عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-22-2017 - 10:27 AM ]


إن الإشارة إلى تعدد الألسنة لها أهمية من وجهة نظر لسانية، لأنها تنفي فكرة الأصل الواحد للغة والوارد في الإنجيل. ونعني بالأصل الواحد اعتبار الإنجيل أن الله لم يخلق إلا لغة واحدة، وأنه سبحانه جعلها كمجموعة من الكلمات التي هي مسميات للأشياء، أو كأنما هي جدول رصفت في داخله المفردات. ويدلك على هذا ما ورد في الإنجيل:
"لقد سمى الله النور نهاراً والظلمات ليلاً ". (GENESE 5)
"لقد سمى الله الفضاء سماء واليابسة أرضاً، وسمى مجامع المياه بحاراً " (GENESE 8) [3]
- لغة الحيوان.
وأما عن لغة الحيوان فإن القرآن يشير إليها في آيات كثيرة، ونكتفي هنا بالآية:
{قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُم} (النمل: من الآية18) .
بالطبع لا يفصح القرآن عن الطريقة التي عبرت بها النملة، ولكن الدارسين لحياتها يعلمون أن لها نظاماً من الإشارات تستخدمه كأداة للاتصال.
ومن يقرأ القرآن يجد أن الله قد ركز على اعتبار رسالة الأنبياء تذكرة، وفي هذا دلالة على اعتبار اللغة أداة توصيل واتصال:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (فصلت: من الآية44) .
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف:2) .
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} (سورة ق: من الآية45) .
هذه الآيات وغيرها كثير تبين هذا المعنى، أي تعتبر اللغة أداة اتصال بين البشر. وقد نزداد عجباً إذا علمنا أن الإسلام يذهب إلى نفي اللغة المقدسة كلية إذ لا يوجب على الناس اختيار لغة معينة للتوجه إلى الله، بل لا يوجب عليهم الكلام في ذلك أصلاً. وإن قراءة القرآن في الصلاة بلغة عربية لا يغير من هذا شيئاً، الأمر الذي يجعلنا نستيقن أن القرآن يعتبر اللغات على حد سواء، وأن استعمال اللغة إنما هو من طبيعة الإنسان.
لم يطلع "مارتينه"على القرآن، لذا فهو لا يستطيع أن يبني أحكاماً صائبة.
ونعتقد أنه أراد أن يندد بمفهوم تقليدي للغة، فسار على عادة بعض الغربيين في النظر إلى الأمور، أي أنه استوحى مما يعرفه عن الإنجيل ليحكم على العربية. ولكن العجيب عند هذا اللساني أنه قد حمل حكماً على اللغة ذاتها لا على الفكرة أو على المفهوم اللغوي، وكل يدري أنه بين اللغة وبين جملة المفاهيم التي نبنيها حول اللغة فرقاً وبعداً، أو على الأقل هما شيئان لا شيء واحد.
لو عمدنا إلى حصر الأخطاء التي وردت في قوله فإننا نستطيع أن نبرز ثلاثة:
- لقد وضع اللغة العربية تحت ما سماه بـ "اللغة المقدسة"حتى يتمكن من تضييق مجالاتها فلا تكون مستعملة إلا في الصلاة والشعائر الدينية. وهذا خطأ شنيع يكذبه أو يصححه الواقع. فاللغة العربية مستعملة في الصلاة وفي كل مجالات الحياة.
- لقد أطلق حكمه على اللغة وكان أولى به أن يطلق حكمه على المفهوم اللغوي.
وهذا يعني أن "مارتينه"لم يفرق بين ما يسمى "بالنظرية اللغوية" واللغة.
- لقد أغفل "مارتينه" الواقع اللساني للغة العربية. ومن البديهي أننا إذا أنكرنا وجود لغة ما، فإننا ننكر وجود الشعب الذي يتكلمها. فكيف تأتى له ذلك؟ وهل للعرب وجود أو لا؟.
ج 1- إن اللغة تحتفظ بسيطرتها كاملة على المجموعة الاجتماعية مادامت تملك القدرة على تسجيل المشاعر وأداء أغراض من يستعملها ويتكلمها. وإن قدرة اللغة تدل على حيويتها. وتتجلى هذه القدرة في احتواء اللغة- كلما دعت الحاجة- للعناصر الجديدة التي تنبع من حاجة الأمة وتطورها، لذلك فإن اللغة عندما تكون حية لا تشكل نظاماً مقفلا يحول بينها وبين التأقلم. وإن ما نعنيه بالتأقلم هنا هو مجموع الإمكانات اللغوية التي تسمح.
إن اللغة ليست انعكاساً للفكر. ومن العبث أن نظن أن مثل هذا القول يضفي على اللغة أهمية خاصة. فاللغة تستمد أهميتها الاجتماعية أولاً وأخيراً من الدور الذي تضطلع به ضمن المجتمع كأداة للتوصيل والتفاهم، والتعبير والتخاطب، إلى آخر ذلك من الأغراض التي تلبيها.
نود أن نضيف عنصراً جديداً إلى جملة ما قلناه سابقاً، ألا وهو دور الجماعة في إغناء اللغة: إنه مما لا جدال فيه، أن الجماعة التي تؤلف أمة تعطي اللغة قوة الثبات وتدفع بها نحو التجديد في آن واحد. وما دامت هناك جماعة فهناك لغة. ومن المعروف أن كل جماعة تبحث لنفسها عن مثل لغوي أعلى ينطوي تحته كل الأفراد الراغبين في العيش ضمن مجتمع واحد. وإن من شأن هذا البحث عن المثل اللغوي الأعلى أن يقوي وحدة الأمة، وانطلاقاً من هذه النظرة نستطيع أن ندرس أثر اللغة في الحدث القومي، كما لا نريد أن تكون مفاهيمنا مستوحاة من هذه النظرة. وذلك لأن مفهوم القومية، أو قومية اللغة لا يفيد في دراسة اللغة باعتبارها مجموعة من القواعد التي تؤلف نظاماً. ونحن حين نقف على دراسة لغة من اللغات، فإنه لا يدخل في حسابنا موضوعياً الشعب الذي يتكلمها، لأن هذه الناحية لا تدخل في مجال الدراسات اللسانية، ومن الأفضل إحالة مثل هذه النواحي إلى ميادين علمية أخرى تعنى بمثل هذه الدراسات كالعلوم السياسية والاجتماعية مثلاً. إن العلم يقتضي منا أن نقف إزاء اللغة موقفاً مجرداً دون خلط بين عدة ميادين. وكما يقف الكيميائي من المواد التي يحللها ويجري تجاربه عليها بمعزل عن الأفكار غير الكيميائية، فإن على اللساني أن يقف هذا الموقف من مادته، وأن لا يستعير من الميادين الأخرى إلا ما يسمح به موضوع البحث نفسه.
قبل أن نغادر هذا الأمر إلى أمر آخر نحدد فيه موضوع اللسانية، نرى أن نقدم الأسباب التي تدفعنا إلى اتخاذ هذا الموقف:
إن مفهوم قومية اللغة- في رأينا- مفهوم خاطئ تماماً. فاللغة ككل أداة تمتاز بخصال ثلاث:
1- اللغة هي حصيلة لتجربة إنسانية عاشها الأفراد ضمن جماعة وليست حصيلة لتجربة قومية بالمعنى الحديث لهذا المصطلح.
2- اللغة كتجربة لا تختلف عن باقي التجارب، يشارك فيها المجتمع الذي يتكلمها بشكل مباشر، وتشارك فيها الإنسانية جمعاء بشكل غير مباشر.
2- إذا كانت اللغات كلها إنسانية، فهي ملك لمن يتكلمها لا ملك لقوم بالذات. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تكلم العربية فهو عربي" [4] .
يدرس اللسان في اللغة مجموع الرموز الصوتية والبنى القواعدية، ويعني بدراسة المعاني، وهذا هو موضوع اللسانية، وإذا كنا نلح على هذه الناحية فلأن اللسانية تريد أن تكون علماً أولاً وأخيراً. أما إذا تدخلت الأهواء القومية، والنزعات المذهبية، فإن العلم- مهما كان نوعه- يفقد أهم خصائصه الموضوعية، ونعني التجرد والبحث الدقيق للوقوف على القوانين التي يسير بموجبها الأحياء والأشياء. ولو نظرنا في تاريخ الفكر الإنساني لوجدنا أن هذه الأهواء وهذه النزعات قد اتخذت طريقها- في بعض الأحيان- ضمن البحث اللغوي حتى كادت أن تودي بمفاهيمه العلمية الأصيلة. ونستطيع أن نضرب مثلاً بأحد أعلام الفكر الغربي من المتعصبين لنرى بعد ما يقوله عن التجرد والبحث الدقيق والحقائق العلمية، يقول "ديورو"الفرنسي في حديث عن لغته وعن باقي اللغات ما يلي:
"إن الحكمة تقضي باختيار الفرنسية لغة. ويجب استعمال الفرنسية في المجتمعات الراقية، والمدارس الفلسفية. وإن لغتنا ستكون لغة الحقيقة إذا قدر لها أن تعود إلى الأرض، على حين أن اليونانية واللاتينية واللغات الأخرى ستكون لغات الخرافة والكذب.
لقد جعلت الفرنسية للتثقيف والإيضاح والإقناع، وأما لمخاطبة الشعب فلا بأس من استعمال اليونانية واللاتينية والإيطالية، ولكن لمخاطبة الحكماء يجب استعمال الفرنسية" [5] .
إن مثل هذه الأقوال توجد في كل الحضارات وعند كل الشعوب، ولكن هل يمكن اعتبارها براهين علمية؟ ولكي ننتهي من هذه الفقرة، نعود مرة أخرى إلى "مارتينه" ونقول: إذا كانت اللغة الفرنسية مستعملة بنجاح، فإن كل اللغات الحية، ومن ضمنها العربية، مستعملة بنجاح أيضاً. وحول هذا الأمر يقول CHRISTION Nigue:
"إن لكل اللغات وظائف منتظمة وقوانين عامة للكلام، وإن كل اللغات الواقعة تحت الملاحظة منتظمة ومباشرة، ولكن بشكل مختلف. لذا فإنه من غير الصحيح أن نقول بأن هناك لغات غنية وأخرى فقيرة، وأن هناك لغات متطورة وأخرى بدائية، كما أنه لا توجد لغة قريبة من الاتصال الحيواني وأخرى بعيدة. إن كل لغة تنطبق على حضارة الشعب الذي يستعملها وعلى أنماط حياته وعاداته " [6] .
2- اللغة العربية- نظرة من الداخل:
1- موقف سلبي:
لقد ذكرنا سابقاً في بداية هذا المقال، أن الدراسات اللسانية العربية ما تزال غريبة على فهم بعض الناس. وقد يكون قولنا هذا من قبيل المبالغة، فهناك من الأعمال والمؤلفات ما هو جدير بالذكر، ولكن مجموع هذه المؤلفات ما زال قليلاً ولا يسد الحاجة. وإذا أردنا أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هذا، فإننا نستطيع أن نحصرها في سببين:
- السبب الأول خاص بالبُحَّاث العرب.
- السبب الثاني خاص بظروف الاحتلال.
- البحاث العرب:
أ- تتجلى أولى سلبيات البحاثة العرب في العصر الحديث في وقوفهم على ما أبدعه القواعديون العرب القدماء دون السعي إلى تطويره ومتابعته وتعميقه. وإذا كان القدماء قد فجروا عبقريات لغوية، فلأن حضارتهم الإسلامية كانت وراء ذلك، وكان الباحث منهم يستفيد منهجياً وذهنياً من تلك الحضارة. وعندما وصل إلينا ما تركوه لنا، أخذناه نريد درسه، غير أننا لم ننجح تمام النجاح، وظل هذا العلم مغلقاً على أفهامنا في معظم نواحيه. وللحقيقة نقول بأن هذا الفشل يعود إلى أننا قد عزلنا هذا العلم عن الحضارة التي أنشأته وولدته، فإذا هو يصبح في أيدينا جثثاً هامدة لا حياة فيها، أو أوراقاً تلقى على الأسماع دون أن تعيها العقول، وتحفظ عن ظهر قلب لتردد في بعض المحافل أو في امتحانات آخر السنة الدراسية.
ب- وإذا كنا لم ننفذ إلى أعماق التراث- إلا من رحم ربي وهم قليل- فإننا لم نتابع بفهم جيد ما جد في ميدان البحث العلمي. وربما يكون الأمر كذلك لنفس السبب الذي ذكرناه آنفاً، أي لأننا لا نعير العنصر الحضاري اهتماما في دراستنا، مع العلم أن كل تقدم مهما كان نوعه إنما هو حصيلة للحضارة التي أنشأته. ونحن إذا لم نعتمد العنصر الحضاري كأساس في كل أبحاثنا العلمية فسنبقى عالة على غيرنا لا نتاج لنا ولا عطاء.
- ظروف الاحتلال:
من الأسباب التي أدت إلى خلق السلبيات عند البحاث العرب، نجد الاستعمار بمختلف أشكاله. وباعتبار أن الغرب هو مصدر الاستعمار فقد وقفوا منه موقف العداء.
لقد رأى القواعديون العرب في العصر الحديث، وغيرهم من العلماء، ما أنزله الغرب المستعمر ببلادهم من البلاء، حيث انطمست الحركة العلمية، وخمد النشاط الذهني الخلاق. وشاهدوا أيضاً مدى ما ألحقه باللغة العربية من ضرر عند متكلميها، حتى كان من عاقبة ذلك:
أ- الابتعاد عن منبع اللغة ومصدرها الحضاري.
ب- الابتعاد عن اللغة نفسها وذلك عن طريق:

رد مع اقتباس