عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-19-2017 - 08:17 AM ]


وفي الاشتقاق بنحو مما في رواية ابن قتيبة (11) .
وأخبار الرواة عن شبيل بن ورقاء نادرة. فلم أقف له على شيء يذكر في المصادر التي اطلعت عليها، إلا ما تقدم ذكره مما يجعل رسم صورة عن حياته أمراً غير ممكن. وفي ضوء خبر ابن قتيبة، يمكن القول إن الإسلام لم يتمكن من نفس شبيل، ولم يتعمق في قلبه. فظل بعد إسلامه جافياً رقيق الدين. يقترف الذنوب ويجاهر بها، ويصعب عليه صوم شهر رمضان، وفي هذا دلالة على فسقه واستهتاره، وضعف عقيدته، وتنكره للدين وفرائضه.
وأشهر من يذكر في هذا المجال من شعراء الأعراب. شاعران هما: الحطيئة، جرول ابن أوس، وابن مقبل وسيأتي ذكر الحطيئة لاحقاً. أما تميم بن أُبَيّ بن مقبل فقد وضعه ابن سلام في الطبقة الخامسة من شعراء الجاهلية وقال عنه: ((وكان ابن مقبل جافياً في الدين، وكان في الإسلام يبكي أهل الجاهلية ويذكرها، فقيل له: تبكي أهل الجاهلية وأنت مسلم فقال: [الطويل]
ومَالِيَ لا أَبكِي الديَارَ وأهْلَهَا
وقد زارها زُوّارُعَكٍ وحِمْيَرَا

وجاء قَطَا الأجْبَابِ مِنْ كُل جَانِبٍ
فَوقّعَ في أعطانِنَا ثُم طَيّراَ

وهذان البيتان يعبران عن غربة ابن مقبل في الإسلام فلم يكن انتقاله من عهد الجاهلية إلى الإسلام ليحدث تحولاً في حياته أو تبديلاً في نمط تفكيره. فهو يحن إلى أيام الجاهلية ويبكي أهلها ويتذكرهم، ويرى أن الزمان قد تغير وأن الأرض قد بدلت، وتغيرت أخلاق الناس فصار يرى نفسه غريباً يعيش في وسط غريب عنه. يفسر هذا ويجليه قوله في القصيدة التي منها البيتان السابقان: [الطويل]
أَجِدّى أرى هذا الزمَان تَغيّرا
وبَطْنَ الركاءِ من مَوالّي أقْفَرَا

وكائِنْ ترى من مَنْهل بادَ أهلُهُ
وعِيدَ على معروفِهِ فتنكرا
والقصيدة التي منها هذه الأبيات تسير على هذا النمط. فهي تمجد حياة الجاهلية وترى أن أيامها أحسن حالاً من أيام الإسلام فقد أخذ يتحسر على الماضي ويرى أن أيامه فيها لن تعود، فقد مضت ومضى معها أشراف الناس ومضى ابن مقبل يعبر عن قلقه، ويرى نفسه أصبح غريباً يعيش في مجتمع غريب عنه، له مُثل وقيم تختلف عن مُثل الجاهلية وقيمها يقول في هذا المعنى (14) : [الطويل]
فَمَا نحْنُ إلا من قُرُونٍ تُنُقّصَتْ
بأصْغَر مما قد لقيِتُ وأكْبَرا

لقد كان فينا من يحُوطُ ذماَرنَا
ويُحْذِي الكمِيّ الزاعبيّ المؤُمّرا

لقد كان ابن مقبل، وهو يتباكي على أهل الجاهلية، ويتحسر ويتفجع على أهلها، يعيش صراعاً في نفسه بين قديمه البالي وجديده المشرق وهو بهذا لا يخفي تبرمه وضجره من التغير الذي حدث بعد الإسلام وذلك قوله (15) : [الطويل]
أَلهْفِي على عِزٍ عزيزٍ وظِهْرَةٍ
وظِلّ شَبابٍ كنتُ فيه فأدْبَرا

وَلهْفِي على حَييّ حُنَيْفٍ كِلَيهِمَا
إذا الغيثُ أمسَى كابَي اللون أغْبَرا

ويرى الدكتور عزة حسن أن بكاء الجاهلية وذكر أيامها والشعور بالغربة في الإسلام ظاهرة غريبة لا نراها عند غير ابن مقبل من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام.
ويفسر هذه الظاهرة بقوله: ((إن ابن مقبل عاش طويلاً في الجاهلية، وانقضت أيام شبابه في بيئة البادية القائمة على حرية الفرد وانطلاقه من القيود والارتباطات وما يتبعها من أعراف وعادات وتقاليد قبلية كانت سائدة في البادية منذ أقدم الأزمان. فطبعت نفسه على مُثُل هذه البيئة، وتملكته أعرافها وأنماط الحياة فيها، فارتبط بها ارتباطاً لا ينفصم. فلما جاء الإسلام بفكرته الجديدة ومُثله التي لا عهد للعرب بها، ولا سيما الأعراب منهم، بشرائطها ودقائقها، لم يستطع ابن مقبل وكثيرون غيره من سكان البادية أن يوفقوا بين حياتهم القديمة التي ألفوها وبين حياتهم الجديدة التي طرأت عليهم بظهور الإسلام. بل لم تعجبهم هذه الحياة، ولم يُسْلِسُوا لها قيادهم في سهولة ويسر في أول الأمر، لأن أنماط حياتهم القديمة كانت قد ثبتت في أعماق نفوسهم، ولم يكن من السهل عليهم أن ينتقلوا انتقالاً من طور إلى طور، بين يوم وضحاه، وأن يبدلوا أفكاراً ومبادئ بأفكار ومبادئ أخرى، كما يخلع الإنسان عنه ثوبا قديماً بالياً ليلبس بدلاً عنه ثوباً جديداً قشيباً.
هذا هو السبب، فيما أرى، في غربة ابن مقبل وأضرابه في بيئة الإسلام الجديدة، وحنينه إلى أيام الجاهلية. يضاف إلى ذلك أن الإسلام فرق بين ابن مقبل وبين زوجه " الدهماء " التي كان ورث نكاحها عن أبيه في الجاهلية. ويبدو أن ابن مقبل كان يعشق " الدهماء "، لأنه ما فتئ يذكرها في شعره بعد أن فرق بينهما الإسلام)) (16) .
والحق أن مرحلة التحول من عهد الجاهلية إلى الإسلام كانت بالغة القصر إذ ما قيست بالتحولات الكبيرة والمتلاحقة التي أصابت المجتمع العربي بعد ظهور الإسلام. وإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى وهي أن الأعراب في البوادي كانوا أقل تأثراً بالإسلام من أهل الحواضر، وذلك ناتج كما أشرنا من قبل إلى طبيعة حياة الأعراب. فقد أسلموا متأخرين ولم يواجهوا منذ البداية عبء الاتصال بقيم الإسلام ومُثُلِه التي أحدثها في نفوس أتباعه من الرعيل الأول. ولهذا لم يتمكنوا من فهم الإسلام وما حمله من مظاهر التغير في الطباع والأخلاق والسلوك والقيم الاجتماعية والروحية. كما أنهم لم يتعمقوا أسرار الدين وشرائعه كشعراء الحضر الذين آمنوا بالإسلام منذ البداية وشاركوا مشاركة مباشرة بنشر قيمه ومبادئه. وإذا كان شعراء الحضر من أمثال: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ممن عاشوا الجاهلية والإسلام واتصلوا بأحداثهما قد استطاعوا أن يلائموا بين ماضيهم وحاضرهم. ولم يكن إدراكهم لعصر الجاهلية ليحول بينهم وبين التكيف مع مظاهر التغيير التي حملها الإسلام، فقد أحسنوا التعبير عنه وعن قيمه وقضاياه، أما شعراء الأعراب من أمثال الحطيئة وابن مقبل وأضرابهما، فقد ظل شعرهم جاهلياً. ولم يكن إسلامهم ليغير كثيراً من طباعهم وأخلاقهم. وإذا كان ابن مقبل وغيره من شعراء الأعراب قد أخفقوا في مواجهة المتغيرات الجديدة التي جاء بها الإسلام , ولم يستطيعوا الوصول إلى معادلة جديدة ينفذون من خلالها إلى فهم المستجدات التي طرأت على حياة العرب بعد الإسلام، فهذه الظاهرة عند ابن مقبل يفسرها الدكتور عزة حسن بقوله: ((وليست حال ابن مقبل وجيله بدعة بين الحالات. فهذا الاضطراب والقلق والرجوع إلى القديم والحنين إليه شعور عام يشعر بن كل جيل اعتاد نمطاً من الحياة، وثبت عليه أمداً طويلاً، ثم اضطر أن يتخلى عنه دفعة واحدة، ويعتاد نمطاً آخر من الحياة يختلف عن حياته الأولى اختلافاً كبيراً. هذه حال الأجيال القديمة المولية التي يكتب عليها أن تعيش في عهود الثورات الكبرى. فهي لا تستطيع البقاء على القديم الذي اعتادته، وقد تغير من حولها كل شيء ولا تستطيع السير مع الجديد الذي طرأ عليها، وقد ارتبطت بالقديم ارتباطاً وثيقاً. فيضيع أفرادها بين عهدين، لا هم في القديم ولا هم في الجديد)) (17) .
وأعرابية ابن مقبل وجفاء طبعه، ظلت تلازمه حتى آخر حياته. فقد أدرك عصر الأمويين، ومع ذلك لا نجد له أخباراً تفيد بمشاركته في الأحداث السياسية الكبيرة التي حدثت في عصره، إلا قصيدتين واحدة قالها في رثاء عثمان رضي الله عنه تنادي بالأخذ بثأره (18) وأخرى تتصل بأحداث صفين (19) . وهذه القصيدة التي قالها في رثاء عثمان رضي الله عنه، دلل بها ابن رشيق على جفاء أعربية ابن مقبل (20) هذه القصيدة تدلنا على أن حياة ابن مقبل في الإسلام، امتدت فترة ليست بالقصيرة فقد أدرك زمن الأمويين، بيد أنه ظل بعيداً عن مسرح الأحداث الإسلامية الكبرى التي حدثت في أول الإسلام، وفي عهد الأمويين. فلم يُؤثر عنه أنه شارك في تلك الأحداث التي تعاقبت في تلك الفترة. وأخباره وأشعاره تخلو من أية إشارة إلى أي نوع من المشاركة إلا ما كان من تدخله كما قلنا بشعره في رثاء عثمان رضي الله عنه، فقد نادى بالأخذ بثأره وهدد بالانتقام من قتلته. وباستثناء هذه القصيدة فإن مجموع شعره الذي وصل إلينا لم يتأثر بالإسلام بخلاف قصيدته الأخرى التي سنتحدث عنها لاحقاً.
وظلت موضوعاته تتصل بالأغراض التي ألفها شعراءُ الجاهلية المتبدون. لقد ظل ابن مقبل أعرابياً جافي الطبع، وظل شعره بعد إسلامه كما كان جاهلي الطابع. لم يتأثر بالإسلام، وفي الأخذ من تلك القيم والمثل السمحة التي جاء بها، وأبطل بها كثيراً من عادات الجاهلية وتقاليدها. إن هذه القصيدة هي الوحيدة من بين مجموع شعره التي عبرت عن روح الجماعة الإسلامية ووجدانها الجماعي. لقد أظهرت أن ابن مقبل وإن ارتبط بماضيه أكثر من ارتباطه بحاضره. فإن الإسلام قد مس قلبه ولم يظل بعيداً عن روحه وفكره. فقد استشعر بعض معانيه وتعاليمه على نحو قوله في رثاء عثمان رضي الله عنه (21) [الطويل]
فَغُودِرَ مقتولاً بغير جريِرةٍ
ألا حبَّذَا ذاك القتيلُ المَلحَّبُ

قتيُلُ سَعيدٌ مؤمُنُ شَقِيْت بِهِ
نفوسُ أعادِيهِ، شهيُدُ مطيَّبُ

نَعَاء عُرَى الإسلامِ والعدلِ بعدَهُ
نَعاءِ! لقد نابتْ على الناس نُوَّبُ

نَعَاءَ ابن عفَّاَن الإمِام لمجتَدٍ
إذا البرقُ للرَّاجِي سَنَا البرقُ خُلَّبُ

نَعَاءٍ لفضْل الحلم والحَزْمِ والندى
ومأوى اليتامى الغُبْرِ عَامُوا وأجْدَبوا

وحينما هدد قتله عثمان رضي الله عنه، توعدهم برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يتدارسون القرآن ويعملون بموجبه، ويعتزون بالدين ويموتون في سبيله. ويبدو ذلك واضحاً من قوله (22) :
وأشْمَطَ من طُولِ الجِهَادِ اسْتَخَفَّهُ
مَعَ المُرْد حتى رأسُهُ اليومَ أشْيَبُ

يُدَارِسُهُم أُمَّ الكِتابِ، ونفْسُهُ
تُنَازِعُهُ وُثْقَى الخِصَالِ، ويَنْصَبُ
وإذا كان ابن مقبل، قد استظل بظل الإسلام، وروح الدين وأخلاقه وأهدافه، عند رثائه لعثمان رضي الله عنه. فإنه في القصيدة الأخرى التي قالها في وقعة صفين، لم يستطع أن يتخلص من مظاهر الجاهلية التي استأثرت بمعظم شعره. فقد مال إلى الشر، وأفحش في القول، واستخف بأخلاق الإسلام وأهدافه. وورد له في هذه القصيدة من المعاني المبتذلة ما يتنافى مع روح الإسلام وتعاليمه وذلك قوله (23) : [الطويل]
وجَاءتْ بِهِ حَيَّاكةٌ عَركِيةٌ
تَنَازَعَها في طُهْرِها رَجُلان

وأشعار ابن مقبل تُنْبئ أنه، وإن عاش في ظل الإسلام دهراً طويلاً، فإن إسلامه لم يحدث تحولاً كبيراً في حياته. لقد ظل قلبه معلقاً في الجاهلية، يحن إلى عاداتها وتقاليدها، ويجد فيها مثله الأعلى. ولذلك كان شعره صدى لتلك الحياة وترجمة لعواطفه وأهوائه، فقد غلبت على موضوعات شعره الروح الجاهلية، وظل شعره في مجمله جاهلي اللفظ والمعنى والغرض. لم يتأثر بالإسلام الذي غير مظاهر الحياة العربية جميعها، ومنها الشعر فحدد له قيماً، ورسم له أدواراً تتفق وتعاليمه. ولم يستطع ابن مقبل أن يعبر عن تلك القيم، أو أن يواجه تلك التحولات التي أفرزها الإسلام. وإذا كانت قصيدته في رثاء عثمان قد عبرت عن روح الجماعة الإسلامية وعواطفها، فإن باقي شعره يخلو من أي عاطفة دينية إلا فيما ندر. لقد كانت صلته بالحياة الإسلامية ضعيفة. ولهذا احتلت الموضوعات التي لها علاقة بالعقيدة مكاناً متواضعاً في شعره. فلم نقف له في ديوانه إلا على أبيات قليلة ضمنها قصيدتين له هما كل ما نعلم له، استوحى فيهما معنى إسلامياً هما قوله (24) : [الطويل]
وما الدَّهر إلا تَارتان، فمنهما
أموتُ، وأُخْرى أبْتَغِى العيشَ أكْدَحُ

وكلتاهما قد خُطَّ لي في صَحِيفتي
فَلَلْعَيشُ أشْهَى لي، وللمَوتُ أرْوَحُ

وقوله في قصدية أخرى (25)) [البسيط]
يا حُرَّ أمْسَيْتُ شَيْخاً قَدْ وَهَي بَصَرِي

رد مع اقتباس