عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-24-2017 - 06:30 AM ]


وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها، وهو كقول الشاعر:
له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
فلم يشبع.
وقول الآخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد
فقال: «ألم يأتيك» ، فلم يجزم.
وقال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
فحرّك حرف العلة.
وقال قعنب بن أمّ صاحب :
مهّلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
فأظهر التضعيف.
ومثله قول العجاج :
تشكو الوجى من أظلل وأظلل
وقال جميل :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدّهر منّى ومن جمل
وقال :
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر وتكثير الوشاة قمين
فقطع ألف الوصل.
وقال غيره :
من الثّعالى ووخز من أرانيها
إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال.
وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السّناد والإقواء والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.
وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.
فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم:
يضحك منها كلّ عضو لها ... من بهجة العيش وحسن القوام
ترفل فى الدّار لها وفرة ... كوفرة الملط الخليع الغلام
كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا:
«بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.
وقول ابن طباطبا:
وعجلة تشدو بألحانها ... وكانت الكيّسة الخادمه
لو قال: «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.
وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة:
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
فقال له الملك : أفسدتها ببوزع.
وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنّى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر، فردّ شهادته، ولم يسأل عنه.
وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.
وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فردّه، وقال:
أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.
وهذه جملة كافية إذا تدبّرت، وبالله التوفيق.
ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن حميد: ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان- وإن كان مقصّرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك.
فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.
وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا، ويتجنّب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.

رد مع اقتباس