عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-21-2017 - 08:43 AM ]


ألفاظ الأضداد
.. ومما يعد من المشترك اللفظي في اللغة العربية نوع آخر متميز يسمى (الأضداد) ، وتعني في اصطلاح اللغويين العرب الكلمات التي يدل كل منها على معنيين متباينين، أو متعاكسين متناقضين، مثل لفظة (جون) التي تدل على الأسود والأبيض، و (المولى) التي تطلق على العبد والسيد، و (السليم) التي تطلق على الصحيح وعلى الملدوغ و (البصير) التي تطلق على المبصر وعلى الأعمى، و (الحميم) التي تطلق على الحار وعلى البارد، و (الجلل) التي تطلق على الكبير والصغير، و (الزوج) التي تطلق على الرجل وعلى المرأة، فيقال: ((الرجل زوج المرأة والمرأة زوج الرجل ... )) (1) فهذه الكلمات وأمثالها تجري، كما ينص السيوطي: ((مجرى الحروف التي تقع على المعاني المختلفة)) (2) لما تنطوي عليه من تعدد أو اختلاف الدلالة. وقد جمع محمد بن القاسم الأنباري في كتابه «الأضداد» - الذي سنعود للحديث عنه فيما بعد - ما يزيد على (300) ثلاثمائة ضد - كما يتبين من فهرس- «الألفاظ الأضداد» الملحق بالنسخة التي اعتمدناها في هذا البحث -، معظمها تجاوز الدلالة على معنيين متعاكسين أو متناقضين إلى الدلالة على عدد من المعاني ذكرها المؤلف. والضد كما تحدث عنه بعض اللغويين العرب لا يعني النقيض أو العكس بصفة مطلقة، فهناك أصناف عدت من الأضداد، مع أنها لا تفيد معنى التناقض أو العكس، وإنما يدل كل لفظ منها على معنيين متباينين يربط بينهما رابط معين من قريب أو بعيد، كما يحصل لكثير من باقي الألفاظ المشتركة المعاني، مثال ذلك: كلمة (الظعينة) التي تدل على الهودج وعلى المرأة في الهودج، وكلمة (الكأس) التي تطلق على الإناء ذاته وعلى ما فيه من الشراب، وكلمة (الغريم) التي تدل على الدائن وعلى المدين وعلى الخصم أيضاَ، وربما تندرج تحت ذلك كل الصيغ الصرفية المماثلة التي تستعمل للفاعل والمفعول مثل: سميع وعليم وقدير وكحيل وقتيل ودهين وجريح وطريد
.. (1)
مدى توافر المشترك اللفظي في اللغة العربية
... في اللغة العربية، كما تظهر المصادر التي بين أيدينا مجموعات كبيرة من الألفاظ المتعددة المعاني، ومجموعات أخرى من الأضداد لا يستهان بها خصصت لإحصائها مؤلفات عديدة سنذكر لاحقاً بعضاً منها. وقد تضمن كتاب «المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه» لمؤلفه المعروف بكراع النمل (ت 310 هـ) ، تضمن هذا الكتاب وحده (900) تسعمائة كلمة منها.. أما الكتاب الذي جمع فيه أوغست هفنر أربعة كتب في الأضداد لكل من الأصمعي وأبي حاتم السجستاني ويعقوب بن اسحق بن السكيت والصغاني فقد احتوى - وفق تسلسل ترقيم الألفاظ الواردة فيه - على (706) سبعمائة وستة من الأضداد.. (2) وإذا كان لا يمكن القطع بصحة نسبة كل هذه الأعداد إلى الألفاظ المشتركة المعاني فإن هذه الأرقام تشير بلا شك إلى كثرتها. رغم ما دار حولها أو حول بعضها من نزاع أو وجد من خلاف.
... هناك في الحقيقة نزاع بين عدد من الباحثين حول مبلغ ورود المشترك اللفظي عامة في العربية، بل إن منهم من ينكره ويعمل على تأويل بعض أمثلته ونسبة الاشتراك في الألفاظ إلى المجاز أو إلى عوامل أخرى تنفي وجوده أصلاً أو تشير إلى قلة وروده (3) . ونحن لا نجد مبرراً للخوض في النزاع الذي قام حوله، بل لا نرى جدوى من الجدل أو كثرة النقاش حول شئ لا يمكن تجاهله فضلاً عن إنكاره.
.. إن ظاهرة تعدد الدلالات للمبنى اللفظي الواحد وإن بالغ البعض في القول بكثرتها وشيوعها في العربية وبالغ آخرون في إنكارها أو التقليل من شأنها ودار حولها النزاع كما أشرنا، فإن الواقع الفعلي يشهد بوجودها كظاهرة لغوية بارزة مألوفة، ليس في اللغة العربية وحدها، وإنما في اللغات السامية على عمومها، والنصوص الموروثة ونشاطات هذه اللغات على اختلافها تجسدها (1) ، كما أن القوانين اللغوية تقرها وسنن الحياة البشرية تقتضيها وتسلم بوجودها في كل اللغات المتطورة. (إن قدرة الكلمة على التعبير عن مدلولات متعددة إنما هي خاصة من الخواص الأساسية للكلام الإنساني.
وإن نظرة واحدة في أي معجم من معجمات اللغة لتعطينا فكرة عن كثرة ورود هذه الظاهرة، بل إن شحنة المعاني التي تحملها بعض الكلمات تدعو إلى الدهشة، لاسيما تلك الأفعال الكثيرة الشيوع والذيوع مثل: يعمل ويقوم ويضع ... الخ ((2)
... أما بالنسبة لبروز ظاهرة الاشتراك اللفظي في اللغة العربية فقد صرح السيوطي بقوله: ((وذهب بعضهم إلى أن الاشتراك أغلب - قال: لأن الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء، والمضارع كذلك، وهو أيضاً مشترك بين الحال والاستقبال والأسماء كثير فيها الاشتراك؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب)) (3) وفي موضع آخر ضمن حديثه عن المشترك اللفظي وعن الأضداد يقول أيضاً: ((وهذا الضرب كثير جداً، ومنه ما يقع على شيئين متضادين كقولهم: جلل للكبير والصغير وللعظيم أيضاً والجون للأسود والأبيض ... وهو أيضا كثير)) (4) .
.. إن كلمة (يعمل) في اللغة العربية مثلاً لها من المعاني المتعددة التي لا يمكن بأية حال من الأحوال رفضها أو تجاهلها؛ لأنها في حيز الاستخدام الفعلي، فنحن نقول فعلاً، وعلى سبيل الحقيقة: «عمل خيراً» أي بمعنى فعل، و «عمل بالقانون» أي طبقه، و «عمل على نشر الكتاب» أي سعى لنشره و «عمل في مصنع، وعمل تاجراً» أي صنع أو مهن، و «عمل بجد» أي اشتغل أو تصرف أو قام بالعمل.. ولا نجد هذا التعدد لمعاني هذه الكلمة في نصوص الشعر والنثر العادية فحسب، وإنما نجده في آيات القرآن الكريم أيضاً.
... لقد وردت الآيات التالية من قوله تعالى: (وَأمّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) . (وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِه) . (لمِثِلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ) . (أَمَّا السَّفِيَنة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِيْ البَحْرِ) . (لاَ يَسْبقُوْنَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) . (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِنْ مَحَارِيْبَ وَتَمَاثِيْلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ)) (1) وفي كل آية من هذه الآيات معنى خاص لكلمة (عمل) لا يتطابق مع المعنى الآخر، وإن تقارب أو تشابه بعضها. ولا شك أن التعدد في معنى (عَملَ) الفعل يتبعه تعدد معنى المصدر «عَمَلْ» . هذا وفي كتاب «الأشباه والنظائر في القرآن الكريم» لمقاتل بن سليمان البلخي
(ت 150هـ) أمثلة كثيرة مشابهة لما أوردناه من الأسماء والأفعال والصفات (2) .
.. وفي المعاجم العربية عدد كبير من الألفاظ ذات الدلالات المتعددة، ربما يفوق عدد الألفاظ التي تنفرد بمعنى واحد. ولا يقتصر ذلك على المعاجم القديمة الواسعة، وإنما يشمل المعاجم الحديثة الوسيطة أيضا. وتصل المعاني التي ترد للكلمة الواحدة في المعاجم الحديثة الراصدة للتطورات الدلالية الجديدة منها أحياناً إلى عدد كبير من المعاني المستعملة في الحياة الفعلية الحاضرة. فقد جاء في تفسير الفعل (فتح) على نحو المثال في «المعجم العربي الأساسي» الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهو من أحدث المعاجم المتطورة، ما نصه:
((فَتَحَ يَفْتَحُ فَتْحا فهو فاتح: 1 البابَ والصُّندوقَ ونحوهما: خِلاف أغلقهما، 2 الطّريقَ: هيَّأه للمرور فيه، أذِنَ بالمرور فيه، 3 الاجتماعَ ونحوه: بدأ عمله، 4 المدينةَ أو البلدَ: احتلّها، 5 الكتابَ: نشَرَ طَيَّهُ ليقرأ منه / فتح اعتماداً في المصرف: خصّص مبلغا للصرف منه على عمل معيّن. فتح الله عليه: هداه أرشده. فتح الباب على مصراعيه لعمل ما: أفسح المجال له، سمح به دون قيود. فتح البخْت: تنَّبأ بالمُستقبل. فَتَح بين الخصمين: قَضى (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) [قرآن] . فتح حِسَابا في المَصْرِف: أودع مبلغا من المال صالحا للسحب منه. فتح شهته: جعله راغبا في الأكْل. فتح صفحة جديدة: غيَّر طريقته «فتحت العراق صفحة جديدة مع مصر» . فتح عيْنَيْه جيدا: انتَبَه، حَذِرَ. فَتَحَ عيْنَيْه على شيء: شاهده أو اختبره وهو لا يزال طِفْلا. فَتَحَ له َقْلبَهُ: باح بسِرِّهِ له، وثق به فأَطْلَعَهُ على سِرِّهِ. فَتَّحَ يُفَتِّحُ تَفْتِيحاً: الأبوابَ ونحوها: بالَغَ في فَتْحِها (لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) [قرآن] (1) .
.. فنحن نجد هنا أن كلمة (فتح) قد اتسعت لأكثر من (16) ستة عشر معنى، بين محسوس ومجرد، وكلها جارية متداولة، متعارف على استعمال الكلمة فيها ضمن سياقاتها الخاصة. ويمكن أن تتسع لمعان مجازية أخرى متعددة أيضاً كما اتسعت غيرها.
... نظم المعلم بطرس البستاني صاحب معجم «محيط المحيط» قصيدة تصل إلى (30) ثلاثين بيتاً تنتهي كل أبياتها بكلمة (الخال) بمعان مختلفة. ولهذا سميت بالقصيدة الخاليِّة، وربما أراد بذلك إظهار مدى اتساع التعدد الدلالي للألفاظ العربية وسعة اطلاعه وإحاطته بهذا التعدد. ومن هذه القصيدة:
أمن خدها الوردي أفتنك الخال

فسح من الأجفان دمعك الخال

الومض برق من محيا جمالها

لعينيك أم من ثغرها الومض الخال

رعى الله ذياك القوام وإن يكن

تلاعب في أعطافه التيه والخال

مهاة بأمي أفتديها ووالدي

وإن لام عمي الطيب الأصل والخال (1)

... ومعاني كلمة (الخال) في هذه الأبيات على التوالي: الشامه في الوجه /السحاب الممطر/البرق/ الغرور أو التكبر/ أخو الأم
... إن تعدد المعاني أو المدلولات للكلمة الواحدة إلى الحد الذي رأيناه ليس في الحقيقة ظاهرة غريبة؛ لأن معنى الكلمة كما يقول رائد الفلسفة اللغوية في العصر الحديث (لودفج فتجنشتين) L Wittgenstein: (ليس له ثبات أو تحديد.. واللغة ليست حساباً منطقياً دقيقاً لكل كلمة معنى محدد ولكل جملة معنى محدد ولكل الجمل وظيفة واحدة.. وإنما تتعدد معاني الكلمة بتعدد استخداماتنا لها في اللغة العادية، وتتعدد معاني الجملة الواحدة حسب السياق الذي تذكر فيه.. وأن الكلمة مطاطة تتسع وتضيق استخداماتها حسب الظروف والحاجات) (2) ومع ذلك فإن لهذا التعدد مبررات وأسباباً ثابتة ومحسوسة يفرضها الواقع الاجتماعي وظروف الحياة المختلفة المتغيرة.

رد مع اقتباس