عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-06-2017 - 07:41 AM ]


في نظر كلود لفيس ستروس (C.Levi-Strauss 1958) : "اللغة هي في آن واحد فعل ثقافي في غاية الجودة وهي بواسطتها تنشأ وتنبني كل أشكال الحياة الاجتماعية وتصبح ذات ديمومة ". ونستوضح مع فيتوري هذه المقولة بما يلي: إذا ما طبقت هذه المقولة على الحقيقة المغاربية فإنها تسمح بالوعي بعمق الآثار التي نجمت وتنجم عن التثاقف على لغة الأفراد. إذ يكفي مد الأذن في أروقة المدارس وفي الأماكن العامة لمعرفة حالة التلف الذي توجد فيه لغة هؤلاء الناس. وقد ساهم التمدرس والازدواجيتان اللغوية والثقافية في تكريس ذلك؛ فهذا الخليط اللغوي بين العربية والفرنسية يترجم بجلاء الغموض الذي أنجزه التثاقف. فمنذ حلول الاستعمار إلى يومنا هذا ولغة طلبة الجامعة أو التلاميذ في المدارس أو حتى العوام لا تخلو جملة يتلفظون بها من مفردتين فرنسيتين مكيَفتين، هذا عن من يدرس بالعربية فماذا يقال عن الذين درسوا في المعاهد العليا الفرنسية وعن الناطقين بالبربرية؟ [نحن نؤكد]

الثقافة وتعدد اللغات:
إن النفوذ إلى ثقافة ما يتطلب بالضرورة التحكم في اللغة المطابقة لها. لكن بعد أن تأمل فيرنيتش (Weinreich 1973) في العلاقة لغة / ثقافة صرّح قائلا: "لو أن التواصل قد حُصر في حدود الطوائف اللغوية فسيكون في الإنسانية عدد من الثقافات المتنوعة الذي يماثل عدد اللغات. وهذا الأمر غير منطقي، فوجود التشابهات الثقافية المدهشة بين أقطار ذات لغات مختلفة اختلافا كبيرا لدليل على أن التواصل يمكن، بل ويجب أن يحدث بحيث يتعدى الحدود اللغوية ". وحسب فيرنيتش دائما فالثقافة لا تحدد بالضرورة اللغة نظرا لكون التشابه الثقافي يمكن أن يتأقلم بالتنوع اللغوي.
وإذا كان هذا الأمر حقيقة فإن بعض الشروط ينبغي أن تتوفّر لقبول هذا الافتراض: كأن تكون اللغات التي تلتقي في نفس الثقافة تنتمي إلى نفس العائلة اللغوية مثلا، أو أن اللغة الأولى واللغة الثانية قد تعيشتا دون صراع أو رفض أو نبذ، أو أن تكون الثقافة التي تلتقي فيها لغتان أو أكثر أكثر ثراء وأوسع أفقا، بحيث يطمح متحدثو هاتين اللغتين إلى تشرّب هذه الثقافة دون أية عقدة أو شعور بالنقص. والشرط الثالث الذي يمكن إضافته يكمن في عدم تصارع العقيدة مع أيٍ من اللغات المتواجدة في نفس الثقافة التي تحتوي هذه العقيدة. هذه الشروط تنطبق على كل من العربية والبربرية بصفة الأولى لغة العقيدة (لكن التثاقف قد كوّن مشكلات أدت الى التراجع عن قبول العربية من قبل الناطقين بالبربرية خاصة الحاملين للثقافة الفرنسية والفقراء إلى الدين واللغة العربية) مما جعلنا نبحث الموضوع وآثاره على الأطفال المتمدرسين وبصفتنا ننتمي الى هذه الشريحة من المجتمع الجزائري ونغار على لغة الضاد والقرآن.
ويرى كل من هامرز (Hamers) وبلان (Blanc) (1983) "أن الطفل عندما يدخل المدرسة يكون قد استخدم لغته من قبل، من خلال مختلف الوظائف (التواصلية والعاطفية ثم تدريجيا الوظيفة المعرفية) . فإذا كانت هذه الوظائف المعرفية قد نمت نسبيا نموا ناقصا وأن المدرسة تستثير الطفل على تنميتها وتطويرها من خلال لغة أخرى فإن ذلك يُحدث نوعا من الانقطاع المجحف لنموه المعرفي. وعكس ذلك إذا كان الطفل قد دخل المدرسة بنمو لغوي تام في اللغة الأولى، وأن هذه الأخيرة مقيّمة ومعتبرة في كل من العائلة والمدرسة فلن تكون لديه عقبات لاكتساب لغة ثانية في المدرسة ". ومن هنا طالبنا بأن يُلحق أبناء الناطقين بغير العربية بالتعليم ما قبل المدرسي من أجل تحضيرهم لتعلم اللغة العربية بشكل سليم.
وحسب روندال (Rondal وآخرون 1983) فالطفل يسهل عليه أن ينتمي انتماء ثقافيا مضعفا إذا كانت الطائفة التي ينتمي إليها تتقبل هذه الفكرة مما لو كانت ترفضها. فالصراع الناتج عن التمييز اللغوي بين العربية والبربرية قد يمدد إلى المجال الثقافي، رغم انتماء هذه الأخيرة إلى أسرة الثقافة العربية الاسلامية منذ أكثر من سبعة قرون. فالطلب الذي كان ملحا للإعتراف بالأمازيغية أسبابه سياسية لكن جذوره تمتد إلىأسباب ثقافية، ولهذا السبب ينبغي بحث هذا الجانب النفسي/الاجتماعي وأثره على تعلم اللغة العربية عند أطفال هذه المناطق.

الدراسات السابقة:
لقد أجري عدد من الدراسات حول مشكلات تعل|م اللغة العربية في مراحل التعليم العام، وخاصة في مرحلة التعليم الأساسي في الجزائر. كان البعض منها بهدف الحصول على إجازة جامعية، بينما أنجز البعض الآخر بهدف الكشف عن الموضوع. أما الدراسات الأجنبية حول صعوبات تعل|م اللغة العربية في الجزائر فلم نعثر عليها. وأما دراسة المشكلة في المناطق الناطقة بالبربرية فلم ينجز من قبل.
وفيما يلي نستعرض أهم نتائج هذه الدراسات:
في سنة 1989 ظهر كتاب مليكة بودالية قريفو (Grefou) بعنوان "المدرسة الجزائرية من ابن باديس إلى بافلوف". فقد بينت الدارسة بالمقارنة الدقيقة أن أهداف تعليم اللغة العربية في الطور الأول، هي نفس أهداف تعليم اللغة الفرنسية في أقسام التكييف الخاصة بالمتخلفين تخلفا عقليا بسيطا بفرنسا، وأن منهاج هذه اللغة هو نفس منهاج اللغة في هذه الأقسام.
أما عن الطريقة المتبناة لتدريس اللغة العربية، فتتمثل في تلك التي تتبناها اللغات الأجنبية في بداية ظهورها، وهي المنبثقة من المذهب "السلوكي البافلوفي". وقد صرّح بها واضعو المناهج في كتيب المعلم الخاص بالتوجيهات (سنة رابعة أساسي) . إلا أن المؤلفة قد طرحت مشكلة هامة وكان من الأفضل أن تستخلص من خلال دراسة ميدانية استطلاعية شاملة، حتى يكون لها أثر أقوى في نفوس المسؤولين عن التربية والتعليم، ويبحثون عن الحلول المناسبة لها. كما أنها لم تقدم حلولا للمشكلة المطروحة حتى يستفاد منها في الانطلاقة في العلاج المناسب لها.
كما قامت الأستاذة خولة طالب الإبراهيمي بدراسة (باللغة الفرنسية) حول مدى استجابة منهاج اللغة العربية في التعليم الأساسي لحاجات المتعلمين ولمتطلبات تعلّم اللغة التي تدرّس بها المواد الدراسية (لغة المدرسة) . فتمثلت النتائج في النقاط التالية:
* تجاهل واضعو منهاج اللغة العربية مما أتى به علم الاجتماع وعلم النفس اللغويين والتربية العملية والتعليمية من نتائج علمية حول تعليم اللغات. وهنا اتفقت مع مليكة قريفو حول طريقة تعليم اللغة العربية.
* وبينت أن ذلك أدى إلى إحداث قطيعة على المستوى الاجتماعي/اللغوي تتمثل في الرفض المتصلب للخبرة المعيشة والمكتسبات اللغوية للطفل في مرحلة ما قبل المدرسة. فلغة المدرسة لغة مصطنعة لا يمكن أن تتحقق في حياة المتكلم الجزائري، وهي في نفس الوقت لا تنطبق على اللغة الشفهية المتصفة بالعفوية. * وترى أن الوضع الذي تدرس من خلاله هذه اللغة يكوّن أهم أسباب الرسوب وعدم السيطرة على اللغة، ويؤدي ذلك إلى نفور التلاميذ من تعلمها ومن كل ما يمت بصلة إليها.
* ومن ناحية الاستمرارية اللغوية بين أطوار التعليم ترى الباحثة أن " الانتقال من لغة مصطنعة مفصولة عن بيئتها الطبيعية إلى سجل لغة أكثر ثراء ومطبوعة بدقة البلاغة يؤدي إلى قطيعة خطيرة في استمرارية اللغة. مما يجعل التلاميذ يفقدون معالمهم الاجتماعية اللغوية، لأن لغة المدرسة أو اللغة المدرسية في المدرسة لا علاقة لها بحقيقة بيئتهم ...
في نهاية المسار التعليمي، لا يسيطر التلاميذ على أي من اللغتين المكتوبتين (العربية والفرنسية) المتنافستين باستمرار في المجتمع. وقد نتج عن هذه الظاهرة فقدان هؤلاء لمعالمهم اللغوية والثقافية ووصل الأمر بهم إلى عدم معرفتهم كيفية التبصّر والتفكير وتأليف نصوص منتظمة.
وحسب المؤلفة دائما أن المدرسة اعتبرت لغة الطفل ما قبل المدرسة لغة خاطئة لذلك فهي تحتاج إلى تصحيح بحيث تطابق سجلا هو الوحيد الذي يعتبر مشروعا ويكون ذلك بإحداث قطيعة عنيفة بين عالم المعرفة للطفل وعالمه المدرسي وذلك من خلال تغطيسه في عالم من الترويض البافلوفي الآلي والمنفّر والذي يفقد معاني الإبداع، وذلك بوضعه في قالب معد مسبقا، عن طريق الترويض الذي يساهم، بطابعه التكراري، في إفقار قدرات التلميذ والتي قلصت إلى مستوى الببغاوة، إثر تعليم آلي "بنيوي" مؤسس على النموذج:
مثير -> استجابة، أساس المنهجيات المباشرة والسمعية البصرية البنيوية الكلية التي سيطرت على تعليم اللغات طوال عشرات السنين، نموذج تعليم الذي ذُمّ من قبل عدد من المختصين منذ الشروع في تطبيقه.
في النهاية اقترحت المؤلفة عددا من الاقتراحات نلخصها فيما يلي:
الاهتمام بخبرات الطفل ما قبل المدرسة وبرصيده اللغوي الذي يساعده على ترقية الرثيد الذي سيحثل عليه في المدرسة.
ينبغي الاضطلاع والأخذ على العاتق الثنائية اللغوية (المعبر عن المسافة بين لغة الطفل ولغة المدرسة) وليس بالتنديد والإبعاد للغات المحلية من حقل تعليم/تعلم اللغة. وبالعكس ينبغي العمل على تسهيل دخول الطفل إلى كل سجلات الذخيرة اللغوية الشفهية المستعملة في المجتمع الجزائري.
وفي الختام لتحديد الاستعمالات التدريسية في تعليم اللغة العربية ينبغي:
أن يقدم في هذا التعليم المقاربة النصية (استعمال النصوص) التي تتحمل على عاتقها كل أبعاد إنتاج نص (إذا خطابا) ، وما يجعل فعل القراءة فعلا منتجا ومحركا للنشاطات اللغوية الأخرى إذ هناك نشاطات عدة يمكن تحقيقها في الصف. وذلك باستخدام الاشتقاق في العمليات الكبرى للتصنيف الدلالي والنحوي، والذي يشكل جهاز تنظيم وبناء العمليات اللغوية التي يحققها المتكلم عندما يتحدث ... تحديد يجعل من التلاميذ والمعلمين الممثلين الأساسيين للفعل التربوي التعليمي".
وهناك دراسة قامت بها شريفة غطاس (في إطار تحضير أطروحة دكتوراه) حول "الطفل الجزائري وتعلم اللغة العربية في المدرسة الأساسية " (1995) وأهم النتائج التي توصلت إليها ما يلي:
يملك الطفل الجزائري كفاءة لغوية أرقى بكثير من تلك التي الكفاءة التي تعمل المدرسة على تنميتها وتوطيدها.
يتمكن الأطفال ذوي عمر الخامسة والسادسة من إنتاج نص التعبير الشفهي غير محرف وخال من الأخطاء طوله يماثل طول نص أطفال هذا العمر، وعدد الجمل التي يحتوي عليها النص أكثر بكثير من المضمون المبرمج في الكتاب المدرسي، وهي جمل منسّقة ومرتبة ومنسجمة مع المضمون المقصود.
بينت الدراسة أن كفاءة الأطفال في سرد قصص تختلف حسب نوع الاختبار المقترح على الطفل، وقد أظهر أفراد العينة، سواء في إنتاج قصص حرة أو مرددة كفاءة أكثر من غيرهم.

رد مع اقتباس