مقتضى الحال مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم
د. سميرة عدلي محمد رزق
ملخص البحث
دار البحث حول محورين أساسيين:
أولهما: توضيح معنى "مقتضى الحال" وهو الاعتبار المناسب الذي يستدعي اشتمال الكلام على سمات وخصائص أسلوبيَّة تناسب المقام أو الحال الذي يُلقى فيه.
وثانيهما: إضاءة زوايا هذا المفهوم، وتوضيحها بالشواهد القرآنية المناسبة، مع بيان ما اشتملت عليه من سمات أسلوبية خاصَّة. وتبيَّن - خلال ذلك التوضيح - أن الكلام قد يراعى فيه حال السّياق نفسه، أو حال المتكلم وإحساسه بقوَّة المعنى الذي يتحدَّث عنه، أو حال المخاطب وما يحيط به من ظروف مختلفة.
والجدير بالذكر أن بعض الحديث قد يأتي مخالفاً للحال الظاهرة أمام مُلقيه - ومع ذلك - يُحكم عليه بالبلاغة لأسباب لم يغفلها البحث أيضاً من الذكر والتدعيم بالشواهد المناسبة من القرآن الكريم.
ونبَّه البحث إلى ضرورة حِذق المتكلم ومهارته في إدراك ملابسات الأمور حوله ليأتي حديثه على هذه الخصوصيَّة المسمَّاة ب "مراعاة مقتضى الحال"؛ فيكون بذلك قد أدَّى الوظيفة الأساسية للفن البلاغي وهي: "مطابقة الكلام لمقتضى الحال".
• • •
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد…فهذه قطرة نغرفها من بحر لا ينتهي عطاؤه ولا يُبلغ مداه… وكيف ينتهي ذلك العطاء وهو من المعطي الأول والأخير - عزَّ وجل - وهل يُبلغ منتهاه ولا يعلم ذلك إلا الله؟!
نعم ذلك هو أسلوب القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... وهو العطاء المتجدّد والينبوع الصَّافي العذب الذي بهر العقول وأراح النفوس وطمأن القلوب ... وكيف لا يكون كذلك وقد راعى الأحوال وقدَّر الظروف وسبر أغوار النفوس ... ؟! فجاء - رغم كلّ ذلك - مقتضياً للحال مُغنياً في كل مقام عن أي مقال ومقال!
هذا وقد تناول البحث في هذه القطرة اليسيرة:
(مقتضى الحال - مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم)
وذلك وفق المنهج الآتي:
تمهيد- ويشمل الإشارة إلى بعض النصوص التي وردت فيها معنى "مقتضى الحال"، ثم كان:
المحور الأول: ويشمل:
شرح العبارة وبيان أن المقصود بمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب المستدعي للسمات والخصائص التي يأتي عليها أسلوب المتكلم ليوافق حديثه المقام أو الحال الذي أنشأ له كلامه، وقد دُعّم هذا التوضيح - لمفهوم مقتضى الحال - بنصوص ذكرها بعض العلماء والنقاد والدارسين في اللغة والأدب والبلاغة سواء منهم المحدثين أو القدماء من أمثال د. إبراهيم أنيس والدكتور بدوي طبانة والدكتور إبراهيم السَّمرائي والدكتور محمد أبو موسى والعقاد والدكتور علي عبد الواحد وافي والشيخ عبد القاهر الجرجاني وابن رشيق والقاضي الجرجاني وابن خلدون وغيرهم، ولم يُراعَ في ذكر هذا النصوص.
التسلسل الزمني لقائليها؛ وإنما روعي حاجة السّياق في البحث إلى كل نص منها، ليكون ذلك تطبيقًا عمليًّا لموضوع البحث في البحث الذي بين يدي القاريء.
وخُتم هذا الباب ببيان أن القرآن الكريم هو خير ما يمكن أن يستشهد به في بيان صحة مفهوم هذه العبارة، لأنه خير الأقوال التي جاءت مطابقة للحال ومقتضية له.
أما المحور الثاني فكان مخصَّصًا لتحديد زوايا مفهوم "مقتضى الحال" ثم إضاءتها على ذلك في ضوء أسلوب القرآن الكريم، وهذه الزوايا هي:
أ- حال السياق
ب- حال المتكلم
ج- حال المخاطب
وقد ركز البحث على ذكر أمثلة وشواهد من القرآن الكريم على كل زاوية من الزوايا السابقة وتوضيح الطريقة الأسلوبية المتبعة في كل مثال منها لبيان قُدرة القرآن الكريم - ذلك الكتاب الفذ - على التعبير عن كل الأحوال ومراعاة جميع الظروف والملابسات التي تحيط بالمقام الذي جاءت فيه الآية الكريمة… الأمر الذي يدعو دائمًا إلى الاعتراف بإعجازه البياني والذي أذهل - من قبل - فُصحاء العرب وجلة شعرائهم وأدبائهم.
كما لم يغفل البحث خلال هذه الشواهد ذكر شواهد أخرى من القرآن الكريم نفسه لم يراعِ فيها السّياق مقتضى الظاهر ومع ذلك جاء الأسلوب بليغًا مصيبًا للهدف الذي سيق من أجله.
ثم كان التعقيب في نهاية البحث، أشير فيه إلى أن ما لم يذكره البحث أغنى عنه ما ذُكر، سواء كان ذلك في نقطة خروج الكلام على مقتضى الظاهر أو ما كان على خلاف مقتضى الظاهر، وما ذاك إلا لأن الأحوال كثيرة ومقتضياتها مثلها ومجال نشر البحث لا يسمح بأكثر مما ذُكر، ولولا الإيمان بالمقولة القائلة: "ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه" ما كانت الجُرأة على أخذ هذه القطرة اليسيرة من ذلك الخضم الهائل الذي غرف منه علماء البلاغة من أساتذتنا ومعلمينا جزاهم الله عنا خير الجزاء.
ولعل من أسباب اختيار هذا الموضوع هو:
الرغبة في إيضاح عبارة "مقتضى الحال" بكل أبعادها، نظرًا لما لا حظته أثناء تدريسي في الجامعة لمادة البلاغة، ومن تخبط الطالبات في تحديد هذا المفهوم - واقتصارهن في فهمه على زاوية واحدة فقط وهي حال المخاطب-، ولما جنيته من نتيجة - أحمد الله عليها - عند إيضاحه لهن - كما ينبغي -.
من هنا كان الدافع قويًّا إلى تخصيص هذا العمل المتواضع لإلقاء الضوء على زوايا هذا المفهوم، وتحديدها تحديدًا يساعد طلبة العلم وطالباته على الفهم الصحيح لها.
أما كون شواهد البحث مستمدة من القرآن الكريم فما ذاك إلا لكون القرآن الكريم - وهو أمر لايخفى على دارسي اللغة وعلمائها - هو المورد الأصيل والمثال النادر لكل درس لغوي أو بلاغي - بلا جدال- فضلاً عن الرغبة الأكيدة في خدمة كتاب الله العزيز قبل أي شيء آخر، ثم في قضاء سويعات ممتعات في تأمل آيات الله الكريمات ودراستها… لتستريح بهذه الدراسة النفس، ويطمئن لها الفؤاد، ويقوَّم بها اللسان.
وبعد… فهذا جهد المقل والله - سبحانه وتعالى - أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم… خادمًا لقرآنه العظيم… مضيئًا لطلاب العلم بعض السبيل… إنه على كل شيء قدير.
التمهيد:
قبل التعرُّض لمقتضى الحال ومفهومه ينبغي الإشارة أولاً إلى الموضع أو المناسبة التي وُجِد فيها هذا التعبير "مقتضى الحال" ومنها تدرك أهميته…
يصادف القاريء هذا التعبير عند قراءته لتعريف بلاغة الكلام لدى القزويني في قوله:
"والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته" (1)
كما نلمح هذا التعبير أيضًا في التعريف بعلم المعاني، فيُقال:
"هو علم يُعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال" (2)
ولست بصدد التعريف بعلم البلاغة بصفة عامَّة ولا بعلم المعاني بصفة خاصَّة - هنا - فقد اكتظَّت المؤلَّفات البلاغية بذلك ولكن هدف هذا العمل هو توضيح هذا المفهوم من خلال وضع النقاط على الحروف، أو بالأحرى إضاءة بعض الزوايا التي تحتاج إلى إضاءة في هذا المفهوم، مع ذكر بعض الأمثلة والشواهد القرآنيَّة المدعّمة لذلك.
__________
(1) التلخيص في علوم البلاغة، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، ضبط وشرح عبد الرحمن البرقوقي ص33، ط (1) ، سنة 1902م، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان.
(2) شروح التلخيص، 1/155. (عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح. بهاء الدين السبكي) . ط (بدون) دار السرور بيروت - لبنان.