ومنشأ هذا الخلاف النظر في نوع الألف في آخر الصيغة. فَمَنْ قال إن الألف للتأنيث لا يجيز بهماة، ومن قال إن الألف زائدة للإلحاق قال بهماة واحدة. ونَوَّنَ بُهْمىً.
نسب ابن سيده إلى سيبويه أنه قال: بهماة واحدة. وأن أبا علي قال: ليس هذا بالمعروف (1) . والحق أن هذا قول سيبويه إذ النص في الكتاب: ((ولا يكون (فُعْلَى) والألف لغير التأنيث، إلا أن بعضهم قال: بهماة واحدة، وليس هذا
بالمعروف)) (2) .
ونقل ابن سيده عن أبي علي أنه قال: ((والقول في هذه الألف على هذا المذهب أنها زائدة لغير التأنيث ولا للإلحاق، كما أن ألف قَبْعْثَرَى كذلك، فكما لا تمتنع التاء من لحاق قبعثراة كذلك جاز دخولها في بهماة. قال: ويجوز على هذا في ترخيم حُبْلَوِىٍّ فيمن قال: يا حارِ أن يقول يا حُبْلَى؛ لأن هذا البناء فيمن قال (بهماة) ليس يختص بوقوع ألف التأنيث فيه؛ لأن التي في (بهماة) ليست للتأنيث، وقد دخلت في هذا البناء فكذلك تكون التي في (حُبْلَى) ترخيم حُبْلَوِيّ فيمن قال: يا حارِ في القياس وإن كان سيبويه لا يقيس على نحو هذا، وهذه الأوجه الثلاثة التي لا يجوز أن تكون ألف (بهماة) محمولة عليها، إنما هو على مذهب سيبويه، وأما في رأي أبي الحسن فتكون للإلحاق بِجُخْدَب، وقد نفى سيبويه هذا البناء أصلاً)) (3) .
ورأي أبي علي هنا يشير إلى أن الألف لمجرد تكثير الكلمة وتوفير لفظها، وذلك إنما يكون في البناء الذي لا يوجد بناءٌ آخر يلحق به.
أما الرضي فيرى أن بُهْمَى يكون ملحقاً؛ لقولهم (بُهْماة) . قال: ((ويكون بُهْمَى ملحقاً؛ لقولهم (بهماة) على ما حكى ابن الأعرابي، ولا تكون الألف للتأنيث كما ذهب إليه سيبويه)) (4) .
__________
(1) المخصص 15 / 194.
(2) الكتاب 4 / 255.
(3) المخصص 15 / 194.
(4) شرح الشافية 1 / 48.
قال المبرد: ((هذا لا يعرف، ولا تكون ألف فُعْلَى، بالضم، لغير التأنيث)) (1) .
وقد جعلها سيبويه في باب ما هو اسمٌ واحدٌ يقع على جميع وفيه علامات التأنيث، وواحدُهُ على بنائه ولفظه، وفيه علامات التأنيث التي فيه. قال: ((وبُهْمًى للجميع وبُهْمَى واحدة)) (2) .
لذلك كانت حكايته ل (بُهماة) على سبيل الشذوذ.
قال ابن سيده: ((وعندي أن من قال (بُهْماةٌ) فالألف عنده ملحقة له بجُخْدَبٍ فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الأول عما كان عليه، وجعل الألف للتأنيث فيما بعدُ، فيجعلها للإلحاق مع تاء التأنيث، ويجعلها للتأنيث إذا فقد الهاء)) (3) .
قال الزجاج: ((كل (فُعْلَى) في الكلام لا تنصرف، ولا تحتاج إلى أن تقول كانت ألفها لِتَأْنِيثٍ؛ لأنها لم تقع في الكلام إلا للتأنيث، نحو (أنثى) و (خنثى) و (طوبى) و (رُجعى) . فإنما تقول: كل فُعْلَى في الكلام لا تنصرف ولا تنونُ فُعْلَى)) (4) .
والذي أراه في هذه المسألة أن الراجح فيها ما ذهب إليه سيبويه أن ألفها للتأنيث، وأنها للمفرد، وتدل على الجمع بلفظها فيقال: بُهْمًى للجمع وبُهْمَى للمفرد، وما ذكر بالتاء ك (بهماة) فشاذ.
وهذا ما أشار إليه الرضي بقوله: ((وقد يكون اسم مفرد في آخره ألف تأنيث مقصورة أو ممدودة، يقع على الجمع نحو حلفاء وطرفاء وبُهْمَى؛ فإذا قصدت الوحدة وصفته بالواحد نحو طرفاء واحدة، وحلفاء واحدة، وبُهْمَى واحدة، ولم يلحق التاء للوحدة إذ لا يجتمع علامتا تأنيث)) (5) .
سُكْرَى: جاء في القراءات الشواذ - كما تقدم - أن الحسن والأعرج قرآ: س وترى الناس سُكْرَى وما هم بسُكْرَى ش (6) وكذا أبو زُرْعة.
__________
(1) اللسان (بهم) .
(2) الكتاب 3 / 596.
(3) المحكم 4 / 243.
(4) ما ينصرف ومالا ينصرف لأبي إسحاق الزجاج 34، 35.
(5) شرح الشافية 2 / 198، 199.
(6) سورة الحج: 2 والقراءة في المحتسب 2 / 72.
قال ابن جني: ((وأما سُكْرَى بضم السين فاسم مفرد على فُعْلَى كالْحُبْلَى والبُشْرَى. وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا)) (1) .
فيكون هذا دالاًّ على الجمع، من حيث هو صفة للجماعة.
قال العكبري: ((وهو واحد في اللفظ واقع على الجمع، أو هو صفة للجماعة)) (2) .
وقال في التبيان: ((قيل هو محذوف من سكارَى، وقيل هو واحدٌ مثل حُبْلَى، كأنه قال: ترى الأُمَّة سُكْرَى)) (3) .
ضُوقَى: ((قال كراعٌ: والضُّوقَى: جمع ضَيِّقَةٍ)) (4) .
وأنكر ذلك ابن سيده وقال: ((هذا لا يصحُّ، وإنما هو تأنيث الأضيق)) (5) .
وأرى أنها متى وردت في كلام فصيح دالَّةً على الجمع كانت بذلك اسم جمع.
طُوبَى: قال كراعٌ: ((وطُوبَى: جمع طيّبة لا غير)) (6) .
وأنكر ذلك ابن سيده وقال: ((هذا لا يصح)) (7) .
والقول فيها ما قيل في (الضُّوقى) .
قُرْبَى: نَسَبَ الأزهري إلى الليث أنه قال: ((والجمع من النساء قرائب، ومن الرجال أقارب. ولو قيل: قُرْبَى لجاز)) .
قال الأزهري: ((قلت: الأقارب: جمع الأقرب، والقربى تأنيث الأقرب)) (8) .
كُوسَى: قال كراع: ((والكُوسَى والكِيسَى: جمع كَيِّسَةٍ)) (9) .
وأنكر ذلك ابن سيده وقال: ((وعندي أنها تأنيث الأكيس)) .
وأَرَى في كل هذه الألفاظ أنها متى وردت في أساليب عربية فصيحة صح ذلك، وكانت اسم جمع آنئذٍ.
الفصل الخامس: أحكام (فُعْلَى) اللغوية:
لزوم (أل) صيغة (فُعْلَى) واستعمالها بدونها:
__________
(1) المحتسب 2 / 74.
(2) إعراب القراءات الشواذ لأبي البقاء العكبري 2 / 125.
(3) التبيان في إعراب القرآن 2 / 932.
(4) المنتخب من غريب كلام العرب لكراع النمل 2 / 557.
(5) المخصص 15 / 191.
(6) المنتخب 2 / 557.
(7) المخصص 15 / 192.
(8) التهذيب 9 / 125.
(9) المنتخب 2 / 557.
صيغة (فُعْلَى) في العربية - كما مر في ثنايا هذا البحث - تكون اسم ذات، واسم معنى، وصفة ودالة على الجمع في ألفاظ محصورة.
فأما اسم الذات فيعرف وينكر، وأحياناً يكون معرفة بغير الألف واللام كما ورد في (طُوبَى) اسم شجرة في الجنة..
قال ابن سيده: ((كأنها سميت بتأنيث الأطيب، وسقطت منها الألف واللام في حد العلمية، فَخُرِّجَ على حَسَنٍ وحارثٍ، كما سَمَّو الجنة الحُسْنَى، إلا أن الحُسْنَى خُرِّجَتْ على الحَسَن والحارث)) (1) .
وكما في (أُبْلَى، وبُصْرى، وتُبْنَى، وتُرْعَى ... ) ونحو ذلك مما هو اسم مكان أو مدينة ونحوها.
وكذا إذا كان اسم معنى فإنه يكون ب (أل) وبدونها ك (زُلْفَى وقُرْبَى وأُثْرَى) ونحو ذلك.
وكذا إذا دل على الجمع فإنها تدخل عليه (أل) ويخلو منها ك (طُوبَى والطُّوبَى وكُوسَى والكُوسَى) ونحو ذلك.
أما إذا كانت صفة فإنها حينئذ تكون تأنيث (أَفْعَل) و ((الوجه استعمال (فُعْلَى أَفْعَل) بأل أو بالإضافة، ولذلك لُحِّنَ من قال (2) :
كأن صُغْرَى وكُبْرَى من فقاقعها ... حَصْباءُ دُرٍّ عَلَى أرضٍ من الذَّهَبِ
وقول بعضهم إن (مِنْ) زائدة وإنهما مضافان على حد قوله:
...............................
بين ذراعيْ وجبهة الأسد (3)
يَرُدُّه أن الصحيح أن (مِنْ) لا تقحم في الإيجاب، ولا مع تعريف المجرور، ولكن ربما استعمل أفعل التفضيل الذي لم يُرَدْ به المفاضلة مطابقاً مع كونه مجرداً. قال:
إذا غاب عنكم أسود العين كنتم
كراماً، وأنتم ما أقام ألائم (4)
__________
(1) المخصص 15 / 192.
(2) هو أبو نواس في ديوانه ص 39.
(3) عجز بيت صدره:
يا من رأى عارضاً أُسَرُّ به
...................................
وينسب للفرزدق وهو من فوائت الديوان استشهد به سيبويه في الكتاب 1 / 180.
(4) البيت للفرزدق وليس في ديوانه وهو من شواهد المغني برقم (708) .
أي لئام، فعلى هذا يتخرج البيت، وقول النحويين صُغْرَى وكُبْرَى، وكذلك قول العروضيين: فاصلة صُغْرَى، وفاصلة كُبْرى)) (1) .
وقال ابن سيده: ((والذي حكى في الدُّنْيا دُنْيا إنما هو أبو علي، رواه عن أبي الحسن وأنشد:
في سَعْي دُنْيا طالما قد مُدَّتِ)) (2)
وفي العصر الحاضر ناقش مجمع اللغة في القاهرة قضية تجرد (فُعْلَى) مؤنث (أفعل) من (أل) والإضافة و (من) مرة بمناقشة مصطلح مثل (حرارة عُلْيا) و (سلع دُنيا) وأخرى بمناقشة القضية كما فعل الأستاذ محمد شوقي أمين حينما ناقش صيغة (فُعْلَى) وجواز استعمالها مجردة من (أل) . وانتهى إلى القول: ((ونحن في الحق محتاجون إلى تسويغ ما تجري به أقلام الكتاب المحدثين في استعمالاتهم العصرية، من نحو قولهم: هذه سياسة عُلْيا، وتلك مكرمة جُلَّى، وله يدٌ طُولَى، ويخشى وقوع حَرْبٍ عُظْمَى، وإليك كلمةٌ أولَى....
وأمثال هذه العبارات إنما تجاز على أن الصيغة فيها مسلوبة التفضيل، مؤولة باسم الفاعل أو الصفة المشبهة، بشرط ألا يتعين قصد التفضيل في سياق التعبير، وإلا وجب التذكير)) (3) .
وهذا معنى قول ابن الدهان: ((يجوز استعمال (أفعل) عارياً عن اللام، والإضافة، ومِنْ، مجرداً من معنى التفضيل، مؤولاً باسم الفاعل أو الصفة المشبهة، قياساً عند المبرد، سماعاً عند غيره. قال:
قُبِّحْتُمُ يا آل زيدٍ نَفَرا
أَلأَمُ قَوْمٍ أَصْغَراً وأَكْبَرا
__________
(1) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري 497، 498.
(2) المخصص 15 / 193.
(3) محاضر جلسات مجمع اللغة العربية بالقاهرة في الدورة الثامنة والثلاثين (من 14 /8 /1391 هـ إلى 16 / 4 / 1392 هـ) الموافق (4 أكتوبر 1971 م إلى 29 مايو 1972 م) ص 429 - 431.