عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-19-2017 - 08:19 AM ]


والتَاثُ ما دونَ يَوْمِ الوعْدِ من عُمُري

لَوْلا الحَيَاءُ ولَوْلا الدين عِبْتِكُمَا
بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَري

أما بقية شعره على كثرته، فبحكم طبيعته التي عرف بها عند الرواة، انبرى يشيد فيه بمظاهر الحياة الجاهلية ولم يمنعه إسلامه من أن يضمنه مضامين جاهلية يأباها الإسلام. لقد ظل قلبه بعد إسلامه معلقا بزوجه الدهماء التي ورث نكاحها عن أبيه في الجاهلية، ففرق الإسلام بينهما، وظل شعره يحتفى بنزعات جاهلية أبطلها الإسلام. يعبر عن هذه النزعة الجاهلية، التي لم تتأثر كثيراً بالدين ويجليها قوله (26) : [البسيط]
هَلْ عَاشِقٌ نالَ مِنْ دَهْماءَ حاجَتَهُ
في الجاهِلِيةِ قبْلَ الدين مَرْحُومٌ

إنْ ينقُصِ الدهرُ مِني فالْفَتَى غَرَضٌ
لِلدهْرِ، من عوْدِهِ وافٍ ومَثْلُومُ

وإنْ يَكُنْ ذَاك مِقْداراً أُصِبْتُ بِهِ
فسيرَةُ الدهرِ تَعْوِيجٌ وتَقْويمٌ

ما أطْيَبَ العيشَ لوْ أنَّ الفتى حَجَرٌ
تَنْبُو الحوادِثُ عنْهُ وهو مَلْمُومُ

لا يُحْرِزُ المرءَ أنْصَارٌ ورابِيَةٌ
تَأْبَى الهوانَ إذا عُدّ الجراثِيمُ

لا تْمَتَعُ المرءَ أحجاءُ البلادِ، ولا
تُبْنىَ لَهُ في السَّموات السلالِيمُ

ومن شعراء الأعراب المخضرمين الموصوفين بقلة عواطفهم الدينية الحطيئة وهو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم (27) عمر دهراً في الجاهلية (28) وعاصر ظهور الإسلام وما رافقه من تحولات قلبت وجه الحياة. وأدرك عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ويظن أن توفى في زمن سعيد بن العاص في ولايته لمعاوية على المدينة (49-55هـ) (29) .
ويختلف الرواة في زمن إسلامه فيرى ابن قتيبة أنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي (، لأنه لم يسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب (30) .
ويرى المستشرق أجنتس جولد تسهير ((أن هذه الحجة غير مقنعة، لأن الحطيئة لم يكن رفيع المكانة في قبيلته حتى يكون بين الممثلين لها في الوفد الذي أرسلته إلى النبي محمد (والأخبار الخاصة بوفود القبائل تدل على أن أكبر أعيان القبيلة هم الذين كانوا يؤلفون الوفد (31) .
ويرى ابن حجر وغيره أنه أسلم في عهد النبي (ثم ارتد، ثم أسر وعاد إلى الإسلام (32) ويتحدثون عن أخلاقه فيجمعون على القول أنه كان ذا شر وسفه (33) ويصفه ابن قتيبة بأنه كان رقيق الإسلام (34) ويتهمه الأصمعي وينفرد بالقول بأنه ((كان كثير الشر، قليل الخير، فاسد الدين)) (35) .
ويرى عدد من الدارسين المحدثين أن الرواة القدامى، قد تحاملوا على الحطيئة وبالغوا في اتهامه، وصوروه بصورة بشعة جعلت الناس ينفرون منه ويخشونه (36) وإذا كان المؤرخون القدامى قد رسموا صورة شريرة للحطيئة، فإن بعض الدارسين المحدثين قد عنوا بدراسة الأسباب التي أثرت في سلوكه وشخصيته. ويتفقون على أن نشأته المتواضعة وفقره وتدافع نسبه بين القبائل، ودمامته وقبحه، كل ذلك جعله يشعر بالنقص الذي لازمه، ويقف موقف العداء ممن حوله.
ويتفق الدكتور شوقي ضيف مع الدكتور طه حسين على الأسباب التي أثرت في سلوك الحطيئة ويختلفون على زمن المدة التي حدث فيها اضطرابه وقلقه. فشوقي ضيف يرى أن قلق الحطيئة وغربته واضطرابه حدثت له في أول حياته، في العصر الجاهلي يقول في ذلك ((ولقب بالحطيئة لقصره أو لدمامته، وقد ولد لأمه تسمى الضراء، كانت لأوس ابن مالك العبسي. ونشأ في حجره مغموزاً في نسبه، وجعله ذلك قلقاً مضطرباً منذ أخذ يحس الحياة من حوله، وزاد في اضطرابه وقلقه ضعف جسمه وقبح وجهه. إذ كانت تقتحمه العيون، ولم يكن فيه فضل شجاعة يستطيع أن يتلافى به هوان شأنه في " عبس " على نحو ما صنع عنترة من قبله. ومن ثم نشأ يشعر بغير قليل من المرارة، ولعل هذا هو السبب في غلبة الهجاء عليه)) (37) .
أما الدكتور طه حسين فيرى أن اضطراب نفس الحطيئة وغربته إنما حدث له في الإسلام لا في العصر الجاهلي ويعلل ذلك بقوله ((يأس الحطيئة وحزنه لم يكونا فيما أرى مقصورين على حياته المادية، بل كانا يأتيانه من ناحتين أخريين: كانا يأتيانه من دخيلة نفسه التي لم تطمئن إلى الدين الجديد، ولم تؤمن به فيما يظهر إلا تكلفاً ورياء، واتقاء للسيف الذي لم يكن للعربي إلا أن يختار بينه وبين الإسلام، فنفس الحطيئة لم تكن ساخطة على حياته المادية وحدها، بل كانت ساخطة على حياته المعنوية أيضاً، كانت ساخطة على هذه الحياة التي حالت بين عواطفه الجاهلية، وبين أن تظهر وتنمو وتؤتي ثمرها كما يجب أن تؤتيه، وتذوق لذات الحياة وآلامها كما كان يحب أن يذوقها. والناحية الأخرى هي ناحية جسمه، فقد كان الحطيئة قصيراً جداً، قريبا من الأرض، ولهذا سمي الحطئية كما يقول الرواة، وكان دميماً قبيح المنظر مشوه الخلق لا تأخذه العين، ولا تطمئن إليه، فكان منظره بشعاً، وكان من غير شك يحس اقتحام الأعين له ونبوها عنه، فيسوءه ذلك ويؤذيه، أضف إلى هذا كله أنه لم يكن مستقر النسب، وإنما كان مدخولاً مضطرباً، ينتسب هنا وينتسب هناك، وكان العرب يعرفون منه ذلك ويذكرونه به، ويزدرونه من أجله، فكان الحطيئة مهاجماً من جميع نواحيه، مضطراً إلى أن يدافع عن نفسه من جميع نواحيه أيضاً، كان سيىء الدين، فكان محتاجاً إلى أن يتقى عواقب سوء الدين، كان سيئ الحال، فكان محتاجاً إلى أن يرد عن نفسه عوادي الفقر والبؤس والإعدام. كان مشوه الخلق، فكان مضطراً إلى أن يحمي نفسه من السخرية والاستهزاء، وكان كل شيء يقوي في نفسه سوء الظن بالناس، وقبح الرأي فيهم، وكان ابتلاؤه للناس يزيده إسراعاً إلى ذلك وإمعاناً فيه، فأصبح الحطيئة شيئاً مخوفاً مهيباً يكره منظره، ويتقي لسانه، ويشتري الأعراض منه بالأموال … كان الحطيئة بائساً شقياً، غريباً في هذا الطور الجديد من أطوار الحياة العربية، كأنما ارتحل العصر الجاهلي ونسيه وحيداً في العصر الإسلامي، فهو ضائع الرشد، ضائع الصواب، قد فقد محوره إن صح هذا التعبير. ولي على هذا دليلان. أحدهما: أن أكثر ما يروى عن الحطيئة من النوادر وغريب الأحاديث إنما يروى عنه في الإسلام لا في العصر الجاهلي، فما بقي لنا من أخباره في العصر الجاهلي لا يصوره شاذاً ولا غريباً ولا مضطرب النفس، إنما اضطربت نفسه في الإسلام، لأن سماحة هذا الدين لم تمس قلبه الجاهلي العريق في جاهليته. والآخر أن أكثر ما يروى من النوادر عن الحطيئة، لو حاولنا تاريخه، يكاد يرجع إلى أيام عمر وأوائل أيام عثمان، أي إلى هذا العصر الإسلامي الخالص الذي سيطر النظام الإسلامي الدقيق فيه على حياة العرب من جميع وجوهها. فلما تقدمت أيام عثمان، وأقبلت أيام معاوية وظهر من سادة قريش وشبابها من عادوا إلى شيء من حياة فيها غير قليل من بقايا الحياة الجاهلية، اطمأنت نفس الحطيئة بعض الشيء، ولعلها ابتسمت للحياة قليلاً، فقد اتصل الحطيئة بالوليد بن عقبة بن أبي معيط عامل عثمان على الكوفة، وكان الوليد سيداً من سادات قريش، لم تكد الفرصة تمكنه حتى استأنف حياة أقل ما توصف به أنها لم ترض المسلمين، وأنها حملت عثمان على عزله عن الكوفة، بل على أن يقيم عليه حد الشراب، فيما تحدث الرواة)) (38) .
لقد أجمع الرواة على وصف الحطيئة بأن كان رقيق الإسلام، وربما لحقته هذه التهمة لأسباب من أهمها:
شعره في الردة، فتنسب إليه أبيات يحرض فيها قبائل العرب على قتال المسلمين. كما يهزأ فيها من خلافة أبي بكر، ويهجو القبائل التي تمسكت بإسلامها (39) .
مدحه لخارجة بن حصن وقومه حينما ارتدوا عن الإسلام، ومنعوا الزكاة وقاتلوا المسلمين (40) .
حنينه إلى الجاهلية ويظهر ذلك جلياً في مديحه لشبث بن حَوْط (41) .
غلبة شعر الهجاء عليه، ولشدة وقع هجائه كان يخشاه الناس. كما أن معظم شعره يعكس صورة الأخلاق والعادات والتقاليد الجاهلية (42) .
مجون الحطيئة ويعبر عن ذلك سخريته واستخفافه بشرائع الإسلام وأوامره. ويعكس ذلك شعره في حادثة سكر الوليد بن عقبة، ووصيته إن صحت، فقد أوصى بماله للذكور دون الإناث ‍! فقالوا له: إن الله لم يأمر بهذا! فقال: لكني آمر به. ومع أننا لا نستبعد أن الرواة قد تصرفوا وزادوا في هذه الرواية، إلا أن أصلها يظل شاهداً على استهتار الحطيئة ومجونه (43) .
ولا تختلف نظرة الدارسين المحدثين عن نظرة القدامى، فالكل يصف الحطيئة بضعف العقيدة ورقة الإسلام. فطه حسين يرى أن الحطيئة ((اتخذ لنفسه من الإسلام رداء، لم يشك الرواة في أنه كان رقيقاً جداً يشف عما تحته من حب الجاهلية وإيثارها والحزن الشديد عليها)) (44) .
ويلخص درويش الجندي موقف شعراء البادية من الدعوة الإسلامية فيقول:
((كانوا يقفون موقف الحياد والتربص، وكانوا يخشون انتصار هذه الدعوة التي تعمل على دك الصروح الجاهلية وتغيير قيمها ومثلها التي كانوا يعيشون في ظلالها بالتكسب بالشعر مدحاً وهجاء، وليس ذلك من وسائل الكسب المشروع في الإسلام، فلما كان ما يخشون من انتصار هذه الدعوة اضطروا إلى الدخول فيما دخل فيه الناس من دعوة الإسلام، ومنهم من اطمأن قلبه بالإيمان ككعب بن زهير، ومنهم من كان ضعيف العقيدة رقيق الدين كالحطيئة الذي ما كادت حروب الردة تشعل نيرانها حتى خلع ربقة الدين معاديا للإسلام بقلبه ولسانه، فلما استقرت الدعوة من جديد دخل في الإسلام مرة أخرى وحاول في ظلال الإسلام أن يسلك وسيلته الجاهلية في العيش، فتقلبت به الأحوال بين النجاح والإخفاق)) (45) .
ويشير الدكتور الجبوري إلى المعاني الإسلامية في شعر الحطيئة، فيرى أنها لا تعني أن الحطيئة كان ذا حظ من الدين والورع (46) .
ويجمع عدد من المستشرقين على أن الحطيئة وإن أقلع عن الردة وعاد إلى الإسلام، فقد ظل رقيق الدين. ويتفقون على أن حياته زينها مؤرخو الأدب بنوادر مختلفة تصور أنه ساخر ماجن، ومسلم رقيق الدين (47) .
ويرى شوقي ضيف أن الرواة بالغوا في اتهام الحطيئة بفساد الدين، قد يكون رقيقه، ولكنه ليس فاسده، فقد كان يستشعره في الهجاء بشهادة لسانه، فحينما عرض للزبرقان لم يقذع في هجائه بل مَسَّه برفق وعمد إلى التهكم والسخرية بمثل قوله يخاطبه: [البسيط]
دَعِ المكَارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيَتِها
واقعُدْ فإنَّكَ أنت الطَّاعِمُ الكَاسِي

ويعقب شوقي ضيف على ذلك بقوله ((ولا شك في أن الإسلام هو الذي خفف من حدة لسانه)) ومعنى ذلك أن الإسلام لم يظل بعيداً عن روح الحطيئة، بل أخذ يرسل فيها مثل هذه الإشاعات النيرة (48) .
وعلى أن الرواة أجمعوا على وصف الحطيئة بأنه كان رقيق الدين، فإن الدارسين يكادون يجمعون على أن ما وصلنا من أخباره قد زاد فيها الرواة وتوسعوا. وربما كان لتلك الأخبار التي صاحبت ولادته ونشأته، أثر في تلك الأحكام التي أطلقت عليه، فنسبه متدافع بين قبائل العرب، وصفه الأصمعي فقال: بأنه مغموز النسب (49) وقال عنه ابن الكلبي ((كان الحطيئة مغموز النسب وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا (50) وقد كان الحطيئة يشعر بتلك العقدة، فقد زعم الجاحظ أن الحطيئة لقي الزبرقان بن بدر، فسأله من أنت؟ قال: أنا أبو مليكة، أنا حسب موضوع (51) !

رد مع اقتباس