.. حبذا لو اقتدي بمن حرصوا على إغناء لغاتهم وتمكين أهلها منها من أبناء الشعوب المتقدمة ووضع للمتعلمين ولعموم المثقفين والاختصاصيين معجم حديث للكلمات متعددة الدلالات عامة، بنوعيها اللذين تحدثنا عنهما. يستمد مواده، ليس من ما ورثناه من كتب أو رسائل خاصة بهذه الألفاظ فحسب، وإنما يستمدها أيضاً من معاجم الألفاظ اللغوية العامة: القديم منها والحديث، ثم من النصوص الأدبية القديمة، لاسيما تلك النصوص الثرية بالألفاظ والمحسنات البديعية اللفظية من جناس وترصيع وطباق وغيره، كالرسائل الأدبية القديمة والمقامات والتوقيعات ونصوص الشعر, وأخيراً من نصوص التخاطب العصري الفصيح، المقروء منه والمسموع. ((فالحكم على دلالة اللفظ في نص ما أدق وأوثق مما لو استقيناه من المعاجم وحدها)) (1) .
... ويجدر الاستعانة بالحاسب الآلي والتقنيات الأخرى ذات الصلة بصناعة المعجم الحديث، في الرصد والتخزين والإحصاء والتحليل والغربلة والمقارنة والانتقاء والتصنيف والتنسيق والإخراج والمتابعة، من أجل تحقيق معجم شامل دقيق ميسر للمشترك اللفظي، أسوة بما تعمله المؤسسات اللغوية المتطورة في صناعة معاجمها.
.. إن كتب المشترك اللفظي القديمة في معظمها - كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق - غنية بالأمثلة والشواهد القرآنية والشعرية والنثرية وبالاستطرادات والفوائد اللغوية والبلاغية والنقدية التي تهم الكثير من الدارسين والباحثين المتخصصين بلا ريب، إلا أنها قد تكون ثقيلة منفرة أو مشتتة للذهن بالنسبة لعامة المتعلمين والمثقفين في وقتنا الحاضر؛ لأن الشواهد والأمثلة التي تشتمل عليها هذه الكتب ربما كانت هي نفسها محتاجة للشرح والتفسير، وهذا ما يسبب التعثر أو الإبطاء في الوصول إلى الهدف المنشود. كما أن هذه الشواهد والأمثلة تظهر أو تجسد في كثير منها إن لم يكن معظمها الاستعمالات القديمة للمشترك اللفظي والمعاني التي لم تعد متداولة في الوقت الراهن، ولربما كان لذلك أثار إيجابية في فهم النصوص التراثية، ومن ثم في توثيق الارتباط بالتراث والاستفادة من تجاربه الفكرية والإبداعية النافعة. إلا أن المتعلم الحديث يهمه بالدرجة الأولى الاطلاع على ما بقي من تلك الاستعمالات حياً ساري المفعول مقبولاً في لغة الحاضر، وعلى ما تجدد وتطور واستحدث أو أضيف منها، ليتمكن من الجمع بين كل ما تتطلبه أنشطة التعبير في الحياة المعاصرة من المشترك اللفظي. ...
.. بناء على ما تقدم ذكره فالحاجة تبقى ماسة لمعجم انتقائي سياقي للمشترك اللفظي في اللغة العربية. يرصد كل ما نشأ منه وتطور واستقر وتجددت حيويته في لغة العصر. ويتنكب الحوشي والغريب الثقيل الذي لم يعد مستعملاً أو ليس فيه من الحيوية والمرونة ما يكفي لإنعاشه وإدراجه في هذه اللغة أو استثماره في فهم النصوص التراثية. كما يتولى توضيح ما صعب تفسيره أو إدراكه من معاني هذه الألفاظ بالأمثلة السياقية المستمدة من لغة الحاضر المرنة الحرة الميسرة. ولا مانع أن تكون هذه الأمثلة منتقاة من النصوص التراثية الثرية الفاعلة المفهومة المقتصرة على تحديد المعنى المقصود ومد مستخدم المعجم بما يزيد من فائدته اللغوية أو البلاغية والفنية والمعرفية في آن واحد، ولكن دون استطراد أو إطالة. ولابد من الاستعانة في ذلك بما توصلت إليه النظريات الحديثة في إعداد مثل هذا المعجم وإخراجه (1) .
الحواشي والتعليقات
ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ترجمة د. كمال محمد بشر (القاهرة: مكتبة الشباب، 1975م) ، ص ص 60 -،61 112- 123؛،
John Lyons. Semantics (London: The Cambridge University Press, 1977) , vol.2 p.55 Ladislav Zgusta. Manual of Lexicography (Mouton Hague, Paris. 1971) , p.60 ff
انظر أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 112.
أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص،60 وص 112 - 113.
انظر جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق أبو الفضل إبراهيم وآخرين، (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د. ت) ، ص 369.
اكتفينا في الأمثلة المبينة بذكر القريب المستخدم من هذه المعاني بغية التقريب والاختصار.
انظر الحسن ابن رشيق القيرواني، العمدة في صناعة الشعر ونقده، ط 4، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد (بيروت: دار الجيل، 1972م) ، ج،1 ص 321، ج2، ص 97.
محمد بن القاسم الأنباري، كتاب الأضداد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (بيروت: المكتبة العصرية، 1407هـ/1987م) ، ص 374. يحتوى هذا الكتاب على (357) من الأضداد.
السيوطي، المزهر في علوم اللغة، ص 399.
لمزيد من التفصيل حول هذه المسألة أنظر د. احمد عبد الرحمن حماد، عوامل التطور اللغوي، دراسة في نمو وتطور الثروة اللغوية (بيروت: دار الأندلس، 1403/1982) ، ص ص 71- 84.
انظر ثلاثة كتب في الأضداد، للأصمعي وللسجستاني ولابن السكيت والصغاني، ويليها ذيل في الأضداد للصغاني، نشر وتحقيق د. (أوغست هفنر) Haffner , A بيروت: مطبعة اليسوعيين، 1912م) ، لقد وضع المحقق الألفاظ الواردة في الكتب الأربعة كلها وفق تسلسل واحد آخر رقم فيه هو (706) ، انظر ص248
انظر د. حسن ظاظا، كلام العرب: من قضايا اللغة العربية (بيروت: دار النهضة العربية، (1976، ص ص 108-113.
انظر د. ربحي كمال، التضاد في ضوء اللغات السامية: دراسة مقارنة (بيروت: دار النهضة العربية، 1975م. (
انظر، ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 114- 116.
السيوطي، المزهر في علوم اللغة، ص 370.
السيوطي، المصدر نفسه، ص 388.
الآيات على التوالي هي: الآية 88/ سورة الكهف،18 آية 12/سبأ 34، 61/الصافات 37، 79/ الكهف 18، 27/ الأنبياء 21، 13/ سبأ 34.
مقاتل بن سليمان البلخي، الأشباه والنظائر في القرآن الكريم، دراسة وتحقيق د. عبد الله محمود شحاته (القاهرة: الهيئة المصرية العامة، 1395هـ/1975م) .
المعجم العربي الأساسي للناطقين بالعربية ومتعلميها، تأليف وإعداد جماعة من كبار اللغويين العرب) تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1408هـ - 1988م) ، ص 914.
احمد عبد الرحمن حماد، عوامل التطور اللغوي، ص 73.
انظر د. محمود فهمي زيدان، في فلسفة اللغة (بيروت: دار النهضة العربية، 1405هـ/1985م) ، ص 106.
يعقوب بن إسحق السكيت، كتاب الأضداد، هفنر، ثلاثة كتب في الأضداد، ص 163.
علي ابن إسماعيل ابن سيده، المخصص (بولاق، 1316هـ) ، ج3 ص 259.
ربحي كمال، التضاد في ضوء اللغات السامية، ص 4.
أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني: «كتاب المقلوب لفظه في كلام العرب، والمزال عن جهته والأضداد» ، ثلاثة كتب الأضداد: للأصمعي وللسجستاني ولابن السكيت ويليها ذيل للصغاني، نشر وتحقيق د أوغست هفنر (بيروت: مطبعة اليسوعيين، 1912م) ، ص 127.
المصدر السابق نفسه، ص 117.
جوزيف فندريس Vendryes، اللغة، تعريب عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص (القاهرة: مطبعة لجنة البيان العربي، 1370هـ /1950) ، ص254.
السيوطي، المزهر، ج1، 369؛ أولمان، دور الكلمة ص 127، اسباب نشوء المشترك؛ حماد، عوامل التطور اللغوي، ص 74 - 75.
د. تمام حسان، مناهج البحث في اللغة (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1400هـ - 1979م) ، 281
انظر د. أحمد محمد قدور، مدخل إلى فقه اللغة العربية، بيروت دار الفكر المعاصر، 1413هـ - 1993م، ص ص 198 - 200؛ ولمزيد من التفصيل في ذلك راجع د. توفيق محمد شاهين، المشترك اللغوي نظرية وتطبيقاً، القاهرة: مكتبة وهبة، 1400هـ - 1980م؛.
حسن ظاظا، كلام العرب: من قضايا اللغة العربي، ص ص 110 - 111.
انظر د. إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ط6 (القاهرة: دار المعارف، 1986م) ، ص ص 113 -114. وابن دستروية هو عبد الله بن جعفر، وقد أنكر وجود الاشتراك اللفظي في كتابه المسمى ب «شرح الفصيح» ، ونسب معظمه إلى المجاز والكناية وإلى الصدف التي لا يقصد بها الوضع.
لقد أورد السيوطي أمثلة كثيرة من المشترك اللفظي من الأفعال والأسماء وعلى الأضداد التي عدها السيوطي نفسه نوعاً من المشترك، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، انظر: المزهر في علوم اللغة، ج 1، ص ص 370 - 384، وص ص 389 - 396.
نقل بتصرف عن د. تمام حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ط3 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة، 1985م) ، ص163.
انظر جاروسلاف ستتكيفتش، العربية الفصحى الحديثة: بحوث في تطور الألفاظ والأساليب، ترجمة وتعليق د. محمد حسن عبد العزيز (القاهرة: دار الفكر العربي، 1405هـ 1985م (، ص 170.
انظر إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ص 131.
د. تمام حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ص 320.
انظر إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ص 134 - 135؛ انظر كذلك د. عبد القادر أبو شريفة وآخران، علم الدلالة والمعجم العربي (عمان: دار الفكر للنشر والتوزيع، 1409هـ - 1989م (، ص 81.
انظر د. أحمد مختار عمر، علم الدلالة (الكويت: مكتبة العروبة، 1982م) ، ص179؛ د. أحمد قدور، مدخل إلى فقه اللغة العربية (بيروت: دار الفكر المعاصر، 1413هـ - 1993م) ، ص 201.
السجستاني: «كتاب المقلوب لفظه في كلام العرب، والمزال عن جهته والأضداد» ، ثلاثة كتب ... في الأضداد: انظر رقم 167ص 114 ورقم 220 ص 137.
د. تمام حسان، اللغة العربية: معناها ومبناها، ص 320.نقل بتصرف
د. حلمي خليل، العربية والغموض: دراسة لغوية في دلالة المبنى على المعنى (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988م) ، 109، 114؛ ربحي كمال، التضاد في ضوء اللغات السامية، ص3. انظر كذلك المزهر ج1 ص 385.
السيوطي، المزهر، ج 1، ص 385.
محمد بن القاسم الأنباري، كتاب الأضداد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت المكتبة العصرية 1407هـ 1987م، ص 1 وما بعدها. انظر كذلك السيوطي، المزهر في علوم اللغة، ج1 ص ص397 - 398
ضياء الدين بن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تقديم وتعليق د. أحمد الحوفي ود. بدوي طبانة (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، د. ت) ، ج1 ص 51.
ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 116-117.
انظر: William Empson, Seven Types of Ambiguity,Chatto and Windus, London, 1930; 1947. ...
ابن رشيق القيرواني، العمدة في صناعة الشعر ونقده، ج،1 ص 274.
د. عبد القادر الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية: نماذج تركيبية ودلالية
(بغداد: دار تويفال، د. ت) ، ص 206.
المزهر ج،1 ص 369؛ انظر كذلك أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى في علم الأصول (القاهرة: بولاق، 1322هـ) ، ج،1 ص 198.
د. احمد عزت راجح، أصول علم النفس (القاهرة: دار المعارف 1987) ، ص339.
د. أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية: أهميتها - مصادرها - وسائل تنميتها، عالم المعرفة، (212) ، ربيع الأول 1417هـ - أغسطس /آب 1996م الكويت، ص ص 219 - 221.
المعتوق، الحصيلة اللغوية، الهوامش، ص 347.
ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص 114 - 115.
د. درويش الجندي، الرمزية في الأدب العربي (القاهرة، مكتبة نهضة مصر، 1958م) ، ص 253
انظر د. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص، ط2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1986م) ، ص 40. وحول دور بعض هذه المحسنات البلاغية أو اللعب اللغوية كما أطلق عليها المؤلف، انظر ص39
وما بعدها.
ضياء الدين بن الأثير، المثل السائر، ج1 ص 51.
تقي الدين ابن حجة الحموي، خزانة الأدب وغاية الإرب (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1987م) ، ج1 ص 74. وقد تحدث الحموي عن الجناس وأنواعه وأورد الكثير من الأمثلة الشعرية عليه في 47 سبع وأربعين صفحة من كتابه المذكور، انظر ج1 ص ص 54 - 101.
يحيى بن حمزة العلوي اليمني، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1403هـ - 1983م) ، ج2ص55.