عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-19-2017 - 08:23 AM ]


وتزامنت شهرة الحطيئة مع ظهور الإسلام، ولم تكن له به قدم راسخة، فقد اتصل بالحياة الإسلامية متأخراً، وكان أثر الدين في شعره خافتاً ضعيفاً، وامتدت به الحياة إلى عصر الراشدين، وظل ينظم شعره كما كان أسلافه يفعلون في الجاهلية يمدح السادات ويهجوهم، ويثير العداوات والنعرات وكان حريصاً على العادات الجاهلية ولم يلتزم بالعادات الإسلامية التي كان الخلفاء يحرصون على غرسها في نفوس الشعراء. ولعل هذا كان من أقوى الأسباب التي جعلت الإخباريين يضيفون إليه أخباراً فيها قدر كبير من المبالغة والتزيد، ويتناقلونها دون تمحيص. لهذا يبدو أن الحطيئة كان ضحية لتلك الروايات التي جعلت منه إنساناً شريراً يخشاه الناس ويتقون شره.
وعلى الرغم من كل تلك الروايات التي تتهم الحطيئة برقة الدين، ولؤم الطبع، والبخل، ودناءة النفس. نقف له على شعر يكشف فيه عن نفس تواقة إلى التوبة، لا ترى السعادة بجمع المال ومتاع الدنيا، إنما السعادة الحقيقية في التقوى والعمل الصالح (52) كما أن من يطالع شعره يقف له على أبيات تصوره إنساناً رقيق القلب عطوفاً على امرأته وبنيه وبناته (53) كما أن هذا الشاعر الذي غلب عليه الهجاء، كان فيه على الرغم من كل ما يروى عنه نوازع كريمة. فقد كان يثني على من يحسن إليه، ويعترف بفضله ولا ينكره، ولهذا امتنع عن هجاء أوس بن حارثة الطائي حينما دعي إلى ذلك (54) . هذه الصور عن شخصية الحطيئة والتي لا تخلو من الملامح المتناقضة، تدفعنا إلى تصحيح تلك الأحكام التي أطلقت عليه وتجعلنا نحذر الانسياق وراء الأخبار التي حشدها الرواة وتناقلوها عن أخلاقه وطباعه.
وفي عصر الراشدين حال الخلفاء بين الشعراء وبين نزعاتهم وأهوائهم. فقد وجهوا الشعر وجعلوه في خدمة الدعوة وعارضوا أي شعر فيه خروج على فرائض الدين وشرائعه. وتكاد الروايات تجمع على أن الخلفاء لم يتسامحوا مع الشعراء الذين حاولوا الخروج على تعاليم الإسلام، فقد تعقبوهم وحاسبوهم، وضربوا على أيدي العابثين منهم، وألزموهم سلوك جادة الصواب والحق، نفروهم من فاحش القول ومن رفثه، ومن شعر الهجاء والتشبيب، وقد بلغ الأمر بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عزل عامله على ميسان النعمان ابن عدي لأبيات قالها ذكر فيها الخمرة ووصف فيها مجالس اللهو والطرب (55) وتقدم إلى الشعراء بأن لا يُشَبب رجل بامرة إلا جُلِدَ (56) وأنكر على عبد بني الحسحاس صراحته في غزله ومجاهرته بالحب الجسدي مما ينافي الحياء العام وقال له: حينما سمعه ينشد بعض شعره ((إنك ويلك مقتول)) (57) وغَّرب أبا محجن لأنه جاهر بشرب الخمرة على الرغم من شعوره بالإثم في تعاطيها (58) وسجن الحطيئة لهجائه على الرغم من أن الحطيئة لم يقذع في هجاء الزبرقان، بل مسه برفق وعمد إلى التهكم والسخرية حينما قصر به عن بلوغ بعض المكرمات (59) وأنَّب حسان بن ثابت رضي الله عنه ووبخه حينما سمعه ينشد في مسجد رسول الله (ما كان يقول أيام الصراع بين المسلمين والمشركين (60) ، كما نهى أن ينشد الناس شيئاً من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي والميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام (61) .
كان عمر رضي الله عنه حريصاً على الآداب الإسلامية، كارهاً لكل تقاليد الجاهلية، ولهذا ضَيَّق على الشاعر غير الملتزم بعض وجوه القول، فمنع نعت الخمر، ورفث القول والإقذاع في الهجاء، ونحو ذلك من الأغراض الشعرية التي لا تلتزم بالمثالية الخلقية للإسلام. لقد بدل الإسلام الحياة العربية وصاغها وفق مبادئه وتعاليمه. وقد أراد عمر من الشعر أن يكون صورة الحياة الإسلامية وتعبيراً عنها. وقد حاول شعراء صدر الإسلام الإفادة من فنهم الشعري لتحقيق هذه الغاية النبيلة. ولم يخرج عن هذا الإجماع إلا فئة قليلة من شعراء الأعراب، تمردوا على القيم والالتزام بأوامر الدين وفرائضه. وكان من أشهرهم شاعران عرفا عند الرواة بفحشهما وسوء أخلاقهما. والشاعران هما النجاشي الحارثي (قيس بن عمرو بن مالك) وضابئ بن الحارث بن أرطاة بن شهاب، من البراجم.
وقد شاع بين الرواة أن النجاشي كان فاسقاً رقيق الإسلام (62) أما أشعاره التي وصلتنا فإنها على قلتها تبرز سوء أخلاقه وطباعه، إذ تصوره قبيحاً فاحشاً يميل إلى الطيش والسفه، يهتك الحرمات، ويتمرد على القيم، ولا يبالي بمُثُل أو أعراف وكانت فوق ذلك تعبيراً عن سلوك تجاوز كل الحدود التي رسمها الإسلام من قَبْلُ للشعراء، وبدا هذا السلوك في مظاهر مختلفات: إجماع الرواة على ذلك الخبر الذي تواترت روايته في أمهات المصادر. فقد روي أنه شرب الخمر في رمضان فأقيم عليه الحد، وجلده علي رضي الله عنه مائة سوط (63) . إجماع الرواة هذا يثبت الخبر ويؤكد صحته. وفي طبيعة شعره، فقد اشتهر بالهجاء في عصر يعتبر فيه الهجاء جريمة يعاقب عليها فاعلها، ويبدو شره وسفهه في هجائه لأهل الكوفة (64) وفي هجائه لبني العجلان الذين عرفوا بتعجيل قرى أضيافهم، إلى أن هجاهم به النجاشي، فضجروا منه وسُبوا به واستعدوا عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسجنه، وقيل إنه حده (65) . واشتهر النجاشي بهجائه لتميم بن أبيّ بن مقبل (66) وعبد الرحمن بن حسان ابن ثابت (67) وقريشٍ (68) ومعاوية رضي الله عنه (69) .
لقد جانب النجاشي في شعره الحياة العامة للمسلمين فجاهر بشرب الخمر في عصر لم تعد فيه المجاهرة بذلك مقبولة، وانصرف إلى الهجاء، وأحيا، رغم إسلامه، روح الجاهلية ورواسبها. وقد عكست المقطوعات الشعرية التي احتفظت بها المصادر قبح هجائه وفحشه، كما صورت رقة دينه وفساد أخلاقه، وسوء علاقته بالآخرين، وكانت امتداداً لصورة الهجاء القديم أو بعثاً لها. لقد استعاد الهجاء أنفاسه على يد النجاشي، وتحول إلى سباب وبذاءة يبلغان حد الإقذاع، ومن ذلك هجاؤه أهل الكوفة: [البسيط]
إذَا سَقَى الله أرْضاً صَوْبَ غادِيَةٍ
فلا سَقَى الله أرض الكُوفَةِ المَطَرَا

التَّارِكين على طُهْرٍ نساءَهُم
والناكِحين بِشَطَّي دِجْلَةَ البَقَرَا
والسارِقين إذا ما جَنَّ ليلُهُم
والطَّالِبِين إذا ما أصْبَحوا السُوَرَا

لقد حبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه النجاشي لهجائه لبني الحارث، وهدده بقطع لسانه إن عاد مرة أخرى للهجاء. إن النجاشي في هجائه بني العجلان لم يعمد إلى سباب أو شتم، بل حط من قدرهم وسخر منهم، ووصفهم بقلة الخير والخساسة واعتمد في ذلك على التصوير الحسي القائم على دلالة أخلاقية اجتماعية. [الطويل]
إذَا الله عادَى أهْلَ لُؤْمٍ ودِقَةٍ
فعَادى بَنِي العَجْلان رهْطَ ابن مُقْبِل

قُبَيلَةٌ لا يَغْدِرُون بِذِمَّةٍ
ولا يَظْلِمُون الناسَ حَبَّةَ خرْدَلٍ

ولا يَرِدون الماءَ إلا عَشِيةً
إذَا صَدَرَ الوُرادُ عن كُل مَنْهلٍ

تَعَافُ الكِلابُ الضَّارياتُ لُحُومَهُم
وتأكُلُ مِنْ كَعْبٍ وعوْفٍ ونَهْشَلِ

وما سُمِّي العجْلانَ إلا لقولِهِم
خُذِ القَعْبَ، فاحْطُبْ أيُها العبدُ واعْجَلِ

لقد وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقفا حازماً من كل شعر يمكن أن ينبش أحقاداً مضت، أو يؤجج عداوات تثير العداء والبغضاء، وتسهم في إعادة الروح الجاهلية أو ترسخ عاداتها وتقاليدها. ولقد أخذ بالعقاب كل شاعر حاول أن يصرف الشعر عن موضوعاته التي تتصل بالحياة الإسلامية، ويعود به إلى بعض وظائفه الجاهلية التي يأباها الإسلام كالهجاء المقذع والغزل الفاحش المبتذل والمنافرات القبلية. وأمام خروج بعض الشعراء عن الإطار الخلقي الذي رسمه الإسلام حاول عمر رضي الله عنه أن يصل بالشعر إلى معادلة جديدة تربط الشعر بالحياة الإسلامية، وتحول بين الشعراء وبين الانعتاق من أوامر الشريعة وفرائضها، أو الاندفاع مع رغبات النفوس وأهوائها.
ومن شعراء الأعراب الذي وصفوا بالفحش وسوء الخلق: ضابئ بن الحارث بن أرطاة، من بني غالب بن حنظلة التميمي البرجمي. وصفه ابن سلام فقال: ((وكان ضابئ ابن الحارث رجلا بذيا كثير الشر)) (70) . وقال عنه المبرد: ((وكان فاحشاً)) (71) وحينما سمع عثمان بن عفان رضي الله عنه شعره في أم ولد عبد الله بن هوذة قال ((ما أعلم في العرب رجلا أفحش ولا ألأم منك، وإني لأظن رسول الله (لو كان حياً لنزل فيك قرآن:)) (72) وساق ابن سلام وغيره من الرواة خبر حبس عثمان له لبعض جناياته ومنها (73) :
- وطئ صبياً بدابته فقتله، فرفع إلى عثمان بن عفان فاعتذر بضعف بصره.
- استعار كلب صيد من قوم من بني نهشل يقال له قرحان، فحبسه حولاً، ثم جاءوا يطلبونه وألحوا عليه حتى أخذوه فرمى أمهم به.
- اضطغن علي عثمان ما فعل به، فلما دعي ليُؤَدّبَ شد سكيناً في ساقه ليقتل بها عثمان فعثر عليه فأحسن أدبه.
وتحتفظ أمهات المصادر العربية بقدر يسير من شعر ضابئ، وهذا القدر على قلته يكفي للتدليل على صحة ما ذهب إليه الرواة. ففي بعض أبياته نقف له على معان ساقطة الفحش والإقذاع فيهما ظاهران يغنيان عن أقاويل الرواة ويكشفان عن نفس شريرة لا تتورع عن القذف والبهتان. ولعل أظهر ما يوضح أخلاق ضابئ وسوء طباعه وإسرافه في البغي والعدوان هجاؤه لأم ولد عبد الله بن هوذة. فقد أبرزت الأبيات استخفافه بالقيم الأخلاقية، والمثل العربية واندفاعه وراء السفه والبغي. والإسلام الذي أمر أتباعه بالتحلي بالأخلاق الفاضلة التي تقوم على نبذ الفواحش ما ظهر منها وما بطن، حرم الهجاء وذم الفحش. ويبدو أن رقة دين ضابئ دفعته إلى السقوط والإفحاش على هذه الشاكلة التي لا نرى أمثلة لها حتى في الشعر الجاهلي، حينما كان الشعراء يرمزون إلى ما يريدون ولا يصرحون بالمعنى الفاحش كما هو ظاهر في أبيات ضابئ (74) . [الطويل]
فأُمُكُمُ لا تُسْلِموها لِكَلْبِكُمْ
فإنّ عُقوقَ الأمَهاتِ كَبِيرُ

وإنّكَ كلْبٌ قد ضَرِيتَ بما تَرى
سَمِيِعٌ بِمَا فَوْقَ الفِرَاشِ بَصيرُ

إذَا عثّنَتْ من آخر الليل دُخْنَةً
يَبِيتُ لها فوقَ الفِرَاشِ هَرِيرُ

إن هذا الشعر والنماذج الأخرى التي سقطت إلينا من شعر ضابئ بعيدة كل البعد عن فكر الإسلام وتصوره لطبيعة الشعر. فالإسلام الذي كان يستهدف الغاية الأخلاقية هذب أخلاق أتباعه، وأمرهم بالصدق في القول والعمل، وحذرهم من كل صنوف البغي، وقرن شرف المعنى في الشعر بالبعد الأخلاقي حتى في موضوع الهجاء. فالرسول (حينما دعا حسان بن ثابت لهجاء قريش أمره أن يلقى أبا بكر ((يعلمه هنات القوم)) (75) وقد جاء ذلك كله بأداء تعبيري يغلب عليه نقاء الألفاظ وعفة المعاني. وحينما تفرد حسان رضي الله عنه من بين شعراء المسلمين وأقذع في هجاء أعداء الإسلام، وعرض للعورات، وكشف السوءات كان أشد الناس بعداً عن التهافت والسقوط التي وصل إليها ضابئ في هجاء أم ولد عبد الله بن هوذة.
هذا الجانب الفاحش الذي ورد في شعر ضابئ أو في شعر النجاشي عندما هجا أهل الكوفة، يعدان أمراً غريباً في ظل الإسلام وفي صدره الأول بالذات. ولعل تسامح عثمان رضي الله عنه، ولينه الذي اشتهر به شجع بعض شعراء الأعراب الذين عرفوا بضمور الوازع الديني على مثل هذا اللون من الهجاء الذي تنكره الأخلاق الفاضلة والتعاليم الدينية. إن تمزيق الأعراض وهتك الحرمات على هذه الشاكلة التي وردت في شعر ضابئ وفي شعر النجاشي أيضاً ما كان لهما أن يظهرا بهذه الصورة الجريئة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لقد ظل التلازم قائماً بين وظيفة الأدب والشخصية الإسلامية في عصر عمر.

رد مع اقتباس