عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-18-2017 - 05:10 AM ]


توضيح معنى "مقتضى الحال"، ومفهومه لدى الدَّارسين:
المقتضى هو الاعتبار المعين الذي يستدعي مجيء الكلام على صفة مخصوصة مناسبة للحال، كالتأكيد في حال الإنكار أو التردد مثلاً (1) .
ولا شكَّ أنَّ هذا المقتضى يتغيَّر بتغيّر المناسبة أو المقام، فاعتبار الكلام اللائق بمقام ما يختلف عن الاعتبار اللائق بآخر (2) .
وقد يتوهم السامع أن الحال شيء متعلق بورود الكلام على خصوصية معينة في زمن معين. وأن المقام هو المكان الذي قيل فيه، ولكن الحقيقة غير ذلك إذ إن الحال والمقام شيء واحد (3) ، والاختلاف يكون في الاستعمال.
"فالمقام يستعمل مضافًا للمقتضيات فيقال: مقام التأكيد مثلاً والحال يستعمل كثيرًا مضافًا للمقتضى فيقال حال الإنكار فالإضافة بيانية" (4) .
ويشرح مؤلف معجم البلاغة العربية ذلك قائلاً: "والحال هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، وتلك الخصوصية هي مقتضى الحال" (5) أي أن يؤدَّى الكلام بسمات معيَّنة مناسبة للمقام أو الحال الذي يلقى فيه ذلك الكلام.
ولا شك أن مقتضى الحال يتفاوت بتفاوت المقامات والأحوال. فقد يقتضي الأمر إلى تنكير المسند أو تقديمه على المسند إليه، وقد يدعو الحال إلى تعريفه أو حذفه لدلالة القرائن عليه، وقد يباين مقام الوصل مقام الفصل (6) .
__________
(1) نفسه، ص 123 (شرح سعد الدين التفتازني على تلخيص المفتاح. للقزويني) (بتصُّرف)
(2) نفسه، ص126 (مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغربي) (بتصرُّف) .
(3) نفسه، ص126 (نفسه) (بتصرُّف) .
(4) نفسه، نفس الصفحة.
(5) معجم البلاغة العربية، د. بدوي طبانة، ص84، ط (3) مزيدة ومنقحة، دار المنارة للنشر (جدة) ، دار الرفاعي للنشر (الرياض) .
(6) نفسه، نفس الصفحة (بتصرُّف) ، كذلك انظر البلاغة فنونها وأفنانها، د. فضل عباس (علم البيان والبديع) ، ص11-12، دار الفرقان للنشر والتوزيع، (بتصرُّف) .
----------------------------------
ولإصابة المفصل في هذه الأمور جميعاً وتلك الأغراض، لا بدَّ من حِذق المتكلّم ومهارته في إدراك ما حوله من ملابسات الأحوال أو ظروف السامعين ومستوى ثقافتهم وسبر نفسياتهم وإلا أخطأ الهدف وضلَّ الطريق.
لذا اعتبر القرآن الكريم هو أعلى درجات الكلام بلاغة وأكثرها مطابقاً للأحوال، وكيف لا يكون كذلك وهو من لدن عليم خبير بدقائق الأمور ومقتضياتها، وصدق - عزَّ وجل - في قوله (1) :
{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا}
فالتعبير المطابق لمقتضى الحال لا بدَّ وأن يشتمل على خصائص في الصّياغة وأوضاع في التراكيب تدلُّ دلالة واضحة على معان يكون بها الكلام تاماً وافياً بالغرض مطابقًاً لمتطلبات الموقف الذي سيق من أجله (2) .
فإذا أريد - مثلاً - التعبير عن رجل له صفات الرجولة والأخلاق المحمودة بكلام مطابق لمقتضى الحال قيل: "هو الرجل" بإثبات "أل التعريف" للمسند، فوقع الكلام - كما هو ملاحظ - مشتملاً على خصوصيَّة معيَّنة اقتضاها المقام النَّفسي تجاه هذا الرجل الممدوح وهو الاحترام له ولصفاته الحسنة.
يقول د. أبو موسى:
"المطابقة إذاً تعني الصِّدق والوفاء بما في النفس"
أو كما قال العلوي:
(هي وصول الإنسان بعبارته كنه ما في قلبه…) (3) .
__________
(1) سورة النساء: 82
(2) خصائص التراكيب، دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، د. محمد أبو موسى، ص38-39، (بتصرُّف) ، ط (2) ، مكتبة وهبة، القاهرة.
(3) كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز. يحي بن حمزة العلوي اليمني.1/122. ط سنة1982-دار الكتب العالمية.بيروت لبنان.
--------------------
ولكن السؤال هنا، كيف تصل العبارة إلى السامع وصولاً صحيحاً؟ فليس المقصود قطعاً مجرَّد التعبير عن ما في النَّفس وإنّما لا بدَّ من اعتبار حال السامع ومطابقتها من جوانب مختلفة أهمُّها، حالته النَّفسية ومستواه الثقافي وحسّه الفنّي ولهجته وإلا أصبح الكلام غير مطابق لمقتضى الحال، وبالتالي لا يفي بما أريد منه.
يقول د. إبراهيم أنيس - وهو بصدد الحديث عن الحركات الإعرابية وعدم ضرورة وجودها لتمييز الفاعل عن المفعول -: "…… هذا إلى ما نعهده من أن لكل كلام ظروفاً ومناسبات ويعرف المتكلم كما يعرف السَّامع ما تتطلبه هذه الأمور من تعابير لغوية فليست اللغات مفردات ترِدُ في المعاجم، ولا جملاً منفصلة تدوَّن في الصُّحف، وإنَّما الأصل في كل لغة أن تكون في صورة كلام يتَّصل اتصالاً وثيقاً بالمتكلّمين والسامعين، فهم أعرف بمواضعه وملابساته ولا يشقُّ عليهم تمييز الفاعل من المفعول في أي كلام على ضوء تلك الظروف والملابسات" (1) .
كما يوضّح ذلك عبد القاهر الجرجاني وهو بصدد الحديث عن الاستعارة والتخييل بقوله:
"وهذا موضع لطيف جدًّا لا تنصف منه باستعانة الطَّبع عليه، ولا يمكن توفيه الكشف فيه حقه بالعبارة لدقة مسلكه" (2)
ويدخل في دقة المسلك هذه العناصر التي يستمدُّ الخيال منها صوره والمعين الذي يمده بذلك …؛ فعند اختيار صورة ما لا بدَّ لمنشئها أن يضع اعتبارات مختلفة أمامه عند إنشائه لها تختلف هذه الاعتبارات باختلاف البيئات والأمم والعصور. وهذا ما تجده في كتب الأدب وتاريخه، فكل بيئة متأثرة في صورها بمقوّماتها الطبيعية والاجتماعية وما تشتمل عليه من شؤون وتوحي بها من اتجاهات.
__________
(1) من أسرار اللغة، د. إبراهيم أنيس، ص247، ط (7) ،سنة1994 م، مكتبة الأنجلو المصرية.
(2) أسرار البلاغة، د. عبد القاهر الجرجاني، شرح وتعليق وتحقيق محمد عبد المنعم خفاجي ود. عبد العزيز شرف، ص301، دار الجيل، بيروت.
---------------
وفي كل أمة بنظمها الخاصَّة، وأساليب حياتها وما وصلت إليه في سلَّم الارتقاء المادّي والمعنوي وفي كل عصر بنزعاته العامَّة ودرجة حضارته وما جرى فيه من أحداث (1) .
يقول د. إبراهيم السّمرائي في هذا:
"وقد تكون في الفصيحة مجازات غير معروفة في الألسنة الدَّارجة ذلك أن المجاز يتأثر بالبيئة التي تدرج فيها المجموعة البشرية فأصحاب الحرف والأصناف يقذفون بمجازاتهم المألوفة المعروفة متأثرين ببيئتهم الضيّقة، وهكذا تتعدَّد ألوان القول في المجتمع الواحد" (2) .
وقد تتغير مدلولات الألفاظ تبعاً لتغير طبيعة الشيء الذي تدلُّ عليه أو لتغير ملابساته وظروفه، فلفظ الرّيشة - مثلاً - مدلوله السابق هو آلة الكتابة التي كانت تُتخذ من ريش الطيور، أما الآن فأصبح يدلُّ على تلك القطعة المعدنية في القلم وهكذا…… (3)
وقد أشار د. إبراهيم أنيس إلى أن هذا الاختلاف في المدلول اللفظي بين الأشخاص أو المجتمعات قد يكون سبباً في الجدل والنقاش حيناً أو إلى النزاع والشجار أحياناً أخرى.
لذا لا بد للمتكلّم من مراعاة فهم السَّامع حتى يصل بهذا الكلام إلى قلبه ومنها إلى الحكم على ذلك الكلام بالبلاغة (4) .
فانظر - مثلاً - إلى العصر الجاهلي كيف طغت البيئة وعناصرها على شعرائه في أي غرض من أغراضه، وليكن قول أمريء القيس التالي مثالاً على ذلك:
"وكشحٍ لطيفٍ كالجديل مخصَّرٍ
وساقٍ كأنبوب السَّقيّ المذلَّلِ
__________
(1) فقه اللغة، د. علي عبد الواحد وافي، ص237، ط (7) ، (بتصرُّف) ، دار نهضة مصر للطبع والنشر.
(2) التطور اللغوي التاريخي، د. إبراهيم السَّمرائي، ص36، ط (3) ، سنة 1983م، دار الأندلس، بيروت.
(3) نفسه) . (نفس الصفحة) . (بتصرُّف)
(4) دلالة الألفاظ، د. إبراهيم أنيس، ص9، ط (5) ،سنة1984م، (بتصرُّف) ، مكتبة الآنجلو المصرية.
-------------
وتعطو برَخصٍ (1) غير شثنٍ (2) كأنه
أساريعُ (3) ظبيٍ أو مساويك إسحل (4)

تضيء الظلام بالعشاء كأنها
منارة مُمْسى راهبٍ متبتّلِ (5) "

فانظر الى الألفاظ (جديل، أساريع، ظبي، ماسويك، إسحل) فهي من عناصر التشبيه المستمدَّة من خبرات الشاعر البيئية ومشاهداته اليوميَّة، وقس على ذلك بقيَّة الشعر في كلّ العصور، فالأديب الذي لا يكون أدبه صورة صادقة عن نفسه أو عصره أو مجتمعه وبيئته لا يُعتد بما كتبه أو قاله إذا ما قيس بغيره ممَّن اهتموا بهذا الجانب. يقول العقاد في ذلك:
"والشاعر هو الذي يعبّر عن النفوس الإنسانية فإذا كان القائل لا يصف حياته وطبيعته في قوله فهو بالعجز عن وصف حياة الآخرين وطبائعهم أولى وهو إذاً ليس بالشاعر الذي يستحق أن يتلقى منه الناس رسالة حياة وصورة ضمير" (6) .
__________
(1) الأسروع واليسروع: دود يكون في البقل والأماكن النَّدية، تشبه أنامل النساء به وهي صورة قديمة. فضلاً انظر تفصيل وشرح الأبيات في (شرح المعلقات السبع.أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني. ص31-32 ط سنة 1979م.دار الجيل بيروت.
(2) إسحل: شجرة تدق أغصانها في استواء. انظر معجم مقاييس اللغة.بن فارس تحقيق عبد السلام هارون. ط سنة1368هـ (سحل) (بتصرف) .
(3) الرخص: اللين الناعم. انظر اساس البلاغة. جار الله الزمخشري. تحقيق عبد الرحيم محمود ط سنة 1982م. دار المعرفة. بيروت - لبنان (بتصرّف) .
(4) الشثن: الغليظ الكز. (نفسه) . (شثن) . (بتصرّف) .
(5) انظر شرح المعلقات السبع،، ص31-32.
(6) شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، عباس محمود العقاد، ص133، ط (3) ،سنة 1965م، مكتبة النهضة المصرية.

رد مع اقتباس