فجأة معاني التواضع ، وأكاد أقول معاني الحياء .
هذه الملامح بقيت عالقة في ذاكرتي لم تمحها السنون ، ملامح صارمة ما كان أسرع انقلابها حين تخجل إلى وداعة أقرب إلى وداعة الطفولة .
ونازعتني نفسي إلى زيارته في بيته ، وطلبت من صديقين كانا من طلابه في الجامعة أن يصطحباني إلى زيارته حين يزورانه .
جمال وهيبة :
قرعنا الباب بقلب خافق .. هذه أول زيارة لي لعالم اسمه يملأ السمع ، وتخيلت فيما تخليت بيتـًا واسعـًا ، وأثاثـًا مترفـًا ، ومكتبة ضخمة ، ووجهـًا يطل علينا مترفعـًا متجهمـًا ، وإذا الباب يفتح ويطل علينا الأستاذ بوجه طلق ، تزيده قوة النظرات جمالاً وهيبة ، ودلفنا عبر ممر ضيق إلى غرفة هي إلى الصغر أقرب ، قد صفت فيها آرائك قديمة ، ما إن جلست على واحدة منها حتى انبعث منها أنين البلى ، تلفت أبحث عن المكتبة فلم أر إلا ركامـًا من الكتب على طاولة صغيره .. وقد زحف بعضها إلى الأريكة المجاورة واحتلها .. كانت بقايا أشعة الشمس الغاربة تعكس عبر زجاج النافذة ضوءًا باهتـًا ، وعلى الجدران لونـًا حائلاً ، ربما من أثر المدفأة في الشتاء ، حقـًا إنها لم تلمسها يد امرأة قط .
وأقبل علينا الأستاذ " النفاخ " وقد جلس على أريكته بوجه يطفح بالبِشر ، وشعرت أنه قريب مني حقـًا ، فنظرت إليه ، ولكني لم أقو على التحديق في عينيه ، كانت عيناه الزرقاوان من تلك العيون التي لا تحتمل أن تنظر إليها أو تنظر إليك .. عينان مفعمتان بمعاني الرجولة الحقة ، والعجيب حقـًا أنك تشعر حيالهما بجمال عذب ، كلما واتتك الشجاعة ، واختلست نظرةً إليهما .
ومع أننا كنا في أوائل العشرينيات من عمرنا ، نحبو في أولى خطواتنا في طريق العلم ، والأستاذ في السابعة والأربعين ،فقد راح يحدثنا في بعض مباحث اللغة الدقيقة، وكأننا أساتذة حقـًا نفهم عنه ما يقول .
وتوالت زياراتي له عند الأصائل في بيته ، وكان بيته في ذلك الوقت مثابة لطلاب الجامعة ومحبي العربية ، ما إن يدخل زائر حتى يُقرع الجرس لقدوم زائر جديد ، وتغص الغرفة على صغرها بالزوّار ، فتراهم حين تضيق بهم الأرائك يفترشون الأرض متزاحمين ،منصتين للأستاذ غاية الإنصات.
كان المستمع إليه أول مرة لا يكاد يتبين حروف كلماته ، فقد كانت تخرج من فيْه عميقة ممتلئة ، يكاد يدخل بعضها في بعض ، ولكن إن أرهفت السمع واعتدت الإنصات ، فإنك سامعٌ لغةً لا عهد لك بها ، لغة فصيحة سهلة دقيقة ، تصيب المعنى بأوجز لفظ ، لغة تنقلك إلى ذلك العصر الذهبي الذي كان من
أعلامه المبرِّد وابن جني وأبو علي الفارسي . لغة أُشْربتها روحُ الأستاذ ، فلا ينفك عنها أو تنفك عنه ، ويتبدّى لك من خلالها فهمُ الأستاذ العميق لأسرار هذه اللغة ، وعشقه لها ، وناهيك به فهمـًا أنه كان من قلة قليلة قد أحاطت بكتاب سيبويه علمـًا .
وكثيرًا ما كان يعرّج في أحاديثه على كتاب من كتب تراثنا ، وقد حقق ، فكنت تراه وهو يقلب صفحاته قد ملأ هوامشه باستداركاته وتعقيباته بخطه الدقيق الواضح الجميل .
عَلَمٌ لا يجاري !!

*وفاته:
توفي النفّاخ في دمشق ودفن في مقبرة الروضة على سفح جبل قاسيون مجاوراً ابن مالك (ت672هـ)،توفي فجر يوم الحمعة 11 شعبان 1412 هـ الموافق 22 فبراير 1992.

----------------------------
1-من شوامخ المحققين ... أستاذنا علامة الديار الشامية أحمد راتب النفّاخ الألوكة مقال للدكتور مروان الظفيري:
http://majles.alukah.net/t3099/
2-أستاذنا علامة الديار الشامية أحمد راتب النفّاخ: ملتقى أهل التفسير مقال للدكتور مروان الظفيري: https://vb.tafsir.net/tafsir6741/#.WbYZ3WgweSo
3-الموسوعة العربية:
https://www.arab-ency.com/ar/%D8%A7%...A7%D8%AA%D8%A8
4-من رجالات دمشق / أحمد راتب النفاخ ... معلم الإتقان بقلم د. محمد حسان الطيان صحيفة الرأي:
http://www.alraimedia.com/ar/article...23/39011/nr/nc
5-أحمد راتب النَّفَّاخ ...حجّة العلم وتواضع العالم بقلم الأستاذ إبراهيم عمر الزيبق:
http://articles.islam***.net/media/i...lang=A&id=1713
6- الموسوعة الحرة:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3...81%D8%A7%D8%AE

رد مع اقتباس