عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-20-2017 - 08:25 AM ]


ويكتب الشِّدْيَاق في كتابه: "الساق على الساق" عن أثر النقد في الشعر قائلاً: "على أن من نبغ في الشعر ولم يلْقَ مَن ينتقد قوله مرةً ومَن يُخطئه أخرى فلا يُمكنه أن يصل إلى مرتبة الشعراء المُجيدين ولو بقي ينظم أبياتًا ويودعها سمعه فقط لما عرف الخطأ من الصواب قط فلا يكاد أحد يُصيب إلا عن خطأ".

وعلى الرغم من رأيه في شعر المناسبات وحملته على شعرائها، فإنه قد وقع فيما كان ينتقده وجرفه تيار المناسبات وبالغ في مدح السلاطين، وكان بارعًا في المدح ومن ذلك شعره في ملك فرنسا والخليفة العثماني وباي تونس والمجاهد "عبد القادر الجزائري".

ويتحدث عنه الأستاذ حسن الزيات قائلاً: "أما شعره فأدنى رتبةً من نثره وأقل جودةً وأضعف ابتكارًا، فهو في نثره مُجدِّد وفي النظم مُقلِّد وفي كليهما بالنسبة لأهل عصره سابق مجيد.

العلاقة بين الشدياق ورزق الله حسون

تشير العلاقة بين رزقا الله حسون والشدياق الى اهتمام الباحثين في تاريخ النهضة العربية، لأنها تشكل جانبا بارزا من جوانب الفكر الاجتماعي – السياسي.

كان رزق الله حسون قد ترقى سنة 1861 الى رئيس نظارة جمارك الدخان، وفي العام التالي رافق الصدر الأعظم فؤاد باشا الى لندن بعد أن جاءها معتمدا عثمانيا في معرضها الدولي عام 1862. وبعد وقت قليل من عودته الى الأستانة اعتقل ورمي به في السجن. كانت التهمة التي وجهتها نظارة الضبطية الى حسون استيلاءه على أموال الجمارك ترمى الى تمويه الرأي العام واخفاء الدافع السياسي الكامن وراء تسوية الحساب وهو: "خطورة" الرائد حسون الأرمني المحتد من الناحيتين السياسية والاجتماعية. وتؤكد مراجع الاستشراق الفرضية القائلة بحصول الشرطة التركية على "بينة مباشرة" تمكنها من تصفية حسابها مع حسون وهي: كتاب وشاية موقع من قبل الشدياق شخصيا. واذن، فالدشياق الراغب في أن يكون الانسان الوحيد المتمتع برعاية ووصاية الدولة العثمانية والطامع في كرمها وسخائها – جعل مهمة تصفية الحساب مع منافسه المسيحي الأكبر في المديان الأدبي – السياسي – الصحافي رزق الله حسون هدفا رئيسا لحياته. وفوق ذلك بكثير: ليس سرا أن حسون المدافع عن اتجاه استقلال العرب عامة، والمسيحيين العرب خاصة، كان محروما من امكانية التصدي علنا للشدياق في الصحافة الصفراء الموالية للسلطان والمتعصبة للاسلام. كان مضطرا لان يكتب بخط يده مناشير تنتقد بسخرية لاذعة الشدياق ويوزعها على الأوساط العربية من الأستانة وغيرها. ومن المثير حقا الاشارة الى أن حسون كان وظل حتى الرمق الأخير من حياته يوجه للشدياق تهمة الخنوع والاذعان للسلطان التركي وخدمته خدمة ذليلة كانت تحط من قدر وكرامة العرب وأهدافهم القومية السامية، في حين اتهم الشدياق حسون بخيانة الدولة العثمانية والأتراك وخدمة الأجانب.

واغتنم الشدياق الفرصة السانحة لتوجيه ضربة قاضية الى حسون. كان الأديب الحلبي الأرمني قد نشر عام 1859 كراسا بعنوان "حسر اللثام عن الإسلام" وجه فيه نقدا مرا للرجعية الدينية المتزمتة، الأمر الذي يوجب على صاحبه الموت شنقا بموجب قوانين الدولة العثمانية. كان الكراس الغفل متداولا في السر بين أبناء الطوائف المسيحية ، فوقع سنة 1861 بيد الشدياق الذي سارع للوشاية برزق الله حسون الذي اعتقل على الفور.

ينبغي القول ان وشاية الشدياق كانت بمثابة دليل ملموس على خطورة حسون لدى السلطات التركية . ومن المعروف أيضا أن حسون كان يثير مخاوف أرباب السلطة بسبب اتصالاته الوثيقة مع دعاة اصلاح الدولة التركية – على حد قول كراتشكوفسكي. ويجب ألا يغرب عن البال أن الأصل الأرمني لحسون كان ذائعا مشهورا، وأنه لم يكن أنئذ يخفي قناعته ومبادئه التي عبر عنها في أكثر من مجال لم ينحصر بالحصافة، والتي تجلت أساسا في أن يقظة العرب الثقافية ونهوضهم في شتى الميادين الأخرى ممكن في حالة واحدة لا مناص عنها وهي: خروجهم من نظام الحكم التركي ، وبما أن فكرة الاستقلال الكامل لم تكن قد نضجت بعد في فكر حسون، لذا كان يوجه فطريا أنظار العرب نحو الدول الأوربية، فأوصى بتحويل سورية الطبيعية الى محمية تابعة لروسية في المقام الأول.

ومما يؤسف له أن مصادر التاريخ والأدبيات التاريخية التي أرخت لمسيرة وأعمال رزق الله حسون لاذت بالصمت المطبق ازاء مسألة خلاص المنور العربي الأرمني من براثن الأتراك ، وعن تفاصيل لجوئه الى روسية؟ ونحن أيضا محرومون من امكانية تحديد الطريق الذي سلكه حسون الى روسية غير أن واحدة من قصائده تخبرنا بأنه بعد وصوله الى مدينة باطومي على البحر الأسود لم يتحرك فورا تجاه الشمال، بل سافر الى تفليس عاصمة جورجية. ومن غير المعروف حتى اليوم ما اذا كان حسون قد زار وطن اجداده أرمنية أم لا، ولكن من المجلي أنه في طريقه الى عاصمة القياصرة بطرسبورغ، عرج على مدينة موسكو التي احتوت يومئذ جالية أرمنية كبيرة. وعن هذا الموضوع كتب الأديب كريمسكي ما يلي: "من الجائز أن يكون حسون قد زار الشارع الأرمني، والكنيسة الأرمنية، ومعهد اللعازاريين للغات الشرقية المعروف لدى كل الأرمن، حيث كان الأرمن من جميع أطراف المعمورة يتلقون فيه العلوم ، ومن بينهم شبان أرمن من مدينة حلب نالوا منحا دراسية فيه".

ليست هناك معلومات موثوقة تؤهلنا لتعريف القارئ بالنشاط الذي اضطلع به الكاتب المغترب في بطرسبورغ، ومن المعروف عنه أنه عمل في نسخ عدة مخطوطات من الأدب العربي القديمة المحفوظة في الدائرة الشرقية للمتحف الآسيوي. ولكن ثمة مسألة تدعو للتساءل: هل قصد حسون عاصمة القياصرة للعمل في نسخ المخطوطات؟ ففي المكتبة العامة تجد ورقة كبيرة مكتوبة بخط يده الجميل، وبأحرف متناهية في الدقة وهي عبارة عن نصوص من الأناجيل المقدسة، فهل يا ترى قطع حسون هذه المسافات الطويلة للوصول الى أبواب القيصر ألكسندر الثاني ولا هدف له سوى اثارة اعجاب الناس بخطه الجميل؟!

ولكي تأتي الاجابة عن هذه التساؤلات وأمثالها أكثر دقة، ترانا ميالين للأخذ بالملاحظات التي أبداها المستشرق الكبير كراتشكوفسكي في هذا الموضوع، وهي: أن قلة قليلة من المغتربين العرب كانوا يميلون للذهاب الى روسية، اما بهدف التجارة فيأتون أوديسة، واما بدافع ديني – مذهبي يتلخص في تلقي العلوم في المدارس الروسية الأرثوذكسية. وحسون لم يكن لا تاجرا، ولا مؤيدا للمذهب الروسي الأرثوذكسي، بل هو من الأرمن الكاثوليك، أما اللاجئون السياسيون من العرب فكانوا يتوجهون الى أوربة الغربية، ولاسيما الى فرنسة وانكلترة. وهكذا، ظهرت روسية على خريطة اللاجئين السياسيين العرب الفارني من الارهاب التركي بفضل الرحلة التي قام بها حسون اليها.

ونحن نعتقد ان كراتسكوفيكي أجهد نفسه كثيرا لتفهم "الدوافع التي حدت بحسون للتوجه صوب روسية" . فالدوافع عسيرة على الفهم، اذ من المحتمل جدا أن الدوائر الدبلوماسية المقربة من أسرة حسون هي التي رسمت خطة الفرار، ولاسيما أن بطريرك الأرمن الكاثوليك في الأستانة، أي عم رزق الله حسون ، كانت له ارتباطات واسعة بروسية وله الكثير من المعارف المخلصين في داخلها، وهناك سبب آخر لا يقل أهمية وهو أن حسون الذي كان يعرب في كل شاردة وواردة عن حبه وولائه لروسية، كان في مركز اهتمام الدوائر الحكومية الروسية، خصوصا أنهم كانوا يأخذون بالحسبان أصله الأرمني، وارمينية الشرقية كما نعلم تابعة لروسية القيصرية عصرئذ. ويجب علينا ألا ننسى اطلاقا أن حسون نفسه لم ينقطع عن الأرمن أبدا، وأنه اعتبر بلاد الأرمن موطن أجداده، وأنه بوصفه واحدا من أبناء الشعب الأرمني الذين اشتهروا بمعارفهم الموسوعية، كان يدرك حق الادراك الآثار الايجابية التي نجمت عن انضمام أرمينية الشرقية الى روسية، ولعل أهمها خلاص شطر من الشعب الأرمني من مظالم الأتراك ومذابحهم.

واذن، فالأرمني أسطفان تزادور حسونيان (يعني حرفيا: رزق الله حسونيان) الذي اشتهر بين العرب باسم رزق الله حسون، اختار التوجه صوب روسية بحثا عن حل للقدر التاريخي الذي عانا العرب، ونعني به مصير وقوعهم تحت السيطرة التركية، كان حسون على معرفة تامة بأن العمليات الحربية التي قام بها الأسطول الروسي على الشواطئ السورية قبل قرن من الزمان، قد مهدت لتحرير قسم من العرب من النير التركي البغيض – ولو لفترة قصيرة نسبيا – وأن يوسف الشهابي كبير الأمراء في جبل لبنان توجه يومئذ الى رجال الأرمن للتوسط لدى روسية بقبوله وشعبه تحت الحماية الروسية. ومن الطريف أن حسون دون ببراعة على هامش المخطوط المكرس للأناجيل الأربعة اسم القيصر "ألكسندر نقولايفيتش" وعلق في الحاشية باللغتين الروسية والعربية بهاذ الكلام: "رباه، امنح ألكسندر ملك هذا الزمان القوة والعنفوان كي يحقق ما قاله الإسكندر المقدوني لملك الفرنس داريوس في غابر العصر والأوان: "وكما لا تشع شمسان في قبة السماء، كذلك لا يملك في آسيا ملكان". ومن الجلي أن حسون كان يعراض بذلك كل الداعين لوضع آسية برمتها تحت أمرة السلطان التركي وفي مقدمة هؤلاء الشدياق الذي بشر بالوحدة الإسلامية ، بينما كان حسون يصبو لرؤية القارة الآسيوية بكاملها تحت سيطرة القيصر الروسي.

وسافر حسون من روسية الى فرنسة عام 1867، حيث كانت له لقاءات مع أوساط العثمانيين الجدد وغيرهم من المهاجرين والمغتربين الذين اختارو باريس مقرا لهم. ثم انتقل إلى إنكلترة واتخذ معظم سكناه فيها، ولاسيما قرية وندسورث. وقد شاعت أخبار في الأوساط العربية أنه جاء الى مسقط رأسه (حلب) متنكرا سنة 1873 فتفقد مكتباتها واستنسخ منها بعض الآثار النادرة.

لقد تفرغ حسون في إنكلترة لوضع كتبه وطبعها وللنشاط الأدبي والصحافي. كان في البداية يستنسخ بخطه الجميل الدوريات والمناشير ثم يطبعها على الحجر ويوزعها. وقد اخترع الحروف وحفرها بأنواع الخطوط المختلفة التي تفوق بها وجهز بها مطبعته المعروفة باسم "آل مسام".

وفي العام 1868 نشر مجلة عربية اسمها "رجون وغساق الى فارس الشدياق" نشر منها عددين في لندن: الأول في 4 آيار (مايو) 1868 في 14 صفحة صغيرة، والثاني في 5 آيار (مايو) وذلك ردا على أحمد فارس الشدياق اثر ما حدث بينهما من خصام شديد، فضلا عن أنها كانت تعبر تعبيرا صادقا عن الروح الوطنية السامية المتجسدة لدى الكثيرين من أدباء العصر الذين اضطروا للرحيل عن موطنهم، وتعكس مدى الاهتمام الذي كان يبديه حسون اذاء مصير أبناء العرب.

وفي سنة 1872 أصدر حسون جريدة سياسية أسبوعية مطبوعة عنوانها "آل سام" عمرت فترة قصيرة ايضا. كان قصده الأساسي يتركز في التقبيح بدولة الأتراك، اذ كان يقدح قدحا مريعا بالأتراك ودولتهم، فضلا عن تشويق الشرقيين الى محبة روسية التي كان يتمنى لها الاستيلاء على القسطنطينية.

وفي 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1876 نشر جريدة أسبوعية سياسية أخلاقية سماها "مرآة الأحوال" فكانت أية في الظرف وبلاغة الانشاء وجودة الكتابة. وطبعت على الحجر بخط صاحبها رزق الله حسون. وكان هدفه من اصدار هذه الجريدة يتوقف على عدة أمور أهما: تحرير العرب من ريقة الحكم التركي، والدعوة الى يقظة العرب ونهضتهم القومية الحضارية والتجوه نحو روسية، وتوجيه النقد اللاذع للشدياق وغيره من رجالات النهضة. كان حسون يظهر قدراته الفائقة وابداعه العظيم كمناظر وهجاء ونقاد، فكان يندد بالآخرين المحسوبين على النهضة ويعارضهم بأفكاره الداعية الى تحرير العرب، كل العرب مسلمين ونصارى – من نير الحكم التركي، والى أن الدول الأوربية، وفي طليعتها روسية ستقهر الدولة العثمانية، وستمن بالتالي على العرب – حتى لو كانوا تحت حمايتها – بالحرية، وستمهد الطريق أمام نهضتهم الثقافية والقومية.

وكما جرت العادة في ذلك العهد، كان حسون في كل ما أصدره من جرائد ناشرا ومحررا ومضدا ومصححا وطابعا وموزعا. لكن كان لديه عدة مساعدين أيام نشره لجريدة "مرآة الأحوال" من مريديه ومواطينه، أمثال: جبرائيل الدلال وعبد الله مراش ولويس صابونجي وغيرهم. كانت الجريدة تصدر بأعداد كبيرة قياسا الى ذلك العصر (كان يباع منها في لندن وحدها 450 نسخة). حقا ان الناطقين بالضاد من العرب والأتراك الملمين بالعربية كانوا قلة في لندن، ولكن يبدو أن الجريدة كانت تتسرب الى المشرق العربي رغم مضايقات السلطات التركية.

كان الانتصار الذي حققه السلاح الروسي خلال الحرب الروسية – التركية (1877-1878) قد أنعش الآمال لدى حسون، الذي كان في ضائقة مالية أضطرته لتعطيل "مرآة الأحوال" ونشر مجلة عربية طبعت في لندن سنة 1879 كانت تصدر كل خمسة عشر يوما، عنوانا "حل المسألتين الشرقية والمصرية"، وهي أول مجلة عربية شعرية كانت تنشر قصائد تبحث في سياسة مصر خصوصا، والشرق الأدنى عموما بالاضافة الى المسألة الأرمنية. فاجتمع منها مجلد بقطع ربع في أكثر من ثلاثمائة صفحة، اتفق المؤرخون المهتمون بالصحافة العربية أنها كانت تحتوي على قصائد مشحونة بالهجو الفظيع في حق رجال الحكومة العثمانية ولاسيما مختار باشا الغازي الذي انهزم أمام الجيوش الروسية في قارص. وفي قصيده له يهجو الغازي – الفار مختار باشا مطلعها:

هل أتاكم بأن مختار غازي أصبح اليوم وهو مختار باشا
بات مثل البرغوث أو مقلة مف روكة قصعت بلحية باشا


ا

رد مع اقتباس