عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-17-2017 - 07:05 AM ]


صفاته:
كان السيد أحمد صقر طويلاً مهيبًا، آتاه الله - عز وجل - بسطة في العلم والجسم، وكان - رحمه الله - (ملوكي المذهب)؛ أي: حسن الهندام والهيئة، ولم يكن يرتدي الزي الأزهري المعهود، مع أنه أزهري النشأة والوظيفة، ومن أب أزهري.

يقول الدكتور عادل سليمان: "قابلت الأستاذ سيد صقر أول مرة عام 1955م بدار الكتب المصرية، وتوطدت أواصر صداقة متينة، على فارق ما بيننا من السن والعلم، نمت على مرِّ السنين بلقائنا الكثير في دار الكتب، ثم في منزل محمود شاكر، ثم في منزله، كان السيد أحمد صقر جامعًا لمراتب الكمال، ونبل الخصال، مع تألهٍ وتنزه، ودين ويقين، وعفافة ونظافة، لقي عنتًا وتجاهلاً فمضى على سنَّته، واعتزل الناس بدوره، فبدا لمن لا يعرفه فظًّا غليظًا، وهو في حقيقة أمره دمث ألوف، لم يسعَ وراء منصب، أو يركض خلف جاه، وكان كثيرًا ما يتمثل بقول أبي العلاء:

إِذَا كَانَ عِلْمُ النَّاسِ لَيْسَ بِنَافِعٍ وَلاَ دَافِعٍ فَالخُسْرُ لِلعُلَمَاءِ
قَضَى اللَّهُ فِينَا بِالَّذِي هُوَ كَائِنٌ فَتَمَّ وَضَاعَتْ حِكْمَةُ الحُكَمَاءِ" [29]



كما كان السيد أحمد صقر على جانب عظيم من العزة والأنفة والاعتداد بالنفس، مع حدة في الطبع، وعسر في الخلق، وقسوة مبررة أحيانًا، وغير مبررة في بعض الأحيان.

أما كرمه، فقد كان من أكرم الناس وأسخاهم يدًا، يعرف ذلك كل مَن عاشره وتعامل معه، خصوصًا طلابه الذين كان بعضهم لا يجد قيمة ما يشتري به الكتب المقررة عليهم أثناء الدراسة، فيوفرها أستاذهم السيد أحمد صقر من حسابه الخاص، وأخبرني الدكتور رضا السنوسي[30]: أن السيد أحمد صقر ربما زار مَن مَرِض مِن طلابه، مما يدل على أن وراء قسوته الظاهرة قلبًا رحيمًا، وأن قسوته لم تكن إلا عملاً بحكمة أبي الطَّيِّب:


فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَم


ويقول الدكتور محمد حسن بخاري: "كان السيد أحمد صقر رحيمًا عطوفًا، عند الحاجة إلى الرحمة، وشديدًا قاسيًا لا يخشى لومة لائم، حين الحاجة لها "[31].

السيد أحمد صقر محققًا:
دارَ إنتاج السيد أحمد صقر في ميدانين اثنين، الأول: تحقيق النصوص التراثية ونشرها، والثاني: كتابة بعض المقالات النقدية لطائفة من كتب التراث، وفي كلا المجالين ظهر علمه الغزير، وثقافته الواسعة، وبصره بعلوم الشريعة واللغة، كتابًا وسُنة، وتفسيرًا وفقهًا، وأصولاً وتاريخًا، وأدبًا ونحوًا، حتى إنه كان كثيرًا ما يردد في محاضراته عبارته الطريفة: "لَسْتُ مُحَدِّثًا ولا مُفَسِّرًا وَلاَ فَقِيهًا، وَلَكِنَّنِي أُخَرِّجُ المُحَدِّثَ وَالمُفَسِّرَ وَالفَقِيهَ".

أما التحقيق، فإنه فيه أمَّة وحده، في دقة منهجه، وأصالة رأيه، وحسن عرضه، وشدة إخلاصه للمهمة الشاقة التي جرد عزمه لها، وانتدب نفسه للنهوض بها، وصَبْرِه على تحمل أعبائها، حتى يخرج الكتاب من بين يديه مستحصدًا قويمًا، حيث كان يسير في تحقيقاته على منهج شاق، عسير، بعيد المنال، فكان لا يُقدِم على تحقيق كتاب، حتى يعيش مع صاحبه، ويخبر حياته ونفسيته، ويعرف لغته ومدارج القول عنده، ويقرأ كل مصنفاته والمصنفات الأخرى في الموضوع نفسه، يظهر ذلك من خلال مقدماته النفيسة للكتب، التي أشبه ما تكون بدراسات مستقلة في بابها، حيث أول ما يبدؤك به هو ترجمة المؤلف، وذكر أحواله وأطواره، وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته.

وربما نقل صفحات بأكملها من تلك المؤلفات - حيث كانت في عهده مخطوطات - للدلالة على نفاستها، ثم يستطرد في بعض ما يذكر، فيأخذ في تصحيح بعض الأوهام الشائعة حول بعض الكتب، أو الأعلام، أو المسائل العلمية، ثم يذكر بعد ذلك بيئة المؤلف وأحوال عصره الثقافية والاجتماعية والسياسية، ثم يبين منهج المؤلف في كتابه، ومكانة الكتاب من بين الكتب المؤلفة في موضوعه، ثم ينتقل إلى وصف مخطوطات الكتاب، والدلالة على أماكن وجودها، ثم على طبعاتها السابقة والفرق بين تلك الطبعات، كل ذلك بأسلوب جزل مشرق رصين، قوامه المنطق السليم، والبحث العميق، والاستنتاج الدقيق، والرأي الصائب المؤيد بالأدلة الناصعة، والبراهين الساطعة.

ولم يكن تحقيق السيد أحمد صقر واقفًا على حدود المتن فقط، بحيث يتوارى خلف نصوص الكتاب المحَقَّق؛ بل يطالعك بشخصه، ويصارحك برأيه، ويصف لك شعوره أحيانًا، حتى تحس أنك أمام رائد يرتاد بك منازل الكتاب، مفسرًا لما غمض من ألفاظه، موضحًا لما أبهم من معانيه.

ومن تأمل حواشيه وتعليقاته على كتبه يقف على أشياء معجبة تبهر العقول، من توثيق نقول، وربط موضوعات بأماكنها من كتب المصادر الأصلية، ونقل بعض الآراء والمسائل ووجوه المذاهب؛ من أجل تعضيد رأي، أو توهين قول، أو تفصيل مجمل، أو توضيح مبهم، أو الإشارة إلى مصدر فكرة، أو اتفاق خاطر؛ ليكون الدارس للكتاب على بينة وثقة مما ذكره المؤلف، محيطًا بفقه المسائل التي عرض لها، جامعًا لأطراف الآراء ووجوه المذاهب فيها، وليسهل عليه سبيل الاستزادة إن ابتغى إليها سبيلاً، وفي هذا يقول الدكتور محمود الطناحي: "وهو من أقدر الناس على تقديم كتاب، وتقويم نص، وتوثيق نقل، وتخريج شاهد، واستقصاء خبر، وإن له من وراء ذلك كله علمًا جامعًا بالمكتبة العربية، وإدراكًا للعلائق بين الكتب".

وقد كان لهذا المنهج الشاق العسير أثر كبير في قلة أعمال السيد أحمد صقر، وعدم تكاملها، حيث وعد في مقدمات كتبه بإخراج وتحقيق كتب كثيرة؛ مثل: كتاب "المعارف" لابن قتيبة، وكتاب "نوادر الحكايات" للبيهقي، وكتاب "بغية الرائد" للقاضي عياض، وكتاب "الوسيط" للواحدي، وكتاب "هداية المرشدين" للباقلاني، ولكن لم يرَ النورَ من تلك الكتبِ شيءٌ.

كما أعد نصوصًا كثيرة للنشر، تعب في تحصيل نُسَخِها تعبًا باهظًا؛ مثل: "المصنف" لابن أبي شيبة، و"أمثال الحديث"، و"المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، وكلاهما لأبي محمد الرامهرمزي، و"أعلام السُّنن" لأبي سليمان الخطابي، و"المصطفى المختار في الأدعية والأذكار" لمجد الدين بن الأثير، و"الجليس والأنيس" للمعافى بن زكريا الجريري النهرواني، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله.

إلا أن السيد أحمد صقر تباطأ في إذاعتها؛ لأنه أراد أن يقرأها على مُكث، ويعطيها حظها من الإتقان والإحسان، فسبقه إليها أيدٍ كثيرة فأخرجتها، ما كانت لتخرج لو بقيت عنده، وهذا ما دعاه إلى أن يطوي صدره على كثير من النفائس والنوادر، ثم جرَّه هذا إلى شيء من الملل، وهجْرِ النشر مدة طويلة.

وهاك مسردًا بآثار السيد أحمد صقر العلمية المحققة:
ففي علوم القرآن الكريم:
1- إعجاز القرآن، للباقلاني: مجلد واحد، دار المعارف بمصر، 1374هـ/ 1954م[32]، وطُبِع مرارًا.
2- تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (شرح وتحقيق): مجلد واحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1373هـ/ 1954م، وصُوِّر بعد ذلك مرارًا.
3- تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة (شرح وتحقيق): مجلد واحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1378هـ/ 1958م، وصُوِّر بعد ذلك مرارًا.
4- أسباب النزول، للواحدي: مجلد واحد، دار الكتاب الجديد، 1389هـ/ 1969م[33]، وطُبِع مرارًا.

وفي علوم السنة النبوية:
1- فتح الباري، لابن حجر (تعليق): ثلاثة مجلدات (لم يتم)، دار الكتاب الجديد، 1389هـ.
2- الإلماع، للقاضي عياض: مجلد واحد، مكتبة دار التراث، 1389هـ/ 1970م، وطبع أكثر من مرة.
3- دلائل النبوة، للبيهقي: مجلد واحد (لم يتم)، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، 1389هـ/ 1970م.
4- معرفة السنن والآثار، للبيهقي: مجلد واحد (لم يتم)، المجلس العلى للشؤون الإسلامية، 1390هـ/ 1970م.
5- مناقب الشافعي، للبيهقي: مجلدان، مكتبة دار التراث، 1391هـ/ 1971م.
6- شرح السنة، للبغوي: مجلد واحد (لم يتم)، مطبعة دار الكتب، 1396هـ/ 1976م.

في اللغة والأدب والشعر:
1- جمع وشرح ديوان علقمة الفحل: مجلد واحد، مطبعة المحمودية بالقاهرة، 1353هـ/ 1935م.
2- مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصبهاني (شرح وتحقيق): مجلد واحد، 1368هـ/ 1949م.
3- الهوامل والشوامل، لأبي حيان التوحيدي ومسكويه[34]: مجلد واحد، لجنة التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة، 1370هـ/ 1951م.
4- البصائر والذخائر، لأبي حيان: مجلد واحد (لم يتم)، لجنة التأليف والترجمة والنشر بوزارة الثقافة، 1373هـ/ 1953م[35].
5- الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، للآمدي: مجلدان (لم يتم)، دار المعارف بمصر، 1379هـ/ 1960م[36].
6- الصاحبي، لابن فارس: مجلد واحد، طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، 1397هـ/ 1977م.

السيد أحمد صقر ناقدًا:
أما الميدان الآخر الذي أعمل فيه السيد أحمد صقر فكرَه الدؤوب، وقلمه النشيط، فهو نقد منشورات كتب التراث، ولأن النقد أول شروطه الحرية: الحرية العقلية، والحرية العلمية، والحرية الأدبية، فهو لا يعرف الصداقة، ولا يعرف الإكبار والإجلال، ولا يعرف المجاملة والمداجاة، وبكل هذه المزايا تمتع السيد أحمد صقر، فكان من نوابغ النقد في عالمنا العربي.

فقد كان السيد أحمد صقر باحثًا جريء الرأي، يصدع بالحق، ويحطم الأغلال، ولا يبالي على مَن يقع معولُه، سواء كان منقودوه ممن هم في مرتبة أساتذته الذين يشعر لهم بالفضل، أو أصدقائه الذين يبادلهم الود، أو الأبعدين الذي يشاطرهم المجاملة.

كما كان أيضًا ناقدًا نافذ البصيرة، جدليًّا دامغ الحجة، وكان يشيع فيه عراكُ الأقلام لذةً ومتاعًا، ويرى السيد أحمد صقر: "أن ضعف النقد يدعو إلى العجب العريض، والأسف العميق"، وكان يدعو: "كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون الناشر بنشر ما يرتئيه من أخطاء، وما يعنُّ له من ملاحظات، فبمثل هذا التعاون العلمي المنشود تخلص الكتب العربية من شوائب التحريف والتصحيف، الذي منيت به على أيدي الناسخين قديمًا، والطابعين حديثًا".

كما كان السيد أحمد صقر يعتقد: "أن الناقد يجب أن ينشر نقده بالحق وفي سبيله، غير عابئ بعتبٍ ولا غضب، ولا خانسٍ من المكاشفة بما يرى، فإن الجبن والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد، كما أنه لا يشجى من الإصْحَار بالحق إلا كلُّ مهيض المرة، منحل العقيدة، جبان العقل والقلب والضمير"، وكان يرى أن كثرة النقد: "ليست من قبيل البحث عن العيوب والفضائح والزلات؛ بل هو الإنصاف الذي يوجبه الدين، والذي يقضي على الباحث أن يقول الحق حيث علمه، غير كاتم على خَارِبٍ خِرَابَتَه..."، وأن النقد يجب أن يُعَدَّ: "نصيحة نافعة تستوجب الدعاء والثناء، لا الغمز واللمز على نحو ما يفعله سفهاء العلماء، إذا ما مُسُّوا بضرب من ضروب النقد، ولو كان يسيرًا؛ أنفة منهم من الخضوع للحق الأبلج، وذهابًا بأنفسهم عن الخطأ، الذي يذهب بما لهم من جلال وكمال رأوه لأنفسهم، باختداع الشيطان إياهم، وتسويله لهم أنهم من كملة العلماء".

وليست تلك الاعتقادات من باب الدعاوى العريضة؛ بل هو منهج ارتضاه لنفسه، وبها بدأ؛ وفي ذلك يقول: "وإني على نهجي الذي انتهجت منذ أول كتاب نشرتُ، أدعو النقاد إلى إظهارِي على أوهامي فيها، وتبيينِ ما دقَّ عن فهمي من معانيها، أو ندَّ عن نَظَرِي من مبانيها؛ وفاءً بحق العلم عليهم، وأداء لحق النصيحة فيه، لأَبْلُغَ بالكتاب فيما يُسْتَأنَف من الزمان، أمثلَ ما أستطيعُ من الصحة والإتقان".

وبهذا المنهج الأصيل أمتع السيد أحمد صقر القرَّاءَ بثروة من المقالات القيمة لنقد طائفة من كتب التراث، اتسمت بالأصالة والدقة والأمانة، وأبانت عن قدرة فذة في تصحيح التصحيفات، وجرأة عالية في تفسير الغامض، وتوضيح المشكِل.

وقد كان لهذه النقدات أثرٌ كبير في تقويم مناهج النشر، وشحذ لأذهان المؤلفين والمحققين، وتمحيص لحقائق العلم، وربما كان فيها أحيانًا ما يثير الحفيظة، ويوغر القلب، إلا أنه بجانب ذلك حقائق تذاع، وبحوث تنشر، تدل على عقل باحث، وقلم نشيط.

النقد بالصمت:
ومن طريف نقدات السيد أحمد صقر: ما ذكره لي الأستاذ منصور مهران - حفظه الله -: وهو أنه وقف على كتاب طبع في مصر، يطعن في القرآن الكريم، لمؤلف مجهول، يقول الأستاذ منصور: فاستعظمتُ ذلك، وحملت الكتاب مباشرة إلى شيخي محمود محمد شاكر، فأمرني مباشرة بحمله إلى السيد أحمد صقر، وكان حينها أمينًا عامًّا لمجمع البحوث الإسلامية، فلما ذهبت إليه في مكتبه، قال لي: "لقد وقفنا على هذا الكتاب، وسوف نقتله بالصمت"، واستشهد بالأثر المروي عن عمر - عندما غلا سعر اللحم في زمانه -: "أرخصوه بالترك"، يقول الأستاذ منصور: ثم تبين بعد ذلك أن اسم المؤلف وهميٌّ، وأن الكتاب مجلوب من الخارج؛ من أجل استفزاز العامة، وشَغْلِ الخاصة.



رد مع اقتباس