الجامعة الإسلامية
كانت الجامعة الإسلامية "السنية" التي انبرى الشدياق للترويج لها كمذهب ديني – سياسي متكامل، يرتكز على دعامتين أساسيتين:
أولا – الاعتراف بالوحدة الروحية – الدينية لجميع المسلمين دون أي تمييز، والاقرار بأن الولاء للاسلام يجب أن يسمو على الولاء للجنس والقومية والوطنية والطبقة.
ثانيا – ان الوحدة الرومية – الدينية الإسلامية تحت راية الخليفة – السلطان الأعظم هي النموذج الأكمل والامثل للنظام السياسي الذي دونه كل الأنظمة السياسية الادارية المغايرة.
ليس عسيرا أبدا رؤية أنه بقدر ما كانت نزعة الجامعة الإسلامية سلفية – أصولية، كانت الدعامتان مترابطتين غير منفصلتين مثل توءمي سيام الملتصقين. فالسلطان العثماني كان يبايع بحكم القضاء والقدر خليفة على المسلمين منذ بداية القرن السادس عشر. وأفكار الأفغاني حول الجامعة الإٍلامية كانت في وضع جينين أواخر الخمسينيات وطوال السيتينات . وهو رغم مد يده للسلطان ومبايعته بالخلافة والملك واستحواذه على مباركته ورضاه، كان يوجه أنظاره الى النجوم الصاعدة في قبة السماء (ليتخذ منها مظلة واقية لأمنه وسلامته) أي الى الأميرين محمد دوست وشير علي، فكان يستغل طموحهم الى الحكم لتحقيق مآرب الاستعمار الإنكليزي بمساعدة الإسلام.
ومن هنا كان هدف الشدياق النهائي مغايرا تماما وأعظم شأوا. اذ تمحور حول تحويل الامبراطورية العثمانية الى دولة إسلامية قوية موحدة. فقد أفادنا الطرزي بأن السلطان عبد العزيز ساعد على توسيع نطاق جريدة "الجوائب" لبث فكر الخلافة النبوية بين المسلمين المستشرقين خارج الدولة العثمانية، فكان أحمد فارس الشدياق يقبض كل سنة خمسمئة ليرة عثمانية من السلطان المشار إليه لهذه الغاية، علما بأن هذا المبلغ كان يعادل اثني عشر ألف روبل ذهبي.
كان الشدياق بداية ينشر "الجوائب" مجانا في المطبعة السلطانية، وفي السنة العاشرة أنشأ بأموال السلطان مطبعة خاصة جهزها بكل أدوات فن الطباعة الحديثة حتى صارت تعد من أشهر المطابع في السلطنة العثمانية. في ذلك الوقت كان الشدياق محررا في "الجوائب" كبرى الصحف العربية آنذاك. ولم يكن يتخذ موقفا معاديا من المعارف والعلوم التقنية الأوربية ولا حتى من التنوير الأوربي. ولكنه، على الضد من هذا، كان يبشر بأفكار تدعو الى التقدم العربي والشرقي – الإسلامي بمعزل عن التأثير السياسي الأوربي ،والى أن الرعايا العثمانيين لا يجب أن يتمتعوا وحدهم بالرعاية الأبوية للسطلان، بل جميع المسلمين الذين يجب أن ينضووا تحت راية خليفة الإسلام المعظم.
وبعد اطلاع كريمسكي على محتويات جريدة "الجوائب" كتب ما يلي: "انها صحيفة ذات نزعة أوربية، ولكنها مكرسة كليا للإسلام والسلطان". أما كوتلوف فقد أكد محقا "أن نشاط الشدياق اتسم بطابع إسلامي بحت، وكانت للوحدة العثمانية لديه أفضلية وأولوية على الوحدة العربية" . وليفين الذي عد الشدياق "مؤسسا للأدب العربي الحديث" لم ير ضرورة للتطرق الى آرائه السياسية – الاجتماعية، لكنه أكد أن جريدته اصبحت حاملة لأفكار النزعة العثمانية ونزعة الجامعة الإسلامية، اذ كانت تعد صحيفة شبه رسمية للحكومة العثمانية.
ومع ذلك، ينبغي التذكير، بأن الشدياق كان سيدا لا ينازع في ميدان الفكر الاجتماعي – السياسي الغربي، ولاسيما ان جناح الفكر الليبرالي الوطني كان ضعيفا جدا في الوسط النهضوي حيث لم يكن الراديكاليون قد نزلوا بعد الى الميدان. فكان رزق الله حسون الرائد الوحيد الذي قارع فكر الجامعة الإسلامية للشدياق من لندن النائية عن الأوساط العربية الشرقية، ولذا كان قاصرا عن وقف مدى نفوذه المباشر أو حتى تحييده واحتوائه. ويجب ألا ننسى أن "الجوائب" وصاحبها الشدياق نالا شهرة واسعة لم ينلها سواهما منذ ظهور الصحافة العربية حتى ذاك العهد، فانتشرت انتشارا عظيما في الشرق والغرب. وكان للشدياق القدح المغلي بين أساطين الفكر الإسلامي وجهابذته عصرئذ، لا بل ان الدوائر الأوربية كانت تحسب ألف حساب لمواقف "الجوائب" وآرائها التي عدت شبه رسمية للباب العالي كما أسلفنا.
ومهما يكن من أمر ، فالشدياق لعب دورا كبيرا في تطوير الأدب السياسي الاجتماعي العربي الذي تجلى في "كنز الرغائب في منتخبات الجوائب" الذي جمعه ابنه سليم الشدياق في سبعة مجلدات شملت انفس ما نشرته هذه الجريدة من منشور ومنظوم في حقول الأدب والسياسة والعلم والاجتماع والتاريخ وحوادث الكون (الأستانة 1871-1881). كان الشدياق جبار الأدب العربي الحديث في نثره المبتكر، ولاسيما في كتابي "الفصول اللطيفة والمقالات الظريفة" و"المقامات الأدبية"، حيث يبرز وحيد عصره في كتابة المقامات . كان مارون عبود أحد أعظم نقاد العرب في كتابه "صقر لبنان" الذي يبحث في تاريخ النهضة الأدبية الحديثة، قد نعت الشدياق بصقر لبنان تشبها بصقر قريش الذي شيد للعرب دولة في الأندلس. والشدياق زعيم المجددين في العلون اللغوية وآداب العربية. كانت له سجلات ومنظارات عظيمة مع المعلم بطرس البستاني وناصيف اليازجي وابنه ابراهيم اليازجي وغيرهم من الرواد العظام الذين قدموا خدمات جليلة لآداب العرب. وقد خص كل من المؤرخ كمال الصليبي والأديب ميخائيل صوايا، الشدياق بمركز الريادة بوصفه ركنا من أركان النهضة الأدبية في العصر الحديث. أما جرجي زيدان فوصفه بأنه "من أركان النهضة العلمية الأخيرة" ثم استطرد قائلا: "كان متبحرا في علوم اللغة، وله قريحة شعرية، ولكنه امتاز بمعرفته الواسعة في مواد اللغة وسهولة أسلوبه في الانشاء". ويجب الاقرار أيضا بأن الشدياق له خدما جلى في ميدان أحياء التراث ونشر وتحقيق وضبط نيف وعشرين كتبا في أواسط الثمانينات وتقديمها للقارئ العربي . حقا ان اختياره لمناهل التراث لم يكن هادفا دائما، فالى جانب المصادر التي توقظ الشعور بالفخر ضد العرب، كان يكثر من نشر الكتب التي تهم قليلا من المختصين بعلوم اللغة وعلى كل حال، كان الشدياق صاحب الفضل في تعريف العرب بعيون الفكر العربي الأصيل.
وأكثر من ذلك، فالدشياق حمل في ثنايا فؤاده مشاعر الشوق والحنين الى مسقط رأسه في بلاد الأرز طوال عشرات السنين من التغرب القاسي، فاشتهر بأنه أول من عبر عن فكرة "الوطنية اللبنانية" في الأدب العربي الحديث. ولا ننكر أبدا أن الشدياق انبرى في الدفاع بحماسة منقطعة النظير عن اهمية العلوم والمعارف الأوربية. داعيا الى نشرها بحماسة منقطعة النظير عن الحياة الشرقية. كما انه لم يتقاعس يوما عن الهجوم على التجهيل الديني وانتقاد الحياة الاقطاعية الخانقة سواء في الأقطار العربية أم على مستوى الدولة العثمانية عامة. وكان مع المعلم بطرس البستاني من أوائل نصراء المرأة قبل أن يهب شرقي لنصرتها والدعوة لتحررها واحلالها المحل اللائق بها في الأسرة والمجتمع.
كل هذا حقيقة ناصعة البياض لا غبار عليها.
ولكن كما تؤكد الأدبيات الاستشراقية ، لم تكن أراؤه النهضوية – التنويرية نابعة من ايمانه بالمثل والقيم العليا وقناعاته الراسخة الثابتة بفضائلها، بل من مآربه الهادفة لمواكبة متطلبات العصر الحديث وطموحاته الهادفة لأن يكون رجل العصر الأول وزعيم المحددين الذي لا ينازع، ولهذا السبب لم تكن القيم النهضوية والمعايير التنويرية الشدياقية تتصف بالمبدئية والاستمرارية. بل بالتقلب والتلون مع تقلب الأحوال والمنوال. فشابتها عيوب وهفوات مناقضة تماما للمفاهيم النهضوية. وعن هذا الموضوع يقول كراتشكوفسكي: "مما لا شك فيه أن الشدياق شخصية جامعة وعقل موسوعي ليس على الصعيد العربي فقط، ولكنه لم يكن – على ما يظهر – يراعي حرمة المبادئ، بل استطاع بعبقريته الدفاع عن كل ما رآه ضروريا في اللحظة المعينة، أي كان عنده لكل حادث حديث". وكان في كل ما دافع عنه، ولاسيما في طور النهضة – يتعارض مع قدس أقداس المبادئ النهضوية – التنويرية الأصيلة، مما أبعده موضوعيا عن مسار الحركة النهضوية الحديثة. كان كل ذلك أمرا لا محيد عنه، فعرقلة الجهود الرامية للسير بالفكر العربي باتجاه العلمنة والتنوير، والدعوة الى الوحدة الاسلامية الشاملة، ومعارضة الحريات السياسية والمدنية من خلال الاطناب في فضائل وشمائل نظام السلطان التركي الاستبدادي ومواجهة منافسيه المناضلين من مواقع المبدئية والموضوعية بالتهكم والسخرية والامبدئية، لا بل وحتى بالوشاية الى عسس السلطان ومخبريه، وغيرها من الأعمال والأنشطة التي اضطلع بها أحمد فارس الشدياق ساهمت في تمييع حركة النهضة القومية – الثقافية العربية، وقادت بالتالي الى حرمانه من تبوؤ المكانة اللائقة به في النهضة العربية الحديثة.
فمن الحقائق المسلم بها أن الشدياق لم يكن يطيق صبرا بأي عالم أو رائد ينافسه على الشهرة في ذلك العهد. وقد وجد فيليب الطرزي من واجبه الاشارة الى هذه الحقيقة التي "تغض من مقام العالم وتحط من قدر الكاتب"، موجها النقد الى أسلوب الشدياق في الذم والشتم في مناظرته العلمية أو السياسية مع أكبر علماء ذلك العصر، ابتداء من رزق الله حسون وناصيف وابنه ابراهيم اليازجي وانتهاء برشيد الدحداح وبطرس البستاني وأديب اسحاق ولويس صابونجي وسواهم من أسطاين وجهابذة. وقد أصاب عبد الغني حسن عين الحقيقة حين شدد على أن معظم الذين انتقدهم الشدياق نقدا لاذعا من الرواد المسيحيين الذين عابوا عليه تعصبه الأعمى للاسلام .
في طلب العلم:
دخل فارس الشِّدْيَاق الكُتَّاب، ويصفه مُعلِّمه بأنه لم يطالع مدة حياته كلها سوى كتاب الزبور، وكان الصغار يخرجون من الكُتَّاب كما دخلوه فلا كسبوا علمًا ولا وسعوا فهمًا.
وأفاد الشِّدْيَاق من الكتب التي كان ينسخها أبوه، ورغم أنها كتبٌ أكبرُ من سِنِّه وعقله إلا أنه كان يغالب صعوباتها بطول الصبر على قراءتها. ولما تُوفِّي أبوه وهو صغير عرف أنه لا ملجأ له بعد الله غير عمله، فعكف على النساخة واتخذها صناعة، ولكنها ـ على حد قوله ـ مهنة لا تكفي المحترف بها، ولا سيما في بلاد تقدس الدرهم والدينار.
وحببته النساخة في الكتب. وكانت له حافظة قوية وذاكرة حاضرة أعانتة بعد ذلك في الإفاضة في التأليف اللغوي واستحضار الشواهد التي لا حصر لها بأدنى جهد وأيسر كلفة.
ولم يتكبر الشِّدْيَاق على طلب العلم في أي مرحلة من عمره؛ ففي خلال إقامته بمصر 1825ـ1834 لم يجد حرجًا في أن يتتلمذ على الشاعر المصري الشيخ "محمد شهاب الدين" والأديب "نصر الله الطرابلس" الحلبي وأفاد كثيرًا من توجيهات الشيخ "رفاعة الطهطاوي" الذي أخذه معه محررًا في الوقائع المصرية، مما أزاد من حصيلته اللغوية والشعرية.
قصة إسلامه:
كان المُؤرِّخ "جورجي زيدان" من أقدم الذين ترجموا للشِّدْيَاق في كتابه المعروف "تراجم مشاهير الشرق" وأشار في قصة إسلامه قائلاً: ووجه إليه حضرة الباي أحسن منصب إليه، وهناك اعتنق الإسلام على يد شيخ الإسلام، وسُمِّى أحمد، فصار اسمه "أحمد فارس الشِّدْيَاق".
ومن الذين لم يتركوا إسلام فارس الشِّدْيَاق بلا تعليق خاص الباحث اللبناني "بولس سعد"، وقال في رسالة عنه: وكانت ذكرى وفاة شقيقه أسعد في الظروف التي ألمحنا إليها فيما تقدم (تعذيب البطريرك الماروني له بسبب تحوله إلى البروتستانتينية) لا تزال راسخة في ذهنه تؤلمه وتقض مضجعه فسولت له نفسه اعتناق الإسلام وسمي "أحمد فارس".
ووجه الغرابة أنَّ "أسعد الشِّدْيَاق" الأخ الأكبر مات بسبب تعذيب الموارنة له لتغيير مذهبه قبل إسلام "أحمد فارس" بما يقرب من 26 عامًا، فأين كان كل هذه المدة؟ أما كان أقوى في الاحتجاج بأن يغير دينه عقب وفاة أخيه مباشرة لا أن يصبر ربع قرن؟!
وفي كتابه "مجددون وقدماء" تجرد "مارون عبود" من عباءة الطائفية – كعادته وكتب عن فارس الشِّدْيَاق وأنصفه كثيرًا ودافع عنه. ومن العجائب أن عروبته لم تكن محل خلاف أو موضع جدل بين مؤرخيه وكُتَّاب سيرته أما مسألة عقيدته فأثارت من المجادلات ما ليس هنا موضع لذكره.
طبيعة نقدية
كان الشِّدْيَاق مُحبًّا للرحلات وقابل خلالها الملوك والمستشرقين والعلماء والشعراء ومنهم الخليفة العثماني وباي تونس والأمير المجاهد "عبد القادر الجزائري" بعدما استسلم لأعدائه الفرنسيين في العام 1847 بعد جهاد طويل.
ومما كتب عن عبد القادر:
شيئان لستُ أَطيقُ صبرًا عنهما ذكرى هواك ومدح عبد القادرِ
هو ذلك الشَّهْمُ الذي شهدتْ له كُلُّ البرية بالفِعَال الفاخرِ
كما التقى المستشرقين وقطع الأمل منهم وأساء الظن فيهم، كما هاجمهم في كتابه "كشف المخبا في فنون أوروبا" مؤكدًا أنهم لا يعلمون إلا القليل من العربية لأنهم لا يأخذونها عن أهلها وينسبون إليها ما ليس فيها.
وقد جرَّت طبيعة النقد عليه كثيرًا من أسباب الخصومات بينه وبين طائفة من أعلام زمانه. ويستظهر "مارون عبود" أن "فارس الشِّدْيَاق" قد انتقد القاموس المحيط لـ "الفيروز آبادي" في كتابه المُسمَّى "الجاسوس على القاموس" ليهدم كتاب "محيط المحيط" الذي اعتمد عليه "بطرس البستاني" على قاموس "الفيروز آبادي" فأصاب عصفورين بحجر واحد.
ولم يخسر الشِّدْيَاق مودة البستاني فقط، بل كان هناك أيضًا الشيخ "ناصيف اليازجي" وولده الشيخ "إبراهيم" واللغوي الشيخ "سعيد الشرتوني" والكاتب "أديب إسحاق" و"رزق الله حسون" الحلبي الذي أنشأ في لندن عام 1848 مجلة جدلية صغيرة أسماها "رجوم وغساق إلى فارس الشِّدْيَاق" وكان غرضه من إنشائها (الرد على أحمد فارس الشِّدْيَاق صاحب جريدة الجوانب لإطالة لسانه وتحريك قلمه بالسفاهة في حق رزق الله حسون).
ومن عجب أن هؤلاء الخصوم كانوا قبل ذلك يتبادلون الود والتقدير، كما أنه بعد موت نصيف اليازجي 1871 وفي نفس الشِّدْيَاق منه شيء ولكنه لم يستطع أن يسكت عن رثائه في صحيفة الجوانب.
من خصائص الأسلوب
يصف النقاد الشِّدْيَاق بأنه من كُتَّاب العرب القلائل الذين يعرفون قيمة الألفاظ وينزلونها منازلها، كما أنه: دقيق الوصف، عميق التحليل، بارع في التصوير؛ ومن ذلك وصفه لملجأ للعجزة في مالطا: "والرابع للطاعنين في السن، العاجزين عن تحصيل معاشهم، المادين لوداع الدنيا يدًا، والمُغمضين عن وزرها ونعيمها عينًا. قد أصبحوا من هذه الحياة على شفا جرف هارٍ يَعتبر بهم اللبيب، ويتعظ بهم المُستهتر في حب هذه الدنيا؛ إذ تراهم كالأغرار من الأولاد قد انحنت بهم القدود لما استوى عندهم داعي الأجل وأظلمت منهم الأبصار بعد أن أضاء منهم صبح المشيب وانحلت منهم القُوَى.. فَثَمَّ يقضون ما بقي من حياتهم بـ كان وصار".