{وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظنَّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}
فليس المقصود من التأكيد هنا إلا حال المتكلم وحسه بالمعنى وأنه متقرّر في نفسه مؤكَّد في ضميره، وتجد هذا في توكيد الخبر ب (إنَّ) (1) في قوله:
{إني كنت من الظالمين}
كذلك في قوله تعالى (2) :
{ربي إني أسكنت من ذُريَّتي بوادٍ غير ذي زرع}
وفي قوله (3) :
{ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان}
وشبه ذلك كثير، وكله يحمل على اعتبار حال المتكلم وقوة إحساسه بالمعنى (4) .
ج- حال المخاطب:
والمقصود هنا مراعاة حال المخاطب في أي زمان ومكان من حيث عدم علمه بالخبر وخلو ذهنه منه، أو إعلامه أن المتكلّم لديه علم بما يخفيه عنه ذلك المخاطب أو مخاطبته بالطريقة التي تليق به إن كان مُنكرًا للخبر أو مُتردّداً في صدقه.
فإذا كان المخاطب لا يعلم عن الأمر المُلقى إليه شيئًا أُلقي إليه الكلام مجرّداً من أي مؤكّد لفظي؛ لأن حال جهله بالخبر تقتضي ذلك (5) ، مثال قوله تعالى (6) :
{والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم}
فهذه الدعوة الحميمة من المولى عز وجل لم تكن في خُلد السامعين وليس لديهم علم بها، لذا جاء الخطاب في أبسط تركيب وأسهله وهو ما يسمى ب"فائدة الخبر"، وكل ماجاء كذلك؛ فهو من هذا الباب مادام المخاطب ليس لديه علم مسبق عن هذا الخبر.
__________
(1) دلالات التراكيب، دراسة بلاغية، د. محمد أبو موسى، ص103، ط (1) ،سنة 1979م، مكتبة وهبة القاهرة.
(2) سورة إبراهيم: 37
(3) سورة آل عمران: 139
(4) دلالات التراكيب، ص104 (بتصرُّف) .
(5) البلاغة في ثوبها الجديد (علم المعاني) ، د. بكري شيخ أمين، 1/56 (بتصرف) ، ط (3) ، سنة 1990م، دار العلم للملايين.
(6) سورة يونس: 25
-----------------
والحالة الثانية التي يمكن أن يكون عليها المخاطب وينبغي أن يكون الكلام مطابقاً لها؛ هي علمه بذلك الأمر ورغبة المتكلم في إخباره أنه يعلم بالموضوع كأن يقول شخص لآخر:
رأيتك تُنصت إلى قراءة القرآن، أو: علمت بسفرك أمس.
ومنها قوله تعالى (1) :
{…… ماكان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغيًا}
فالمخاطبة أكثر الناس علماً بأبيها وأمها، فقد كانا من بيت يُعلم شرفه ومكانته في القوم (2) وهذا ما يسمى بلازم الفائدة لذا جاء خالياً من أدوات التوكيد (3) .
ومنه قوله تعالى عن المنافقين (4) :
{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون}
فالمخاطب بالقرآن والمنزل عليه الوحي هو رسول الله (كما هو معلوم - والمستمعون بعد لهذه الآيات فهم المؤمنون ومنهم المنافقون (5) ، فيعرّفهم السياق الكريم بهذه الأمور التي قد يظنون خفاءها عن غيرهم، ولأن الأمر معلوم ومسلَّم به لديهم ولدى الرسول الكريم (فقد اقتضت الحال أن يأتي الكلام خالياً من أي مؤكّد من المؤكّدات.
أما عند الإخبار عن فسقهم فيؤكد الخبر بأكثر من مؤكّد (6) ، وذلك لإنكار المنافقين وعدم اعترافهم بفسقهم.
أما قوله تعالى (7) :
{وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير}
__________
(1) سورة مريم: 28
(2) تفسير ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، 3/108، ط سنة1981م، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.
(3) من المؤكدات: إنَّ، أنَّ، ألا الاستفتاحية، ضمير الفصل، فضلاً انظر ذلك في البلاغة في ثوبها الجديد ص61.
(4) سورة التوبة: 67
(5) تفسير ابن كثير 2/268، ط سنة 1981م، (بتصرف) .
(6) المؤكدات هنا (إنَّ، ضمير الفصل، أل التعريف) .
(7) سورة فاطر: 22
---------------
فالمخاطب هنا يعلم بهذه الحقيقة ولكنه يحتاج إلى شدة التنبيه والتأكيد على ضرورة عدم الحزن من القوم وحالة إعراضهم عنه وكأن حاله عليه الصلاة والسلام قد وصلت إلى حد من يعتقد أنه يملك مع الإنذار القدرة على هدايتهم وهيهات أن يكون له ذلك (1) .
وقد تقتضي حال المخاطب أن يؤكَّد له الكلام بأحد المؤكّدات، كأن يكون ظاناً في الأمر أو شاكاً أو متردّداً أو منكراً تماماً لذلك الخبر (2) .
وهنا لا بد من قرينة حاليَّة أو مقاليَّة يلاحظها المتكلم أو يقرؤها حتى يعلم إلى أي من هؤلاء ينتمي مخاطبه؛ ليلقي إليه كلامه موافقاً ومطابقاً لتلك الحال، وهذا ما يُعرف بخروج الكلام على مقتضى الظاهر (3) ؛ فإذا كان المخاطب متردّداً أو شاكاً في ثبوت ما يقال له؛ فمقتضى هذه الحال أن يُلقى إليه الكلام مؤكَّداً بإحدى المؤكّدات كما جاء في قوله تعالى (4) :
{… سيجعل الله بعد عسر يسرًا}
فالآية موجهة إلى الرجل المطلّق الذي ليس لديه سعة من المال والذي تطالبه الشريعة - رغم ذلك - بالإنفاق قدر استطاعته على زوجه الحاضنة لابنه، فالمخاطب هنا قد يكون لديه شك أو تردُّد في أن تعوَّض له هذه النفقة من الله عزَّ وجل (5) فكان من مقتضى الحال أن يثبت له القرآن الكريم ذلك ويؤكّده بأحد المؤكّدات - وهي السين - حتى يزيل عنه ذلك الشك أو التَّردّد.
كذلك في قوله تعالى (6) :
{قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا إلا ماشاء الله……} الآية
__________
(1) دلالات التراكيب، ص109 (بتصرف) .
(2) الإيضاح في علوم البلاغة (الخطيب القزويني) ، شرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي،1/92-93، ط (5) ، سنة1980م، (بتصرُّف) .
(3) المرجع السابق/ ص93 (بتصرُّف) .
(4) سورة الطلاق: 7
(5) تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) ، محمد بن محمد العمادي، 8/263، ط (بدون) ، دار إحياء التراث (بتصرُّف) .
(6) سورة الأعراف: 188
---------------
فالآية تخاطب قوماً يرون في الرسول الكريم (القدرة على أن يملك لنفسه الضر والنفع ويعلم الغيب (1) ؛ فناسب حالة الشك هذه أن يقترن الأسلوب بالنفي والاستثناء - وهي طريقة من طرق التأكيد - وما ذاك إلا لإزالة الشك من نفوس المخاطبين (2) .
أما عند مخاطبة المنكر للأمر؛ فلا بدَّ من سبر أغوار نفسه ومعرفة مدى قوة ذلك الإنكار حتى يأتي الخطاب مقروناً بمؤكدات كافية تناسب ذلك وحتى يكون الكلام مطابقاً للحال. وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم؛ فاستمع - مثلاً - إلى قوله تعالى (3) :
{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}
فالآية الكريمة ينقل لنا حالتهم وعلمهم بعدم تصديق السامع لهم؛ فدعاهم ذلك إلى تأكيد حديثهم ب (إنَّما) ويأتي الرَّدُ مناسباً لإنكارهم تلك الحقيقة والمداراة منهم. لذا جاء الكلام مؤكّداً بأكثر من مؤكّد وذلك حسب قوَّة إنكارهم (4) .
ومثله ماجاء في قوله تعالى (5) :
{واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززننا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون}
ثم قالوا في المرة الثانية (6) :
{ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون}
فمقتضى ماهم عليه من حال الإنكار في المرة الأولى أن يأتي كلام المرسلين مؤكَّداً بأحد المؤكدات وهي (إنَّ) - فقط - في قوله (7) :
{إنا إليكم مرسلون}
__________
(1) تفسير البحر المحيط (أبو حيان الأندلسي) ، 4/436، ط (2) ، دار الفكر.
(2) من بلاغة القرآن، د. أحمد أحمد بدوي، ص158، ط (بدون) ، دار نهضة مصر للطباعة والنشر (بتصرُّف) .
(3) سورة البقرة: 11-12
(4) المؤكدات هنا هي: ألا الاستفتاحية، إنَّ، ضمير الفصل.
(5) سورة يس: 13-14
(6) سورة يس: 15
(7) سورة يس: 16
------------
واقتضت حال الإنكار الثانية وهي أشدُّ من الأولى أن يأتي السياق الكريم بأكثر من مؤكّد (1) ؛ لإثبات ماجاءوا به ولإزالة تكذيب المخاطبين وإنكارهم للدعوة الراشدة، فجاء في سياق الآية الكريمة (إنَّ، ولام الابتداء) التي اقترن بها الخبر، مع ما يشعر بالقسم في قوله {ربُّنا يعلم} .
ومن مقتضى الحال أيضًا أن يؤكّد القرآن الكريم أمرًا حقيقيّاً لا جدال في وقوعه، وذلك لأن المخاطب أصابته الغفلة عن إدراك تلك الحقيقة أو مجرَّد التفكير في المصير.
فقال تعالى (2) :
{ثُمَّ إنكم بعد ذلك لميتون ثُمَّ إنَّكم يوم القيامة تبعثون}
فالموت والبعث - لدى المؤمن - أمران لايحتاجان إلى تأكيد، أما الكافر فقد اقتضت حاله أن يؤكَّد له ذلك بأكثر من مؤكّد
تلك هي الأحوال التي يراعي فيها المتكلّم حال المخاطب الظاهرة…… (3)
مطابقة الحال مع مخالفة الظاهر
وهنا قد تتطلَّب الظروف أن يتغاضى البليغ عن حال ظاهرة؛ فيخالف القواعد المذكورة ويأتي حديثه - رغم ذلك - بليغاً لأنه طابق فيه الحال. فلو طُلب - مثلاً - من مسلمٍ عدم الإهمال في صلاته رغم علمه بوجوب ذلك فيقال له:
صلواتك الخمس حافظ عليها ولا تترك واحدة منها.
فلا بُدَّ أن حالة إهماله في صلاته كلها أو في بعضها اقتضت أن يُحدَّث بالطريقة التي يحدَّث بها الجاهل بالخبر وذلك لعدم عمله بموجب ذلك العلم (4) .
كذا إذا خوطب غير المُنكر للخبر أو للحُكْم مخاطبة المُنكر كما جاء في قوله تعالى (5) :
{إنك لا تهدي من أحببت ……} الآية
فالمخاطب هو رسول الله (وهو غير
__________
(1) من بلاغة القرآن، ص145 (بتصرُّف) .
(2) سورة المؤمنون: 15-16
(3) من بلاغة القرآن، ص147 (بتصرف) .
(4) البلاغة في ثوبها الجديد (علم المعاني) ، ص73 (بتصرُّف) .
(5) سورة القصص: 56