ويقول بمناسبة النصر في قارص: "كم مرة حارب الروس الأتراك فهزموهم وسحقوهم، وهي هي ذي راية الروس ترفرف خفاقة فوق مدينة قارص. وأصبح الأتراك في خبر كان، هذه هي نهاية كل مستبد جائر، فهو دائما الى زوال، أما كان خيرا لهم لو أنهم عاملونا بالاحسان والعدل والانصاف؟
في سنة 1880 انقطع حبل حياة رزق الله حسون الكاتب الذائع الصيت والصحافي اللامع الذي طبقت شهرته الآفاق. وقد شاعت في الأوساط العربية رواية مفادها أن السلطان عبد الحميد – مدبر ألوف الاغتيالات – قد أمر بتسميم حسون، لأنه كان يوجه له ولرجال دولته نقدا مرا لاذعا أنزلهم دركات الجحيم، وذلك عبر صحافته وكتاباته التي لعبت دورا مهما في نهضة الآداب العربية وايقاظ الوعي القومي عند العرب. ورغم أن كراتشكوفسكي كتب مرة يقول: "على أن هذه الرواية لا أساس لها من الموثوقية"، لكنه استدرك فيما بعد ليشير في أكثر من مناسبة الى "أن حسون الذي حارب الحكومة التركية دون هوادة وافته المنية في لندن، ويبدو أن واحدا من عملاء السلطان التركي وجواسيسه قد دس له السم خفية". أما كريمسكي فكتب يقول: "ليست هناك أدلة ثابتة لهذه التهمة، ولكن عملا كهذا – والحق يقال – يتوافق تماما وجوهر سياسة السلطان عبد الحميد". وكانت جريدة "صوت الشعب" (الأرمنية الصادرة بتاريخ 27/10/1944 قد استشهدت بكلام المؤرخ اللبناني الشهير يوسف ابراهيم يزبك الذي "اتهم مدحت باشا بتسميم حسون" ، ولكنه قال أيضا أن المؤرخ عيسى المعلوف المقرب من رزق الله لم يدعم هذا الرأي).
من الصعب جدا رسم صورة كاملة عن أعمال رزق الله حسون ونشاطه، فبعض آثاره مطبوعة لم تصل الينا آية نسخة منها، وبعضها الآخر لا يزال مخطوطا محفوظا في المكتبات والأرشيفات والمتاحف. وسيزول عجب القارئ حين يعلم أن جواسيس السلطان وعملاءه كانوا يحصون أنفاس رزق الله في حياته ويراقبون كل تحركاته وأنشطته، وكانوا يسهرون بعد وفاته على منع ذكر اسمه في اي من الكتب التي أرخت للأدب العربي. وبالفعل لم يكن اسمه واردا اطلاقا قبل القضاء على حكم الأتراك، ولاتزال مقالاته المنشورة في حياته غير معروفة بالكامل ، فضلا عن أن مجموعات الجرائد والمجلات التي أصدرها غير موجودة، وأخيرا، فان الكثير من كتاباته المخطوطة لا تزال موزعة في حوزة أفراد كثيرين.
فكتاب "حسر اللثان" مثلا لم يصلنا وليست هناك معلومات موثوقة عنه. فقد درست آثار النسخ المخطوطة التي كانت بحوزة المسيحيين العرب في مطلع القرن الحالي. ويذكر كراتشكوفسكي أن السوري ميشال مرقص ، مدرس اللغة العربية في جامعة موسكو، كان قد أحضر معه نسخة الى روسية ورغب في ترجمة "حسر اللثان" الى الروسية ونشرها، ولكنه لم يوفق في تحقيق مشروعه. ومن الجائز أن تكون تلك النسخة قد انتقلت سنة 1852 الى السوري إلياس نوفل مدرس اللغة العربية والفقه الإسلامي في الدائرة العلمية التابعة لوزارة الخارجية الروسية، الذي استفاد من "حسر اللثام" كثيرا خلال تحضير كتاب بعنوان "محمد" الذي أصدره بالفرنسية سنة 1888 في بطرسبورغ، بيد أن السفارة التركية أمرت بجمع نسخ الكتاب واتلافها، فلم يبق منها سوى واحدة في المتحف الأسيوي، اختفت أيضا بعد عام 1894. ونشير في هذا السياق أن مؤرخا مجهولا كان قد نشر سنة 1895 كتابا سماه "حسر اللثان عن نكبات الشام" مؤلفا من 284 صفحة . ان تطابق عنوان الكتاب وموضوعه مع ما ألفه رزق الله حسون، ونعني تكريسه لتاريخ الحرب الأهلية المعروفة بحوادث سنة 1860، حين كان حسون أمين سر اللجنة المهتمة بالتحقيق في الحوادث – كل ذلك يدفعنا للاعتقاد بأن اخفاء اسم الكتاب والمطبعة التي نشرته لم يكن مصادفة محضة أبدا، ولاسيما انه من المعقول جدا أن يكون حسون مؤلف ذلك الكتاب، ولكن هل شكل "حسر اللثام عن نكبات الشام" يا ترى جزءا من هذا الكتاب؟ ومما يؤسف له حقا أن التفتيش في سائر المكتبات العربية لم يسفر عن نتائج ايجابية للحصول ولو على نسخة واحدة من الكتاب المذكور.
ولم تصلنا أيضا الرسالة التي كتبها بعنوان "قول من رزق الله حسون يبرئ نفسه من الغلول"، أي من التهمة الباطلة التي وجهت اليه بشأن استغلال مال الجمارك، اذ يوجه انتقادا فاضحا لموظفي الحكومة التركية. ولم تزل المكتبات خالية من بعض أعماله التي وصلتنا أسماؤها نقلا عن مصادر التاريخ ولم نرها نحو: "نشيد الأناشيد" و"مراثي أرمينية" وغيرها.
وأخيرا، كتاب "النفثات" الذي قدمه شخصيا في دمشق الى الأمير عبد القادر الجزائري، كان يحتوي على طرف كثيرة وابتكارات عديدة، نشير الى واحدة منها، فالصفحات الأخيرة من الكتاب (80-83) احتوت على قطعة عرض فيها بالشيخ أحمد فارس الشدياق مستخدما السورة 22 من القرآن ، التي رتب حسون أحرف آياتها السبع الأولى ترتيبا ألف منه جملة سخر وتهكم بها من الشدياق، فما كان من الأخير أيضا ألا أن تهكم من حسون حين قال عبارته الشهيرة: "كان حسون لصا وله سرقات، فأصبح صلا، وله النفثات". وقد أخطأ كراتشكوفسكي فقد فهمها بمعناها الحرفي "نفثت الحية السم"، والأولى بنا أن نفهمها بمعنى "انفجار وثوران" الذي يتناسب وطبع وأسلوب رزق الله حسون الثائر كالبركان المتفجر.
قد يدبو للنظرة الأولى ان كتاب "النفثات" الذي أصدره حسون في لندن قبل الشروع بنشر جرائده وضمنه صحفتين عرض فيهما بداعية الوحدة الاسلامية الشيخ أحمد فارس الشدياق، وقصائد مدح فيها البطل العربي عبد القادر الجزائري الذي قارع الاستعمار الفرنسي، علاوة على قصيدتين مكرستين لاعتلاء السلطان عبد العزيز العرش، والتماسين قدمهما للسلطان من غياهب السجن – قد يبدو ذلك بمثابة تراجع فكري أظهره حسون يومئذ بغية تمهيد طريق العودة إلى أسطنبول. ان ادراكه لعدم جدوى فعالياته ومردودين نشاطه السياسي – الاجتماعي بعيدا عن وطنه وشعبه، والشوق والحنين لأسرته التي تركها أسيرة في الأستانة ولاسيما الى قرينته وابنه الوحيد ألبير حسون، والآثار التي تركته في نفسه لقاءاته مع الرجال الأحرار العرب والأتراك دعاة الاصلاح في باريس وغيرها من الاعتبارات والعوامل التي قد تكون دفعته للتفكير بالعودة الى اسطنبول ولو مؤقتا. ولكن هذه الهواجش التي اعتملت في صدره أقل شأنا من الأهداف السياسية والاجتماعية التي وضعها نصب عينيه حين قام بتعريب قصص كريلوف عن الروسية. فوضعها على طريقة بيدبا الهندي في كليلة ودمنة، ولافونتين في خرافاته، ولقمان في حكاياته، وما شاكل. وهل كان حسون الا واحدا من كبار أحرار العرب حين نظم قصائد مكرسة لروسية، قارن فيها بين السلطان التركي الذي يستعبد الشعوب ويدمر المدن العامرة في الشرق، وبين بلاد القياصرة التي بلغت – كما يقول – حد الكمال، حيث يعيش الناس في أمان واطمئنان بعيدا عن الظلم والطغيان، فلا يعرفون شيئا عن فساد الحكم والأمراء الا من الحكايات؟
ويزداد حسون تألقا ولمعانا في كتاب "المشعرات" الذي صدر في سان باولو بعد وفاته (1901) والذي تضمن – وفقا لأخبار الصحافة العربية – أشعارا مختلفة وخمس مسرحيات ، الاشعار مكرسة أساسا لذكرى الأحداث الأليمة التي وقعت في بلاد الشام ولبنان سنة 1860 وهي دعوة صريحة للثورة على حكم الأرتاك، وقصائد تكفير واتهام للشدياق، وتجريم لليهود الذين ساهموا مع الأتراك في تدبير وتنظيم مذابح الشام، ومدائح للنصر المؤزر الذي احرزه السلاح الروسي على الأتراك في معركة قارص وغيرها.
الى هذا كله يجب التذكير بأن رزقا الله حسون كان قد ساعد كثيرا من المستشرقين في دراساتهم وأبحاثهم وفي اكتشاف وتحقيق ونشر عدة كتب من تاريخ الأدب العربي القديم (ديوان الأخطل وديوان ذي الرمة، ونقائص جرير والفرزدق وغيرها)، وقد أعد بنفسه للطبع ديوان حاتم الطائي ونشره في لندن سنة 1872.
ورزق الله حسون له مكانته البارزة والمميزة في تاريخ الفكر العربي السياسي – الاجتماعي. وقد أصاب كراتشكوفسكي الهدف حين عده "واحدا من أعظم رواد النهضة الأدبية القومية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر". وكصحافي حر طويل الباع كان له أثر جليل في صياغة الفكر السياسي العربي الليبرالي وترويجه واشاعته داخل حركة النهضة، رغم أن الصحافة في المشرق العربي كانت تنمو بوتائر سريعة من حيث الكم والكيف، ورغم أن التحولات الاجتماعية – السياسية والتغيرات الفكرية – الثقافية، وتفجر حركة التنوير العربي أصبحت في حكم الواقع الذي لا مرد له.
كتبه
ويترك لنا ما يقرب من عشرين كتابًا في الدين المقارن واللغة والأدب، ويصفه الأستاذ حسن الزيات بأنه كان في الشعر والنثر بالنسبة لأهل زمانه سابق فريد.
1- سر الليال في القلب والإبدال.
2- الجاسوس على القاموس.
3- الساق على الساق في معرفة الفارياق.
4- الواسطة في معرفة أحوال أهل مالطة.
5- اللطيف في كل معنى ظريف.
6- كنز اللغات.
7- غنية الطالب ومنية الراغب.
8- الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية.
9- سند الراوي في الصرف الفرنساوي.
10- منتهى العجب في خصائص لغة العرب.
11- المرآة في عكس التوراة